في بابل تجري حرب شرسة على تحديد هوية المدينة، هي حرب حدثت نتيجة خطأ في التسويق، لكنها مستمرة لحد هذه اللحظة، العلمانيون يروجون لإقامة مهرجان بابل مع حفلات الطرب وجلب نجوم الغناء العربي، والمحافظون أصحاب الهوية الدينية يرفضون ويعتصمون ويقيمون الصلوات ويقدمون طلبات رسمية لإلغاء المهرجان.

بابل مدينة تحتفظ بقيمها الدينية ولا يمكن تلويثها بنجوم الغناء.. هكذا يقول أصحاب الهوية الدينية.

بابل مدينة التاريخ والحضارة ولا يحق لأحد إيقاف عجلة التاريخ الذي بني منذ آلاف السنين.. هكذا يرد المعسكر العلماني.

مهرجان بابل صراع عميق على تحديد هوية المدينة، بين العلمانيين والمحافظين المتدينين. كل طرف يملك أسلحته الخاصة بما يرفع منسوب انتصاراته.

أصحاب النظرية المحافظة يملكون الجغرافيا، فهم يسيطرون عملياً على مدينة بابل، ويستطيعون غلق المدينة بوجه الوافدين إن أرادوا ذلك، وقد لوحوا بهذا الإجراء بعد اعتصامات صغيرة وإقامة صلاة الجماعة، وتوجيه طلبات رسمية للحكومة المحلية.

أما اصحاب النظرية العلمانية فإنهم يملكون التقنيات الحديثة التي تستطيع احتلال تضاريس الوعي الجماهيري داخل المدينة، ما يسبب حالة قلق ضاغطة على المحافظين.

فمواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية والعالمية تنحاز تلقائياً للنظرية العلمانية، يملكون كل القدرة والمعرفة والتقنية التي تستطيع الدخول إلى كل بيت عراقي، بما يمكنهم من خلخلة البنيان الذي رصفه خصومهم طيلة القرون الماضية.

الصراع شبه متوازن

ومع تباين الأدوات لدى كل طرف، تبقى الموازنة في الصراع هي الأفضل، لأن تفرد أحدهما بأداة لا يجعله قادراً على سحق الآخر وحسم النتيجة لصالحه، لذلك سيستمر الجدل على هوية مدينة بابل، ومع كل تظاهرة دينية او علمانية.

وإذا ما استبعدنا فكرة النصر الكامل لأحد الطرفين فهذا لا يعني عدم حدوث أضرار في سمعة كل منهما، فالصراع على الهوية قائم بالأساس على بناء الصورة المثالية للجماعة الاجتماعية.

ومن خلال المؤشرات التي استقيناها من الجدل في الأحداث السابقة مثل أحداث ملعب كربلاء الدولي، وقدسية كربلاء، وإطلاق اسم مدينة الإمام الحسن على محافظة بابل، وجدل عيد رأس السنة الذي يتجدد كل عام، يتبين أن أنصار النظرية المحافظة يتضررون كثيراً من هذا السجال.

سبب تركز الضرر على المحافظين هو القدرة الهائلة لوسائل التواصل الاجتماعي التي لا يجيدون التعاطي معها، فهم قبل سنوات قليلة كانوا يحاربون ضد مواقع التواصل ويدعون الناس لمقاطعتها، ما تسبب في نفور انصارهم منها.

وبعد عودتهم القسرية لها، لم يستطيعوا مواكبة التطورات فيها بسرعة، فتأخروا كثيراً ولم يستطيعوا إدارة السجال عبر مواقع التواصل بشكل يمكنهم من إلحاق الضرر بالطرف الآخر.

أما على المستوى الفكري فأنصار النظرية المحافظة يركزون على القيم الدينية والاجتماعية الثابتة، وهي قيمة يرفضها الطرف العلماني الذي يركز على التغيير في الحالات تحت شعار الحرية في الممارسة للجميع، وبما أنك تمارس طقوسك الدينية؛ من حقي كعلماني أن أمارس طقوسي وفق ما حدده الدستور والقانون.

ويملك العلماني رصيداً كبيراً من وسائل اسكات المعسكر المحافظ، فهو يربط دائماً بين فشل السياسيين الاسلاميين (بغض النظر عن دقة الحجة) وبين الهوية الدينية المحافظة وأنصارها، مستفيداً من الصورة السلبية الرائجة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل عن سوء إدارة الأحزاب الإسلامية للواقع العراقي.

الحاضر والمستقبل

صحيح أن المجتمع العراقي مهيأ لهذا الصراع، الهوية مرتبكة وفي حالة تدافع بين هويات متضادة، لكن السبب الأساسي لهذه المعركة على تحديد الهوية هو اللجنة المنظمة للمهرجان، فقد فشلت في قراءة المجتمع البابلي خصوصاً والمجتمع العراقي عموماً، وكأنها لا تعرف أن إقامة مثل هذه الحفلات يثير جدلاً واسعاً وربما يتسبب بإلغاء المهرجان بشكل كامل، ما يعني فشل اللجنة.

لم تبعث اللجنة رسائل اطمئنان واضحة للمجموعات العراقية المتنوعة، فإذا كان المهرجان استثنائياً وجب على اللجنة المنظمة إطلاق حملة علاقات عامة استثنائية أيضاً، وهذا لم يحصل.

بقيت فقرات المهرجان غامضة، فيما تم التركيز على نجوم الغناء ليتلقفها فريق من مجتمع المحافظين، وتم تسويقها في شبكات التواصل الاجتماعي، زادوا الجدل حول الموضوع، رد عليهم العلمانيون.

الحكومة والجهات المعنية صامتة، أو تتحدث بخجل، بينما يجري الصدام الهوياتي بشراسة.

سوف تنتهي حالة الهيجان والمناكفات بين الطرفين، ويعود كل شخص إلى ممارسة حياته الطبيعية، إلا أن الصراع الكامن والظاهر على تحديد هوية المجتمع العراقي سوف تتجدد مع كل مناسبة دينية أو محفل ثقافي.

سوف نعود إلى مرحلة جديدة، الخاسر فيها من يقدم خطاباً لا يتوافق مع روح الوضع الراهن الذي تسيطر عليه مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

وسوف يخسر أكثر من لا يتفهم وجود الاختلاف، لأنه سيحدث لا محالة بفعل التطورات التكنلوجية الهائلة التي تفرض على الجميع الاعتراف بالآخر، فمن يريد مدينة مغلقة للمحافظين يخسر، ومن يريد مدينة مغلقة وخاصة للعلمانيين سوف يخسر أيضاً.

المستقبل للمجتمعات المفتوحة بفعل التقنيات الحديثة، وانصار الهوية الذين يستطيعون فهم هذه الحقيقة سوف تسود هويتهم وتتضاءل وتضعف الهوية المضادة لهم، ومن لا يريد تقبل الواقع سوف يسقط ويذهب بعيداً حاملاً جروح الهزيمة.

اضف تعليق