الدعوات للمشاركة في الانتخابات صارت فنًا من فنون الوطنية، أن تشارك فأنت مخلص لبلدك وشعبك، وإن لم تشارك فأنت مهمل لواجباتك الوطنية، وتستحق العقاب اللفظي والاتهامات بالتخاذل.

وهذه معادلة سطحية ولا تنطلق من عميق فهم، فالمشاركة وعدمها لا تعطي ميزات وطنية لمواطن على حساب الآخر، والمقاطع ليس خائنا لأن الانتخابات تعني اختيار هيأة تشريعية والتي بدورها تختار الحكومة أيضًا ومن ثم تحدد مسار القرارات الحكومية وتأثيراتها على المواطن.

إذاً فالانتخابات تعطي شرعية لمجلس النواب والسلطة التنفيذية، وما يتبع ذلك من دعم شعبي لما يصدر من قرارات وقوانين، وما يتبعه من إرساء الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلد.

أما الإقبال الضعيف أو المقاطعة فهي فعل سياسي ديمقراطي، يعطي إشارة إلى أن النظام الحاكم لا يمثل الشعب، ويؤكد أنه مع انتخابات غير متوازنة يصبح فعل الانتخاب وعدمه لا يفرق في الواقع، ربما بسبب انتشار التزوير في التصويت، أو محاولة المنظومة السياسية فرض قانون انتخابي لا يمثل ارادة الجماهير ويتم تصميمه لفوز طبقة سياسية معينة، وقد يكون الامتناع الشعبي بسبب معرفتهم بحجم التدخل الخارجي في مرحلة اجراء الانتخابات وما بعدها.

هل توجد مثل هذه المشكلات الانتخابية في العراق (التزوير، والقانون غير العادل، والتدخل الخارجي)؟

نعم، هذا المثلث ثابت ولا ينكسر، لأن المنظومة السياسية الحالية لا تريد من الشعب أن يكون صاحب قرار، ولذلك تعمل الكتل الرئيسية على إفراغ الانتخابات من محتواها على طول الدورات الانتخابية السابقة، والانتخابات المنتظرة ليست استثناء.

أما عن التدخل الخارجي، فهو يزداد سنة بعد أخرى، ويكفي هنا استذكار لحظات ما قبل تشكيل الحكومات، وما يدور فيها من صراعات بين السفراء والمسؤولين الاجانب لترجيح كفة مرشح على حساب الآخر، حتى أن عدد المقاعد في البرلمان التي يفترض أنها انعكاس لخيار المواطنين لا تغير في المعادلة إلا قليلًا، الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب وأغلب ما ينبثق عن الاقتراع الشعبي لا يمثل الشعب، إنما يمثل الدائرة السياسية الضيقة بشقيها الداخلي والخارجي.

يتساءل المواطن الممتنع عن التصويت: ما فائدة المشاركة في انتخابات لا تحدد شكل الحكومة؟

يجيبه انصار المشاركة: لو شارك الفريق المقاطع بأجمعه، لاستطعنا تشكيل جبهة شعبية كبرى لفرض القرار الشعبي على الدائرة السياسية الضيقة، ومن ثم إصلاح حال البلد نحو الأفضل.

هذا الجواب يعوم على جزيرة من السطحية، لأنه يستبعد استحالة اجتماع الناس على هكذا فكرة مثالية، ولو اجتمعوا على المشاركة سيختلفون في التصويت، والاغلب سيصوت لصالح التحالفات الانتخابية الحالية التي انهكت البلد وضيعت مساراته في الاعمار والبناء.

الناخب العراقي اليوم لا يقرأ في سيرة المرشحين، ولا يقرأ قانون الانتخابات نفسه، وإن قرأ وفهم لا يستطيع تجاوز الحدود التي يرسمها المال السياسي والسلاح المنتشر بين جماعات يصعب عدها.

لم نخرج بعد من مثلث (التزوير، والقانون غير العادل، والتدخل الخارجي)، لنجد أنفسنا في مثلث آخر تتكون أضلاعه من (الجهل، وسيادة المال السياسي، والسلاح).

يعاد السؤال مجددًا، أن الوضع المرتبك هذا يفرض المشاركة الواسعة في الانتخابات؟

من الصعب تقديم إجابة صريحة، لكننا شاهدنا قبل أيام كيف انسحب التيار الصدري من الترشيح والانتخاب لمجرد بعض الاخفاقات التي شاهدها في المسار الانتخابي، أنه لا يريد دخول ميدان كانت وما زالت قواعده مختلة فيفضل الانسحاب حتى لا يتحمل تبعات استمرار هذا الاختلال.

لا نتهم التيار الصدري بالتخاذل وضعف الجانب الوطني لدى قياداته وقواعده الشعبية، لأننا نؤمن بالديمقراطية، فمن حقه المشاركة، ومن حقه الامتناع أيضًا، وأي موطن ينطبق عليه ما ينطبق على التيار الصدري والكتل السياسية الأخرى، لا نتهم المقاطعين بالتخاذل والخيانة الوطنية، بل نعتبر سلوكهم ديمقراطيًا تصحيحيًا عبر عدم اعطاء الشرعية لانتخابات مختلة.

تلك هي فكرة فريق المقاطعة الانتخابية، وأنا هنا لا أبرر ولا أدعو لمقاطعة الانتخابات، إنما أريد تسليط الضوء على أساس المشكلة، فاذا أردنا زيادة المشاركة الانتخابية وإصلاح الواقع العراقي، فهذه مسؤولية من يصرون على استمرار الثغرات والاختلال في مسار التصويت وليست مسؤولية الفريق الذي يقاطع الانتخابات.

اضف تعليق