ربما لا توجد قضية مثيرة للجدل مثل القضية الفلسطينية، فهناك حرب تجري منذ عام 1948، وهناك اناس يقتلون، وهناك دولة حديثة تبنى اسمها "إسرائيل" على وفق الطراز المعامري والصناعي والاقتصادي والعسكري الحديث، فضلا عما تتمتع فيه من ديمقراطية قريبة من ديمقراطية الغرب، هناك أيضا فصائل فلسطينية ترفض هذه الدولة باعتبارها مغتصبة للحقوق الفلسطينية.

لم تنتهي القصة بعد، فإسرائيل نفسها تمارس القتل والبطش بهذه الفصائل وبالمدنييين أيضا، ومثلما تقيم الحركات الفلسطينية مجالس عزاء للمجرمين مثل أبو مصعب الزرقاوي واسامة بن لادن، فان إسرائيل توفر الحماية القانونية لكبار المجرمين وترقيهم باعلى المناصب الحكومية مثل ارئيل شارون المتهم الأول في مجزرة صبرا وشاتيلا، والذي استقال عام 1983 من منصب وزير الدفاع بعد ان قررت اللجنة الإسرائيلية القضائية الخاصة للتحقيق في مذبحة صبرا وشاتيلا بانه مقصر في عمله تجاه وقوع المجزرة، لكن المؤسف ان شارون المجرم يعود ليفوز في الانتخابات عام 2001 ويتسنم منصب رئاسة الوزراء.

مثلما لدى أسامة بن لادن الذي احتفلت به الفصائل الفلسطينية جرائم، لشارون جرائم مشابهة، فبالاضافة الى صبرا وشاتيلا، هناك مجزرة جنين، واجتياح بيروت ومجزرة قبية، وتعذيب الاسرى المصريين عام 1967، وعملية السور الواقي التي قتل فيها اكثر من أربعة الاف فلسطيني.

من حيث القيادة السياسية والعسكرية هناك مشاكل للطرفين لا يمكن انكارها، لكن مشاكل الفلسطينيين لا تقارن بمشاكل الإسرائيليين، على سبيل المثال لا يمكن مقارنة إقامة مجلس عزاء لاحد المجرمين بنفس الوزن لعدد المجرمين في الجيش الإسرائيلي بل وتحويل اغلبهم الى القيادة السياسية تكريما لهم على ما اقترفوه من جرائم بحق الفلسطينيين والعرب عموما، وهي جرائم ضد الانسان اذا نظرنا اليها نظرة اكثر شمولية.

قد يأتي كاتب اخر ويستذكر ما قامت به الفصائل الفلسطينية خلال فترة اختطاف الطائرات وعمليات التفجيرات ضد المصالح الاقتصادية وغيرها، نقول نعم هناك أخطاء فلسطينية ولا ينكرها احد، وهي أخطاء طفيفة اذا ما قورنت بالفعل الإسرائيلي الاجرامي، والمقارنة ليست تبريرية بل لتاكيد مدى الاجرام الإسرائيلي، ولست هنا مؤرخا لاستجلب جميع الحوادث بل اردت الاستشهاد ببعضها.

من هم أصحاب الأرض؟

لدى إسرائيل حجة تاريخية بان الشعب اليهودي هو من كان يسكن هذه البقعة من الأرض، وبالتالي يحق لكل يهودي ان يعود للأرض التي اغتصبها العرب المسلمون منه، وهي حجة فيها من التضليل الكثير، اذ من حق اليهودي ان يسكن فلسطين كيهودي فلسطيني وليس كيهودي جاء من بولندا وألمانيا والاتحاد السوفيتي وجميع دول العالم، واذا كان الحق التاريخي هو المعيار في تحقيق الدولة، فليس من حق أي أميركي ان يسكن بالولايات المتحدة الأميركية الان، لانها دولة للهنود الحمر وقد استولى عليها المهاجرون الاوربيون؟ اليست هذه هي قواعد التاريخ؟

العالم اليوم لا يحكمه التاريخ بقدر ما تحكمه قواعد العلاقات الدولية التي تاسست بعد اتفاقية وستفاليا وما تبعا من اتقافيات دولية حتى تأسيس منظمة عصبة الأمم المتحدة ثم الأمم المتحدة، لكن هنا يثار التساؤل، اليست الأمم المتحدة هي التي منحت لإسرائيل الحق قيام دولة لها في فلسطين؟ نعم هي منحتها حق تأسيس دولة في حدود معينة لكن ليست الحدود التي تسيطر عليها الان كما في القدس ومناطق أخرى من غزة والضفة والجولان، ولبنان، والقيام بالمجازر البشعة بحق كل من يعترض على الإجراءات التعسفية تجاه الفلسطينيين، فلو ان إسرائيل التزمت حرفيا بقرارات الأمم المتحدة ربما كان الوضع مختلف تماما.

ماذا عن الفلسطينيين والعرب؟

لم يأخذ الفلسطينيون والعرب القرارات المناسبة في الأوقات المناسبة، ولم يكونوا موحدين في لحظة كان العالم جميعا يقف مع تأسيس إسرائيل، بل ان فكرة التاسيس من اصلها ظالمة لانها جاء في لحظة خروج العرب من الظلم العثماني ومن ثم دخولهم الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي، فكيف يمكن لشعب بهذا الضعف ان يقاوم دولة جديدة مدعومة من جميع الدول العظمى؟

القرار العربي والفلسطيني الخاطئ كان بعدم وجود قرار أصلا، فهم لم يكونوا يعرفون اين يتجهون، كل ما فعلوه هو رد فعل مباشر تجاه قضية كبرى لم يعرفوا ان امدها سوف يطول، ربما توقعوا انها شبيه بالاحتلال الفرنسي او البريطاني، واستمروا بشن الحروب دون غطاء دولي، بينما تتمتع إسرائيل بقطاء اقتصادي وسياسي وعسكري من القوى العظمى ما اكسبها قوة هائلة لسحق كل شيء في وقت سادت الواقعية السياسية في العلاقات الدولية التي تعطي الحق للاقوى.

من عبد الناصر الى صدام حسين، ومن حافظ اسد الى ايران، لم تحقق القضية الفلسطينية ما كان العرب يدعون اليه لماذا؟

1. لان العربي يقاتل بعواطفه وليس بعقله، فهو ما يزال يعتمد طرقا بدائية في القتال بينما العالم يتقدم خطوات هائلة للامام.

2. العربي لا يتمتع باي مقدار من الواقعية، فهو يريد كنس الأرض من اليهود جميعا وثم يفكر في المستقبل، وهذا خطأ فادح، ففي الحروب هدنة وتوقف وإستعداد، طيب سوف تقول عملنا معاهدة السلام واوسلو وغيرها، فلم تنفع، فاجيبك في النقطة الثالثة.

3. عدم وجود قيادة سياسية عربية، وكل من تبنى القضية الفلسطينية هم من القادة الخونة، او من القادة الذي لا يجيدون فن الحرب والتفاوض، فاما خائن يبيع القضية بحجة التطبيع، او فاقد للبصيرة متمسك ببندقيته القديمة ويريد كنس الأرض من كل اليهود.

4. الضعف العربي الداخلي، فمن غير الممكن للشعوب الجائعة ان تقاتل دفاعا عن دولة اخرى مثل فلسطين، وبما ان القيادة السياسية لم توفر سبل العيش الكريم، فمن شبه المستحيل تحقيق الانتصار العسكري ضد العدو الإسرائيلي.

5. عدم وجود صناعة عسكرية او مدنية عربية، والأسلحة التي يقاتل بها العرب هي اما من منشأ سوفيتي، او منشأ أميركي، وفي قواعد الحرب لا يمكن تحقيق الانتصار دون الاعتماد على المصانع المحلية.

6. وحتى وان وجدت المصانع المحلية، يجب ان تتبعها تنمية شاملة، ومراعاة لقواعد الحرب، وعدم استخدام الأسلحة لتهديد الدول الأخرى، واتباع سياسة متوازنة، فالمانيا كانت تصنع أسلحتها لكنها انهزمت لان سياستها الخارجية كانت انتقامية.

7. عدم نصرة العرب للإنسان العربي وتحويله الى عبد للسياسات الظالمة، يقلل من مصداقية الحاكم في تحرير الانسان الفلسطيني، فاذا أراد الحاكم فعلا تحرير الانسان، فعليه تحرير شعبه أولا.

لكن كل تلك الأخطاء واخطاء أخرى ربما لم نذكرها، لا تبرر اطلاقا ان نشتم الشعب الفلسطيني، فهو انسان أولا، وعربي ثانيا، ومسلم ثالثا، ولا يمكن التنازل عن حقه مهما طال الزمن، الا اننا قد نختلف بالوسائل لاسترجاع حقوقه، ومن الواجب استرجاع حقوق الانسان العربي عموما، فهو يعاني من جرائم فظيعة يرتكبها حكامه.

القضية الفلسطينية عادلة وتبقى عادلة الى الابد لانها قضية تخص الإنسانية كلها، لكن كل الوسائل الحالية غير مجدية في التحرير، ولا يمكن تسويغ او تبرير عمليات الاغتصاب والقتل والترويع لشعب كل همه ان يعيش حراً من جور حكامه ومن جرائم اسرائيل، فاما ان نتعامل بالقواعد الميكافيلية التي تبرر كل أفعال القوي، او نتبع القواعد الأخلاقية والقانونية التي تتخذ من الانسان منطلقا لاحكامها.

اضف تعليق