هل الدين يحتاج للفلسفة؟ ام العكس؟ هل هما طريقتان متضادتان في النظر للعالم؟ ماذا يمكن ان يقول الايمان والعقل الى بعضهما؟ في آخر الألفية الماضية، جمعت (مجلة الفلسفة الآن) وبالتنسيق مع (مؤسسة الفلسفة للجميع) نخبة من المفكرين المتميزين امام جمهور واسع في احدى دور الكتب في لندن لمناقشة الأسئلة الهامة الآنفة الذكر أعلاه.

كان فريق النقاش على الشكل التالي:

1- جون بروك، استاذ العلوم والدين في جامعة اكسفورد

2- انتوني فلو، استاذ فخري في الفلسفة في جامعة ريدينغ

3- دوغلس هيدلي، محاضر في الفلسفة والدين في جامعة كامبردج

4- جانيت ردكليف ريتشارد، قارئ في البايوايثيك في كلية لندن الجامعية

5- مديرة الحوار أنجا شتاينباور، رئيسة مؤسسة الفلسفة للجميع.

أنجا: قبل اكثر من مائة سنة، أعلن نيتشة عن موت الاله. الله كان شيئا أشبه بالضامن او الكفيل لنظام مطلق، ولهيكل للعالم اُدخل فيه الكائن البشري بشكل هادف. الفلاسفة، والذين من بينهم نيتشة، اعتقدوا اننا يمكن ان نفهم مجمل الوجود، ومعنى حياتنا، بمقتضى ان نكون كائنات عقلانية، دون اللجوء الى الوحي. وبالنتيجة، جاءت الكثير من الفلسفة بصورة نقد للدين. ولكن هل هذا يعني ان الفلاسفة يجب بالضرورة ان يكونوا نقادا للدين؟ فلاسفة مثل القس اوغسطين وتوما الاكويني اعتقدا بطريقتهما الخاصة ان الايمان يجب ان يسبق الفهم. ما هي العلاقة (ان كانت) بين الايمان والعقل؟ هل هما منسجمان، هل يمكن ان يتعايشا جنبا الى جنب، هل يمكن ان يتفاعلا بشكل مثمر، وأين تكمن المشكلة؟ هذا هو نوع من التحقيق الذي سنبدأ به نقاشنا. قبل كل شيء انا أود ان اوجّه السؤال الى جون بروك للتعليق.

جون بروك: شكرا كثيرا لك أنجا. انا يجب ان اوضح اني جئت الى هذه القضايا أساسا كمؤرخ للعلوم. انا لا أحمل بطاقة فيلسوف بالمعنى الصارم. ولكن انا كمؤرخ اعتقد من الأفضل ان أتناول نقطة التداخل هذه. انها تبدو واحدة من أروع الأشياء حول العلاقة بين الايمان والعقل، العلم والدين، الايمان والفلسفة، لنرى كيف تغيرت تلك العلاقة من التداخل بمرور الزمن. لو نظرنا في القرن السابع عشر، والذي عادة يُنظر اليه كأساس للعالم الحديث من حيث التحرر الفكري الجديد، يبدو لي انه يمكن للمرء ان يشير لكل الأشكال الملفتة التي تداخل بها الدين والعقل. لذا من المفيد، فقط لكي نبدأ هذا الحديث، لو أعرض لكم أمثلة قليلة يمكن فيها للمرء القول ان العلاقة بين الاثنين كانت في الحقيقة بنّاءة، لكل منهما، بدلا من ان تكون بطريقة ما مدمرة ذاتيا. احد أمثلتي المفضلة تأتي من الفلكي (جوهان كبلر) الذي بيّن ان تطبيق العقل واكتشاف حقائق جديدة في الطبيعة يمكن هو ذاته ان يكون شكلا من التجربة الدينية. عندما عبّر كبلر عما نعرفه كقانون ثالث لحركة الكواكب، هو كان مسرورا جدا بالهندسة الأنيقة للكوكب، هو يكتب "انا شعرت بحماس لا يوصف في المشهد الالهي للانسجام السماوي". ولو انت تحلل كل هذه الكلمات سوف تدرك ان هناك تدرجا ملفتا من العلماني الى المقدس. كبلر يفترض سلفا نوعا من النظام المفكر من النوع الذي أشارت له (أنجا) قبل عدة شهور. هناك تقريبا إحساس تعمل فيه العقيدة الدينية كإفتراض مسبق للتحقيق العلمي.

وهناك مثال آخر من (فرنسيس باكون). كما يعرف العديدون، انه من الشائع جدا في الحلقات الثيولوجية الاشارة الى كتابين اثنين: الاول النص المقدس "كتاب كلمات الله" والثاني العالم الطبيعي، "كتاب أعمال الله". كان باكون قادرا على الجدال بانه طالما هذين الكتابين لهما نفس المؤلف، فهما لا يمكن بالنهاية ان يكونا في خلاف. وما أريد اقتراحه هنا، كما يبيّن الكتاب الأخير لـ (بيتر هارسن) "حول الانجيل والبروتستانية في القرن السابع عشر"، هو ان طرق جديدة من قراءة كتاب كلمات الله او النصوص المقدسة ربما لها انعكاسات على الكيفية التي قُرأ بها كتاب أعمال الله.

وهكذا، في ذروة الثورة العلمية فان شخصية مثل اسحق نيوتن يعتقد ان مهمته العظيمة في الحياة كانت السعي الى تفسير صحيح وواضح لكتاب الله وكذلك كتاب أعمال الله. لذا هناك تشابه ملفت بين سياق الايمان وسياق العقل. يمكن للمرء الجدال بان العديد من المفكرين الكبار في القرن السابع عشر شعروا بضرورة إصلاح الفلسفة، وبضرورة الانفصال عن التقاليد المدرسية، وان الحوافز لذلك الاصلاح عادة يُعبّر عنها في اللغة الثيولوجية والدينية. لو انت تنظر لفلسفة اسحق نيوتن ستجد نقدا ثيولوجيا قويا جدا لعقلانية ديكارت الذي يعتبره نيوتن بالغ كثيراً في ميكانيكية العالم الطبيعي. وانا افترض نفس الشيء في فلسفة جون لوك حيث يمكنك الجدال ان نقد لوك لعقيدة المعرفة الفطرية هو في الحقيقة صيغ في لغة ثيولوجية، بمعنى انه من المهين لله، الافتراض انه لم يزودنا بقنوات مركزية نستطيع من خلالها اكتساب المعرفة عن العالم الطبيعي. حسناً انا أعتقد قلت ما يكفي على الأقل لجعل الكرة تدور. ولكن فقط أقترح بانه في ذلك القرن الذي نراه اساس الفلسفة الحديثة كان هناك تداخلا مهما بين الاثنين، تداخلا كما أظن، بطرق محفزة ومثيرة للاهتمام.

جانيت: اولاً ملاحظاتك حول كبلر وشعوره بالدهشة أمام الاله. بالتأكيد من السهل فهم شعور كبلر بهذا النوع من الدهشة ونفسّره كجزء من عقيدته الدينية. لكن الشعور بذاته ليس دليلا على شيء وراءه. أنت تستطيع التحقق من تفكير كبلر حول أصل الشعور بدون الشك انه امتلك ذلك الشعور.

احدى المشاكل التي سنواجهها في النقاش هي تعريف الدين، لأنك اذا كنت تعرّف الدين فقط بعبارات من الشعور بالدهشة فسوف لن يكون هناك أي جدال. ولكن لو انت تعرّف الدين كشيء يشبه العقيدة بإله خالق وحافظ ومنظم للكون عندئذ فان هذه العقيدة ليست في تضاد مع العلم، حيث ان العلم هو تحقيق واستبيان للطريقة التي تبدو عليها الاشياء. لذا لا شيء هناك من حيث المبدأ فيه معارضة لكلا الاثنين. ولكن من الصحيح ايضا انه مع تطور العلم، يتم التغلب على جميع أسبابك الاصلية للتأمل في وجود الله عبر أنواع اخرى للتوضيح ولذلك أنت لا تمتلك الكثير من الاسباب للاعتقاد بالله. لذا فانه ليس ان نوعا معينا من التحقيق، او العلم، يُعارض نوعا معينا من العقيدة ذاتها. بل ان ذلك التحقيق ربما يقودك الى إستنتاجات تُضعف اسبابك الأصلية لإمتلاك تلك العقيدة.

جون بروك: الحجة بان العلم يمكنه ان يقدم توضيحات عقلانية لخصائص العالم الطبيعي الذي كان في وقت ما مصدرا للغموض و الرهبة، لا تستبعد بالضرورة الايمان بخالق لاولئك الذين يمتلكون سلفا نوعا من الايمان الديني، مهما كان أصل ذلك الايمان. هذا ما سأبدأ به الجواب على ذلك السؤال.

جانيت: بالطبع هذه التوضيحات العلمية تسمح لإمكانية وجود الله. لكنك لو أزحت كل الدليل لأجل الاعتقاد بوجود الله، عندئذ انت عليك ان توضح لماذا انت لاتزال تؤمن به.

أنجا: هل لي ان أسأل عن رؤية انتوني حول هذه الافكار؟

أنتوني: حول هذه العقيدة في الله: انا أعتقد ربما من المفيد في هذه المرحلة عرض ما اصبح معيارا لتعريف الاله الديني، الذي عرضه ريتشارد سونبرن وهو: " شخص بدون جسم، او روح، موجود في كل مكان، هو الخالق وحافظ الكون، قادر على كل شيء، يعرف كل شيء، خيّر تماما، مصدر الالتزامات الاخلاقية، لا يتغير، أبدي، كائن ضروري، مجيد، مستحق العبادة". مجموعة من الخصائص، ليست كلها منسجمة بالضرورة وبعضها نجد من الصعب فهمه. ولكن مشكلتي هنا هي نفس المشكلة التي واجهها برتراند رسل. سأل شخص ما الفيلسوف الملحد رسل ماذا سيقول للاله بعد موته عن سبب إلحاده. أجاب رسل هو ربما يقول للاله "لا يوجد دليل كاف". هذه هي مشكلتي بالضبط. يبدو لي اننا عندما ننظر للرؤية عن تاريخ الكون التي عرضتها الفيزياء الحالية، هي ان كل شيء بدأ بالانفجار العظيم. انا لا استطيع ان أرى اي سبب على الاطلاق، اي لا وجود لسبب إثباتي evidencing reason مقابل سبب محفز motivating reason للاعتقاد بان الانفجار الكبير نشأ بسبب هذا الشيء المعين. انا لا أرى اي اسباب دالّة للاعتقاد بصحة ذلك. يبدو لي ان الشيء العقلاني هو ان نقول ان السبب هو وراء مجال التحقيق الانساني، ذلك لو ان الفيزيائيين لا يستطيعون افتراض أي سبب، فسوف لا نستطيع ان نعرف. ولكن كل ما عرفناه عن ذلك حصل لأنه يقودنا لنتوقّع ان السبب كان شيئا مختلفا جدا عن إله كهذا. انا اتوقع سببا فيزيائيا، شيئا اذا كنت لا تستطيع ضربه بمطرقة، فهو بالتأكيد ليس شخصا، وليس أي شيء آخر.(1)

أنجا: دوكلس هيدلي، هل ترغب بالتعليق؟

دوغلس: نعم، دعني أضع رؤية مضادة. يبدو لي على الجانب الآخر (من هذه القضية) انا ربما اكتشف شيئا مثل الرؤية اليمينية للعقيدة الدينية وتطور الالحاد، اي، اننا في موقف فريد قياسا بتاريخ الفلسفة، وان الناس ربما من المعقول ان تكون لديهم عقائد ايمانية في الماضي، لكن ليس من المعقول ان يمتلكوا عقائد ايمانية اليوم لأن الالحاد هو استدلال عقلاني من العلم الحديث. تعريف ريتشارد سونبيرن الذي اشار له توا انتوني فلو، يتجذر في افلاطون وارسطو، خاصة في افلاطون. بلوتارش اقتبس مرة من افلاطون قوله ان الله كان دائما يعمل الهندسة. الآن يبدو لي ان السؤال حول الدين والعقائد الايمانية هو في الحقيقة تأسيسي في اصول الفلسفة الحديثة. انه هناك لو نظرت لافلاطون والسوفسطائيين. هنا حيث انا اهاجم الرؤية اليمينية. السوفسطائيون كانوا شكاكا راديكاليون، ما بعد حداثيو القرن الخامس قبل الميلاد، يثيرون الشك حول القيم المطلقة، لأنهم رأوا الكثير من الدليل عن النسبية عبر النظر الى مختلف المجتمعات وايضا كانوا متأثرين جدا بعلوم الايونيين. لذا هم كانوا يقولون "تعالوا ايها التقليديون"، انتم حمقى في محافظتكم لأنه من الواضح لو انتم تنظرون الى العلم، تنظرون لمختلف العقائد لدى مختلف المجتمعات، ان العقائد التقليدية للمحافظين الاثنيين هي من الواضح زائفة".

الان افلاطون، وانا اعتقد من المعقول جدا القول ان الفلسفة الغربية تبدأ بافلاطون، يبدأ بكتابة الحوارات، بعد موت سقراط بسبب انه يعتقد ان هناك شيء خطير حول ذلك النوع من النسبية. والايمان يبدأ كنظرية فلسفية ليس فقط كايمان ببعض العقائد الخرافية اللاعقلية حول الدين، وانما كتطوير لنظرية فلسفية مضادة للتجسيم. هذا حصل ايضا مع ارسطو والافلاطونية الجديدة، ولكن انت تستطيع رؤية عنصر جيد لهذا الهجوم على التجسيم في افلاطون ويرتكز كثيرا على فكرة انه لكي يمكن للعلم والاخلاق ان يكونا ممكنين سنحتاج لشيء ما كمصدر متجاوز ذو قيمة مطلقة. افلاطون يعبّر عن هذه النظرية بعبارات من الاسطورة، كما قلت، انها فقط اصبحت معبّر عنها بشكل فلسفي متماسك في الافلاطونية المتوسطة وفي الافلاطونية الجديدة. لكن هذا حسبما اعتقد هو ما بدأت تسير عليه الفلسفة الغربية. هذا يفسر لماذا من المفيد للفيلسوف اليوم ان يقرأ افلاطون بدلا من بنثام او الكثير من الفلاسفة المحدثين الذين استطيع ذكرهم. انه بسبب ان هذه القضايا لاتزال معنا. انها ليست آثار خرافية من الزمن الماضي.

جانيت: فكرة انك تحتاج الله كمصدر متجاوز للقيم لتتجنب النسبية هي منفصلة كليا عن السؤال حول ما اذا كان الله موجودا. وان معظم الناس عندما يُضغط عليهم بما يكفي – وانا اعود الى افلاطون في مأزق يوثوفرو- يتبين انهم لا يعتقدون انك تحتاج الى الله لتؤسس ما هو الخير. عندما تسأل متوسط المؤمنين بالله، ماذا سيقولون لو هم وجدوا بعض الكتب المقدسة مختبئة تقول ان الله يأمر بتعذيب الاطفال لغرض التسلية يوم الاحد، هم سوف لن يقولون " حسنا اذا كان الله يقول ذلك فهو حقا جيد". في الحقيقة هم سوف يستعملونها كجزء من برهانهم بان هذا لايمكن ان يكون كتاب مقدس حقيقي. عندما نأتي الى المسألة، فان معظم الناس الذين يعتقدون في الله يعتقدون ان سبب كون الله خيّر هو لأن الله يعمل ما هو خيّر، ليس ان الخيّر هو خيّر فقط لأن الله يقول هكذا، واذا قال الله شيء مختلف عندئذ سوف لن يكون خيّرا. الان اذا انت تعتقد ان خيرية الله هي مسألة مطابقة الله لمعيار مطلق معين، عندئذ انت تعتقد ان المعيار له وجود مستقل عن الله، وعليه، انت لا تحتاج الى الله لكي تتجنب النسبية.

احدى اكبر المشاكل التي يجب على الملحدين مواجهتها هذه الايام هي ان العديد من الناس يفترضون ان الالحاد يقود الى نسبية متطرفة في الأخلاق. انت تستطيع تجنب أسوأ انواع النسبية في الاخلاق، بدون اي حاجة لكائن متجاوز لضمان الخير. انت تستطيع ان تبيّن ان أغلب النسبية هي ببساطة غير متماسكة وسوف لن يكون لها معنى بصرف النظر عما اذا كان الله موجودا ام لا. فمثلا، معظم النسبيين يميلون للذهاب لقول اشياء مثل " لا وجود هناك لمعايير مطلقة ولذلك نحن يجب نحترم قيم كل الناس بالتساوي". وفي قول نحن يجب ان نحترم قيم كل الناس بالتساوي هم يدعون الى معيار اخلاقي تقول مقدمتهم فيه انه غير موجود. هذه الكيفية التي تخرج بها من النسبية، انت لا تحتاج الله لها. ومهما يكن، حتى لو فعلت ذلك ربما يكون الامر فقط اكثر سوءاً.

أنجا: دوغلس هيدلي، هل ترغب بالرد على هذا؟

دوغلس: انا أعتقد ان ذلك النوع من التضاد بين الله والخيرية كعنصرين هو الذي رفضه وبقوة الفكر الافلاطوني. في ذلك الفكر كان الله مصدرا متجاوزا لكل الوجود، ممكن وحقيقي وان المصدر المتجاوز هو خيرية مطلقة – ما اذا كانت هذه الهوية منسجمة هي مسألة اخرى. ايضا انا لا ادّعي ان التدين هو الحل الوحيد للنسبية. ملاحظتي كانت بدون إثارة كبيرة، نحن نميل للاعتقاد اليوم في فلسفة الدين كمنطقة هامشية الى حد ما. انها منطقة حفزت الفلاسفة عاليا للتحرك اما لإثبات وجود الله، او لتفنيد ذلك. لذا انها نوع من المنطقة الهامشية التي سوف يتحرك لها الفيلسوف بجهازه المنطقي لكي يجري قليل من الترتيب. انا في الاساس مؤرخ للفلسفة عبر التدريب، وانه يبدو لي بالنسبة لفكر الفلسفة وفي الحقيقة عموما بالنسبة للفلسفة حتى القرن العشرين، ذلك في الواقع ليس وصفا دقيقا لما عليه الموضوع. لأن القضايا الدينية هي كثيرا ما تأتي في قلب الاعمال الفلسفية وفي كثير من الاحيان تسودها. لذا اذا نظرنا ليس فقط للوك وليبنز وانما لأي عدد من فلاسفة القرن التاسع عشر ايضا، سنجد ان القضايا الدينية متوغلة كثيرا في قلب الاشياء. انه فقط في القرن العشرين يبدأ هذا بالتغيير. انا اردت ببساطة التأكيد بان الأسئلة الدينية حاضرة في قلب الفلسفة المتصورة تقليديا.

أنجا: هل هناك من يرغب باضافة شيء ؟

جانيت: نعم، هذه عودة الى النقطة الأصلية التي عرضتها حول الاشياء والتي تبدو فيها نوعا واحدا من التوضيح في البداية يتبين لاحقا لها توضيحات اخرى. انت لا ترى الاحجار فقط بجعل نفسها منتصبة تضع نفسها في البنايات، انت لا ترى الغبار يكوّن ذاته الى ألواح وحيوانات، لذا انت تعتقد ان " الله عمل ذلك". الآن هذا معقول تماما الى ان تجد توضيحات اخرى لنفس الظاهرة. اولئك المهتمون منكم بهذا قد ينظرون في كتاب دانيت (افكار دارون الخطيرة). هو يطرح مقارنة بين توضيحات يقول انها تعتمد على رافعة من الجو – او سكايهوك فيها تهبط الاشياء من الجو وتسحب اشياء اخرى الى الأعلى – والكرين والذي تبقى فيه الاشياء متجذرة في الارض وتبني عاليا ثم عاليا بينما تبقى ثابتة في الارض. هو يقول ان الفرق بين التوضيحات الدارونية للتعقيدية والتوضيحات التقليدية هي ان دارون استبدل السكايهوك بالكرين. هو ادرك كيف يمكن الحصول على هذه الاشياء المعقدة مثل النباتات والحيوانات من عمليات طبيعية خالصة. والمسألة هي ليس ان هذا ينفي وجود الله وانما انت لم تعد تحتاج الى لله والروح وما شابه كتوضيحات. ومما يستحق التعليق ايضا ان احدى الاشياء التي جعلت دارون ضد الدين التقليدي هو الاعتراف بمدى الوحشية في الطبيعة وكيف من المستحيل ان يكون اله خيّر صمم هذا الترتيب.

جون بروك: ان احد اهتماماتي كمؤرخ علوم ومؤرخ دين هو ان هناك نوع من الافراط الفلسفي في البرهان العقلاني، ذلك اذا كنا لا نستطيع العثور على برهان عقلاني لوجود الله ذلك يعني اننا يجب على الاقل اهمال او التقليل من اهمية الفكرة. انا اعتقد عندما ينظر المرء الى الطريقة التي عمل بها الثيولوجي الطبيعي تاريخيا، فمن النادر جدا انه كان يؤسس وجود الله عبر عملية ايضاحية تتجاوز كل الشكوك المعقولة. عدد من الباحثين الذين يضعون الثيولوجي الطبيعي في سياقه التاريخي اشاروا الى ان الحجج كانت قد صُممت، لإنجاز هدف آخر، وعادة ضمن جماعة دينية بدلا من حوار مع نوع من الشك، مع ان ذلك كان ايضا تقليدا هاما. دعني اعطيك مثالا من القرن التاسع عشر عن جيولوجي كبير وهو (آدم سيدوك)، يلجأ للتصميم في الطبيعة، ولكنه في سياق تطمين صديق مسيحي كانت لديه بعض الشكوك حول ما اذا كانت الطبيعة يمكن قرائتها لها نوع من الخالق كمصدر لها. (سيدوك) يستعمل المتحجرات لنفي قراءة الملحد، ولكن لا وجود هناك لادّعاءات توضيحية. هو فقط يقول انا استطيع ان ابيّن لك من سجل المتحجرات كرجل ايمان ان هناك عدة افعال خلاقة خلال تاريخ الارض. الآن بالطبع يمكن للمرء القول حسنا ان التوضيح الداروني يستبعد مباشرة ذلك النوع من الدين، ولكن دعنا لا ننسى ان دارون ذاته رفض الاخلاق المسيحية التقليدية بسبب موت اخيه وابنته الشابة. كانت هذه ضربات وجودية قاسية، وانها اعتُبرت مسؤولة عن فقدان دارون للايمان التقليدي. لاحظ شيء واحد: مع ان تلك هي أزمات وجودية، لكنها ليست بالضرورة نتاجا لشكل جديد من العلم. وعندما يتحدث دارون عن الاختيار الطبيعي، هو ايضا يقول وانا اظن ان هذا يوازي حجتك – "عقيدتي دائما تتقلب. في بعض الايام انا استحق تسمية مؤمن، وفي احيان اخرى لاادري، انها حالة اكثر صحة لذهني". دارون في كثير من الاحيان يقول في مراسلاته الخاصة "انا لا اؤمن ان هذا الكون المدهش هو نتاج للصدفة وحدها". هذا دارون يتحدث في مستوى من النوع المختلف عن تعليقاته اللاادرية. لذا، لو اردنا اعادة بناء دارون ذاته، انا لا اعتقد نستطيع اختزاله الى مجرد نوع بسيط من اللاادرية، والى موقف ديني كان بطريقة ما مقررا بضرورات علمه. العديد من المعلقين يرتكبون خطأ افتراض ان اشكال معينة من النظرية العلمية تحمل اثارا مباشرة ومحددة للايمان او الدين. انا اظن ان هناك طرق لتفسير العالم الطبيعي تسمح بنطاق من المواقف بعضها طبعا اكثر مقبولية من غيرها، لكن فكرة ان الالحاد هو نتيجة ضرورية لنظرية علمية معينة انا آسف لا اجدها بالذات كرؤية معقولة او جذابة.

أنتوني: لا احد يقترح ان الايمان في اله (سونبيرن) هو غير منسجم مع حقائق الطبيعة. ما نقترحه هو ان لا وجود هناك لدليل لصحة هذا المذهب، والذي هو مسألة اخرى تماما.

جانيت: نعم، وهذا يأخذك رجوعا الى سؤال انجا الافتتاحي حول الايمان والعقل – ما نقوله هو لو انت طلب اليك الايمان بشيء ما – ليس فقط حول اهمية الذهن، والتي لا احد يشك بها، وانما حول نوع الاله الذي يؤطر كل شيء والذي يؤمن به (سونبيرن) – انت سوف لن تعرف لماذا يجب ان تؤمن به. ترك العقل الى الخلف يعني ببساطة قرارا للايمان بشيء بصرف النظر عن الدليل. لا يبدو هناك دفاع ممكن عن هذا الموقف. اذا كان شخص اخر لديه ايمان باله انت لاتثبته، انت تسميه خرافة بدائية. الايمان هو فضيلة فقط على افتراض انك حصلت عليه بشكل صحيح والسؤال الذي لدينا هو كيف انت تستطيع تعرف انك حصلت عليه بشكل صحيح بدون سبب.

جون بروك: نحن ننظر لكل منّا حول منْ يجيب على ذلك. من الفضول اننا نبدو منقسمين الى قسمين كما لو ان اولئك الذين على هذا الجانب من الطاولة يدّعون ايمانا غير عقلاني. نحن العنزات ولدينا نعجة في هذا الجانب (2). انا اعتقد ان هذا النوع من الجدال هو قوي جدا، وانا لا ارغب ان اوصف كشخص يؤكد ان الايمان يجب الاعتقاد به لأنه بطريقة ما خال من السبب. ذلك بالتأكيد ليس موقفي. انا اعتقد ان سؤالا مهما يبرز فعلا في سياق ما قيل، وذلك يوضح لماذا يأتي الناس الى نوع من العقائد الدينية بالمقام الاول؟ والعديد من الناس فعلا – ذلك لا نستطيع انكاره. ما اريد قوله في الحوار انه على العموم انا لا اعتقد ان الناس يأتون للعقيدة الدينية لأنهم يعتقدون ان هناك شيء ما لا يستطيع العلم توضيحه بعد. الحقيقة هي ان هناك فينومولوجيا للدين يجب علينا اخذه بجديّة، والذي نحن يجب ان ندرسه لأن الله يعرف ان التعصب الديني هو من أخطر القوى في العالم.

نسخة مختصرة للنقاش الذي عُقد في دار waterstones في لندن بتاريخ 6 ديسمبر 1999، الفلسفة الآن، عدد 26: ابريل/ مايو 2000.

..........................................................
الهوامش
(1) انتوني فلو Antony Flew فيلسوف بريطاني كان ملحدا لسنوات طويلة (حتى في هذا الحوار) لكنه في عام 2004 انتقل فجأة للايمان بالله معلنا ان الدليل من العلم أقنعه بوجود الله. يؤمن انتوني بالحكمة السقراطية باعتماد الدليل مهما كان. اعتمد انتوني على اربعة خطوط من الدليل على وجود الله، منها المتعلق بنظرية الانفجار العظيم Big Bang. هذه النظرية كان لها تأثير مختلف على انتوني لأن النظرية اقترحت ان للكون بداية، واذا كانت للكون بداية فان السؤال القادم ماذا ومنْ أنتج الانفجار العظيم. الكون الذي بلا بداية هو كون بدون إله. اولئك الذين يؤكدون ان الكون كان ابديا يعني انه لا يحتاج الى إله لخلقه. ولكن بما ان الكون بدأ بالانفجار العظيم قبل حوالي 13 بليون سنة، عندئذ السؤال هو منْ أنتج الانفجار العظيم الذي أخرج الكون الى الوجود؟ بما ان المكان والمادة والزمان هم جزء من النظام المخلوق، عندئذ فان سبب الانفجار العظيم يجب ان يكون غير مادي، يجب ان لا يكون مقيدا بالمكان ولا بالزمان. ان اسئلة انتوني تستكشف ما هو كامن وراء الانفجار العظيم، اي اننا يجب ان نختار من بين خيارين: اما ان الكون وجد بدون سبب، او انه وُجد لسبب كان خارج الكون ثم أخرجه الى الوجود، ولكن حسبما هو معروف ان لاشيء يأتي من لا شيء. وبهذا فان الله هو أحسن توضيح.
(2) عبارة العنزة والنعجة تشير الى ما ورد عن يسوع في العهد الجديد (متّي، 25:32) عن ان النعجة (الرقيقة) سوف تقف الى الجهة اليمنى من الله وستجد الخلاص، اما العنزة (القاسية القلب) ستقف الى يسار الله وستُرسل الى الجحيم.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق