بعض فلاسفة ما قبل الميلاد يشيرون إلى أن السياسة تؤمن بالحقيقة المطلقة ولكنها تقطع طرق الوصول إليها بموقف مصيري.. والفلسفة ذاتها تبحث في حقائق الأشياء؛ بينما لا تؤمن السياسة بالحقيقة بصفتها مرتبة سامية عليها، وإنما هي مرتبة في مستوى أدنى من السياسة.

من ذلك يأتي تأصيل حق الإمبراطور أو الملك في السيادة المطلقة والتسلط على أنفس مواطنيه وأموالهم.. ‏ هو أعلم الناس بحقوق المواطنين، لكنه يفرط بها ويستبد سياسيا ويتأمر عليها! ولا ثقته لديه فيهم.. هل رأيت سياسيا يثق في متنفذيه وأقرب المقربين إليه؟!.

وكذلك زعيم الحزب المناضل، لا يثق في شعبه في مرحلة النضال، حيث يكتم ذلك ويتظاهر بالنقيض. فإن استعمل زعيم الحزب شعبه في مرحلة ما؛ فلبلوغ رأس السلطة. فإن ركبها؛ استبد برأيه وعلا في الأرض على سيرة من كان قبله.. عادة تتكرر ولا يستطيع أحد إيجاد البديل الصالح، وكأنه قدر محتوم.

إن الدول تموت وتفنى كالإنسان الذي يسير إلى أجله.. كنا نسمع في مرحلة الدراسة الثانوية جملة شهيرة: "حضارات سادت ثم بادت".. زعماء الدول والأحزاب تسعى إلى تعزيز سيادتها بآفة "انعدام الثقة"، لأنها آفة ملازمة للسياسة ولا تنفصل عنها.

الإمبراطوريات والملكيات والجمهوريات تستسلم لآفة "الثقة المعدومة" حتى تصبح إجراءاتها السياسية شكلا من اشكال المعاوضة. فيصبح لكل شيء ثمنا تفاوضيا بعد تحكيم الولاء المطلق لا قبله.

والمناضلون السياسيون كذلك، يتظاهرون بثقتهم في شعوبهم. وعند ركوبهم السلطة أو شطرا منها؛ لا يملكون حيلة للتظاهر بالثقة، لأن الثقة لا تجتمع مع السلطة في أي صفة اعتبارية يجتمع إليها المناضلون.

وهكذا ‏تنهار الإمبراطوريات والملكيات والجمهوريات وتتحلل بآفة "الثقة المعدومة" وكأنها حتمية الوقوع.

يتساءل بعضنا حول الضرر الذي سيعصف بالنظام المستبد إذا ما قرر ممارسة العدل في علاقته بمواطنيه!.. تساؤلات لا تصمد أمام المستبد الذي يعيش حساسية مفرطة لوجود قوة متنامية في عرض قوته، فيخشى منها ثم يقوضها.

يشترك الزعيم المناضل بصفته رئيس دولة أو رئيس حزب في ظاهرتين واضحتين:

الأولى: نسبة كل فعل إيجابي يفشى بين الناس إلى الزعيم المقدس دعائيا وباسلوب فج موغل في الدجل، وكأن الدولة أو الحزب هما الزعيم لا غير، وكأن المواطنين أو المنتمين "عبيد" و"عدة شغل" لا شأن ولا قيمة لهم.. يموت الشعب أو الحزب ويبقى الزعيم!

الأخرى: قبل وصول الزعيم إلى منصب الرئاسة؛ يصور السياسة لغة ورؤية حسنتي المظهر، وجدانيتي الشعور. وبعد تسنمه السلطة تختلف اللغة والرؤية. وسرعان ما ينقلب خطاب الزعيم على الأعقاب فيزداد شكا في محيطه الحزبي والشعبي معا ويشتد غطرسة وعنفا ثم خدعة وغدرا، ويستتبع كل ذلك اختلاقا لمبررات الإنقلاب على كل القيم.

فلو كان الزعيم المناضل ينطق بالصدق بعد ركوبه السلطة وانقلابه على قيمه ومبادئه؛ لصرح بأن "كل مستبد عادل" من أول الخلق حتى يوم الدين، وأن الاستبداد قرين السياسة ومن لوازمها، ويستحيل الفصل بينهما. وأن حقائق القيم العقدية والتشريعية والأخلاقية في تنظيم إدارة الشؤون العامة بأمن وسلام هي لهو حديث لا يجتمع مع تطبيقات السياسة!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0