الجميع يبحث عن جهة او طرف لتحميله المسؤولية عن الفوضى التي تسببت بها الخلافات السياسية بعد الربيع اليمني والعمليات العسكرية التي تبنتها السعودية وحلفائها، والتي اقتربت من تحويل اليمن الى "دولة فاشلة"، سيما وان التحذيرات الاممية انطلقت لتحذر من امكانية تطور الصراع الداخلية نحو هاوية "الحرب الاهلية" بين الحوثيين الذين رفضوا الاعتراف بالحكومة "الفاشلة"، والمسلحين المدعومين من السعودية، التي ترغب في اعادة "هادي" الى السلطة باي ثمن كان، وهذه الفوضى، بطبيعة الحال شجعت احد اقوى فروع تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية على التمدد جنوبا، واضافة المزيد من الاراضي اليمنية بعد اعلان ضم "ولايات" جديدة الى "الخلافة الاسلامية" التي تتنافس على اقامتها مع تنظيم ما يسمى (الدولة الاسلامية/ داعش)، في الشرق الاوسط، بعد ان تمدد "داعش" في العراق وسوريا وعدد من مناطق الصراع الاخرى في العالم العربي.

السعودية حسمت امرها في "عاصفة الحزم"، وقررت الدخول في "مغامرة" يمنية، الصفحة الجوية التي انطلقت في 26، مارس الماضي دمرت الكثير من البنى التحتية العسكرية والمدنية على حد سواء، فضلا عن قتل المئات وتشريد عشرات الالاف من المدن والقرى نحو المجهول، وهو ما اشارت اليه التقارير الاممية والحقوقية عن وضع انساني مأساوي للغاية لبد يعاني اصلا من مستويات فقر متدني وتداعي كبير في البنى التحتية، خصوصا مع تفشي الامراض ونقص امدادات الماء والغذاء والدواء والتي تهدد ارواح الملايين بخطر الموت، ومع ان السعودية اقتربت من القناعة بعدم كفاية الضربات الجوية التي تشاركها فيها تسعة دول عربية اخرى، الا انها لا تريد الدخول بمفردها بريا في اليمن من دون مشاركة دول عربية او اسلامية لها ثقلها العسكري والسكاني، ومع رفض باكستان المشاركة وتردد مصر وابتعاد تركيا عن المستنقع اليمني، لم يبقى لها سوى تشكيل قوات برية "متعددة الجنسيات" ( ربما تكون عربية واسلامية وربما من غيرها)، لكن هذا الامر يتطلب الكثير من الوقت والاموال ايضا، اما في حال وافقت مصر بمساعدة السعودية في الدخول في حرب برية في اليمن (بحسب تصريحات "مجتهد" الذي يعتقد انه مقرب من العائلة المالكة السعودية، بعد ان وافقت الاخيرة على دفع اموال مقابل مشاركة الجيش المصري)، فان الحديث والتداعيات سيكون لها شكل اخر في المنطقة بأسرها.

في المقابل فان ايران (المتهمة من قبل السعودية وحلفائها العرب والغربيين بانها تدعم الحوثيين بالمال والسلاح والخبرات العسكرية) ما زالت تضغط سياسيا ودبلوماسيا عبر جميع القنوات المباشرة وغير المباشرة بوقف السعودية لكافة انشطتها "العدوانية" تجاه اليمن، والبحث عن "حل سياسي" عبر المفاوضات بين الاطراف الداخلية لليمن، وهو موقف لا تعترف به المملكة الا بعد اعادة "هادي" الى السلطة وتسليم الحوثيين اسلحتهم والعودة الى مناطق تواجدهم في "صعدة" شمالا، وقد تحركت ايران نحو تركيا وباكستان وروسيا وغيرها من الاطراف العربية والاسلامية، كما تصاعدت حدة المشادات الكلامية والتصريحات السياسية بين السعودية وايران، حيث اكد وزير الخارجية السعودي "سعود الفيصل" خلال مؤتمر صحفي جمعه مع نظيره الفرنسي "لوران فابيوس" بالقول "كيف يمكن لإيران أن تدعونا لوقف القتال في اليمن، نحن أتينا إلى اليمن لمساعدة السلطة الشرعية فإيران ليست مسؤولة عن اليمن"، لكن هل يمكن ان تكون "السعودية" وحدها المسؤولة عن اليمن؟ وفي حال كانت السعودية فعلا مسؤولة عن اليمن فمن اعطاها هذا الحق؟

ويرى الكثير من المتابعين ان المنطق الغريب الذي تتعامل به معظم الانظمة العربية مع القضايا الحساسة في العالم العربي كسوريا والعراق واليمن وليبيا لا يجعل مجالا للشك في كون هذه الانظمة ضعيفة ومهزوزة من الداخل، وهي غير قادرة على حل معظم مشاكلها الداخلية فضلا عن التدخل في حل قضايا الاخرين، وهي حقيقية عبر عنها الرئيس الامريكي "اوباما" عندما قال إن "أكبر خطر يتهدد عرب الخليج ليس التعرض لهجوم من إيران إنما السخط داخل بلادهم، سخط الشبان الغاضبين العاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمهم"، وعند التطرق للعلاقة التي جمعت السعودية باليمن (مقارنة بإيران واليمن) تجدها علاقة مليئة بالتدخلات، فقد سيطرت على منطقة "عسير الساحلية اليمنية والمحافظات الشمالية نجران وجيزان" بعد حرب خاطفة مع المملكة اليمنية انتهت في عام 1934 بتوقيع وثيقة "معاهدة الطائف" التي ضمنت سيطرة ال سعود على هذه الاراضي، كما دعمت السعودية معسكر الامام "محمد البدر" (اخر الملوك اليمنيين في حكم استمر لأكثر من 900 عام) ضد الجمهوريين في حرب طويلة (1962- 1968) وادت بالنتيجة إلى حرب أهلية مدمرة، وبعد المصالحة بين الطرفين (الجمهورية والإمام)، اعترفت الرياض بدولة شمال اليمن، لكنها كانت تغير موقفها باستمرار "وفي عام 1994 أدت هذه المشاكل الاقتصادية وعوامل أخرى إلى دفع اليمن الى الفترة الثانية من الحرب الأهلية، وهذه المرة بين الحركة الانفصالية الجنوبية وحكومة الجمهورية في الشمال، ومن خلال رؤيتها للنزاع على أنه فرصة لإعادة بسط نفوذها على اليمن، دعمت الرياض حكومة الجنوب بتزويدها الذخائر خلال الحرب بينما زادت المساعدات إلى حكومة الجمهورية في الشمال بعد انتهاء الأعمال العدائية"، كما يرى الكاتب "آشير أوركابي" من معهد واشنطن.

يبدو ان العرب قد اعتادوا على ممارسة دور "التدخل من اجل المصالح"، واليمن كانت احدى المصالح التي تهم "الحكام الجدد" في السعودية، داخليا وخارجيا، اما الخوف من ايران او الشيعة فقد اعتادت السعودية وامثالها الترويج له كلما شعرت انها بحاجة الى خلق الاعداء لتبرير تصرفاتها، وهي حكاية تكررت في العراق وسوريا ولبنان، ولو تمكنت هذه التدخلات من ايجاد حل مناسب وعادل يناسب الجميع او الاغلب لكان الامر هين ومقبول، لكن العكس هو ما يحدث دائما، فسوريا ما زالت تحت رحمة التنظيمات المتطرفة، والعراق يكافح للخروج من نفق الارهاب، بينما تبقى لبنان مقيدة بالأعراف السياسية التي فرضتها نفس التدخلات التي لم تراعي حاجة اصحاب القرار الحقيقيين، اما اليمن فلا ينتظره سوى مصير من سبقه، بعد ان شارك الجميع في خلق الفوضى بدعوى الاصلاح.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0