تنشغل مراكز البحوث والدراسات في إجراء مقارنات ومقاربات بين ما يحصل من احتجاجات في فرنسا، وامتدت لاحقاً لبلدان أخرى في أوروبا، وبين ما حدث في حركات "الربيع العربي"؛ وذلك لأن سبباً مشتركاً قد يكون الحلقة التي تربط بين "ربيع" العرب و شتاء أوروبا، وهذا السبب يتمثل في تقلص فرص العيش بمنطق الكرامة والعدالة الاجتماعية.

ولكن، هل فعلاً أن هذه المقارنة واقعية؟

ربما يتجلى الشبه بين الحالتين في نقطة انطلاقة الاحتجاجات حيث مهاجمة قوات الأمن والمؤسسات الرسمية، فضلاً عن مناداة المحتجين برحيل الرئيس الفرنسي، وهو ما يتشابه مع مطالب "الربيعيين" برحيل رؤوس الأنظمة الديكتاتورية الجاثمة على صدورهم لعقود.

وكل ذلك ــ على أهميته ــ ليس له أن يحجب حقيقة الاحتجاجات التي تعم فرنسا وبعض بلدان أوروبا حالياً. فثمة ليبرالية تتيح منافعها للطبقات الغنية في المجتمعات الأوروبية لدرجة التوحش الاقتصادي الذي قامت عليه الأنظمة الليبرالية بفرضها الضرائب المستمرة التي ترهق كاهل المواطن، وترسخ التمايز الطبقي البغيض.

والسؤال المهم في هذا الصدد: كيف سيتصرف رؤساء البلدان الغربية وهم يستمعون لنداءات المحتجين برحيلهم؟ هنا سينكشف الوجه الحقيقي لمفاهيم حرية التعبير، وحقوق الإنسان، وغيرها من الشعارات المقنَّعة ، خصوصاً وأن هؤلاء الرؤساء صدرت منهم مواقف متعاطفة مع محتجي البلدان العربية، ووقفوا إلى جانبهم معلنين عن مشروعية مطالبهم، فهل سيتعاطفون مع المحتجين في بلدانهم ويعربون عن مشروعية مطالبهم؟!!

وبالعودة لسؤالنا المتعلق بواقعية المقارنة بين حركة السترات الصفراء في فرنسا وأحداث ما يعرف بـ "الربيع العربي"؛ لابد لنا من القول بجزئية هذه الواقعية، فليس لنا القول بأنها واقعية بالمطلق، وليس لنا بالمقابل أن ننفي واقعيتها شكلياً فقط بعيداً عن جوهر الاحتجاجات المختلف بين الحالتين، خصوصاً وأن الوعي لدى المجتمعات الغربية لن يسمح بأن يكون هناك اقتتال على مستوى العرق والدين كما حدث في الربيع المرتبك، رغم أن هناك بعض السلوكيات الرسمية تدفع باتجاه إنعاش مفهوم نظرية المؤامرة؛ لكسب الوقت، والتأثير على نفسيات بقية المواطنين الذين يلتزمون الصمت إزاء ما يحصل، ولإيهامهم بأن أصحاب السترات الصفراء أناس إرهابيون يريدون خلخلة النظام والعبث بالحياة خصوصاً بعد حادث ستراسبورغ الذي قام به شخص مراقب من السلطات، ومصنف على أنه شخص خطير، ويفترض أنه مراقب من السلطات، فكيف استطاع القيام بما قام به؟

الحضارة العارية

ومن محنة العدالة الاجتماعية التي باتت في ظل هذه الاحتجاجات وهماً كبيراً؛ قد ننطلق لنقاش مفهوم الحضارة، وهو المفهوم الذي طالما تشدقت به دول الغرب في إظهار تفوقها وتقدمها حضارياً، لنصل إلى نتيجة تدعمها الأحداث الحالية، وهي أن الحضارة التي لا تقام على أساس العدالة الاجتماعية تبقى هشة شكليةً خاليةً من المضمون، الأمر الذي يعيدنا لما قاله (توماس باترسون) حول الحضارة الناشئة بهدف العنصرية الفوقية التي ترسخ التمايز بين بني البشر بعدة أساليب من أجل استعمار الشعوب المقهورة، بهدف نقلها إلى الحضارة، وهي في الحقيقة تنقلها إلى عوالم "الحضارة العنصرية"، وكل ذلك من أجل تعميق الهوس بلبرلة الشعوب، من خلال تدعيم الفكرة المهووسة بآراء مفكرين وكتاب يميلون إلى هذه التوجهات العنصرية، متناسين دورهم المعرفي والتنويري الذي من المفترض ان يرتقي بالإنسان.

لكن كل هؤلاء لم يدركوا اللحظة الارتدادية لذلك الهوس الذي سيواجه المتغيرات الأكيدة، وغاب عن وعيهم أن يوماً قد يأتي ينقلب فيه السحر على الساحر، وتنكسر فيه أقنعة المسميات، ليكونوا في وضعٍ من التناقض لا يُحسدون عليه.

عودة العقائد الثورية

أوروبا اليوم، وتحديداً فرنسا وبعض البلدان التي انتقلت لها عدوى الاحتجاجات؛ تعيش حالة من إعادة إنتاج المبادىء الثورية، وتقدم عقائدها على حساب مسميات الحضارة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، بعد أن اكتشف غالبية الأوروبيين ــ باستثناء البراغماتيين والطبقات الغنية طبعاً ــ أن هذه المسميات ماهي إلا سلالم لولوج الأهداف والمصالح.

ويبدو فعلاً أن المبادىء والعقائد الثورية التي قامت عليها الثورة الفرنسية؛ حجزت لها مساحة مهمة في الذهنية المجتمعية الأوروبية كما يرى (غوستاف لوبون) في كتابه (روح الثورات والثورة الفرنسية)؛ وذلك بسبب التقدم السلحفاتي البطيء لقيم الديموقراطية، وظلت تتناقل عبر الأجيال المتعاقبة والمتطلعة للتغيير، كجزء من حيوية التطلع لتغيير المصير، وعيش الحياة بكرامة إنسانية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0