امتزج حديث المواطنين في الأيام الماضية بين السياسية وموجة الغلاء الفاحشة التي هاجمت الافراد المساكين الذين لا يجدون من يخفف معاناتهم المستمرة والمتراكمة، حيث تشهد أسواق المواد الغذائية في العراق ارتفاعا متواصلا تجاوز عتبة نصف القيمة مقارنة بسعرها القديم.

وتؤكد التوقعات الاقتصادية ان منحنى الأسعار سيواصل ارتفاعه في ظل الصمت الحكومي إزاء هذه الانتهاكات بحق المواطنين لاسيما من ذوي الدخل المحدود او الكسبة المعتاشين على كسب قوت يومهم ولا يملكون غيره، ما ينذر بقدوم ازمة اقتصادية مستفحلة لا يمكن حلها، كونها اضربت جذورها بأعماق البنية المجتمعية العراقية وأصبح من الصعب لملمتها وحصر تأثيرها.

بديات شبح الارتفاع انطلقت عندما أقدمت الحكومة الحالية على رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، ويعتبر ذلك ضريبة غير مباشرة على أصحاب الرواتب تصل الى نسبة 20%، ما أدى الى ارتفاع أسعار السلع بنسبة تجاوزت معدل خفض العملة بالأساس، ويعود هذا الخلل الى التقصير الحكومي الذي عرفناه منذ سنوات.

ضعف هذه التأثير طال الطبقات الكادحة التي تقاوم العوز وتجبر نفسها على عيش الواقع المرير الذي أصبح نمط حياة لا يمكن الخروج عنه والاصعب من ذلك هو تقبل هذا الواقع، اذ قاد الامر الى غرق الطبقة الوسطى في أزمات متلاحقة قد تؤدي في مرور الأيام الى انهيار أجزاء كبيرة منها الى حافة الفقر.

يتحدث الكثير عن ارتفاع أسعار الطحين في الأسبوع الماضي الى جانب غيره من المواد الغذائية الأساسية، ويعود السبب وراء ذلك الى غياب الرقابة الفعلية على الأسعار في الأسواق التي تعاني من الجشع الكبير، فضلا عن الاحتكارات الاقتصادية المحلية التي تتحكم فعلياً باستيراد المواد دون الخضوع الى الرقابة الحكومية وبقاء باب السوق المحلية على مصراعيها.

أكثر الأشياء التي اغمضت الحكومة عينها ولا تريد الالتفات اليها هي وقد تكون أهمها مراقبة السوق المحلية ومنع التجار والمضاربين من التلاعب بمصائر الشعب، فلا توجد لغاية اليوم فرق وظيفتها منع رفع الأسعار بما يرهق المواطن، وتبقى جميع الجهود المبذولة والتصريحات ردود فعل وقتية تذوب مع تقادم الأيام.

غياب عنصر الرقابة على التجار جعل المواطن المسكين يفقد الامل ويقطع الظن بوجود من يدافع عن حقوقه ويسهر على راحته وعدم شقاءه، اذ يهدد ارتفاع الأسعار وتفاقم البطالة بين شريحة الشباب خصوصا بوقوع اضطرابات اجتماعية، فتظهر الى السطح جرائم الابتزاز والسرقة والاعتداء على المال العام، وغيرها من الممارسات غير الاخلاقية والناجم بعضها من الحاجة الفعلية لهؤلاء الافراد.

ولا يقل أهمية عن الأسباب المذكورة هو غياب سياسات اقتصادية رشيدة تعالج الأوضاع، وهذا التقصير يعلق على شماعة السلطة التشريعية، التي لم تقوم بدورها الحقيقي عبر وضع سياسات وقوانين تعالج الأزمات المتفاقمة، ومن بينها ضبط حركة البضائع وجعل الدور الأكبر للدولة في استيراد السلع والتحكم بأسعارها، أي القيام بعملية الاستيراد وتزويد تجار الجملة والتجزئة بها بأسعار مريحة بالنسبة للمواطن البسيط.

ويؤدي هذا التدخل الحكومي الى منع الأذى من اللحاق بقطاعات واسعة من أبناء الشعب، وقطع الطريق على المتنافسين بصورة غير نزيهة على حساب المواطن ومحاولة ايذاءه بسلب أمواله عنوة، ذلك كونه مجبر على اقتناء هذه الحاجيات الأساسية، وهي بالأساس تشكل عبئ على الفقراء ومحدودي الدخل بسعرها وقيمتها القديمة.

البيئة الاقتصادية في العراق بحاجة الى معالجة جادة وهذا لم يحصل الا بعلاج المشكلة من جذورها، واجراء تغيرات جذرية على النظام التجاري الذي يتسم بعدم الاستقرار والوضوح، ونتج عن حالة عدم الاستقرار هذه العزوف عن الاستثمار الإنتاجي الداخلي بدلا من تحفيز المستثمرين للمساهمة بسد الحاجة المحلية.

لا يمكن صد موجة الغلاء المستعرة والمرشحة للتصاعد أكثر، ولا معالجة الأزمة الاقتصادية، إلا بالتحرر الفوري من القيود القديمة التي تطوق الاقتصاد العراقي ومستوى تدخل الحكومة بعملية التبادل التجاري، والعمل على نقل المواطن من النمط الاستهلاكي الى آخر أكثر قدرة على التنمية المستدامة وتحقيق رفاهية الافراد بعد فترة معاناتهم المتواصلة.

الى الحين ولا يزال الافراد يترنحون من الكدمات السياسية والمنازعات حول نتائج الانتخابات، اضيف اليها الهم الجديد (ارتفاع الأسعار)، الذي هاجم معيشتهم وصار كوحشا ضاريا لا يرحم أحد ولا يوجد من يقضي عليه، وهذه الأوضاع تجعلنا نقول المثل الشعبي، (المارضة بجزة رضا بجزة وخروف).

اضف تعليق