في حوزتنا روايات كثيرة مادحة للعزلة عن الناس، يقابلها روايات أخرى تحث على تكوين شبكة علاقات اجتماعية واسعة وتبين أوجه النظام فيها..

هل هي روايات متباينة أم أن هناك معنا آخر تضمره الروايات هذه فيكمل بعضها البعض الآخر.. قد تكون العزلة المرادة في الروايات مقيدة بزمن حتى يتمكن المؤمن من استكمال الإيمان في عزلة.

‏ربما الرواية هذه ناظرة إلى العزلة عن الناس في خصوص متعلقات العقيدة فحسب، فإن كان "الاختلاط" مع الناس على أصول عقدية يشكل ضررا على الدين الذي نؤمن؛ فالعزلة مطلوبة، مع الإحتفاظ بالعلاقة في أمور أخرى فلا تهجر.

‏ نتجنب الحضور إلى مجالس من يخشى منه على العقيدة فنعتزلها، مع الإحتفاظ بالعلاقة الاجتماعية معه في حدودها الأدنى مثلا..

الاعتزال مطلوب حين يكون الدين في خطر.. الاعتزال أسلوب مقاطعة حضاري ووسيلة ضغط مؤثرة..

‏ كانت مجالس الشيعة عامة ومفتوحة في المساجد. وعندما استهدف النواصب التشيع والشيعة، أو عندما ظهرت الفتن العقدية؛ اعتزل الشيعة المجالس العامة، وانصرفوا إلى "الدور" يعقدون فيها مجالسهم.

عقيدة ‏الدين أو التشيع لا يخشى عليها من أحد.. الخشية تكون من مجالس الإنحراف العقدي التي تؤثر على ثقافة الأجيال على المدى الطويل.. وربما يصدق على تجنب الاستماع إلى محاضرات فئة المنحرفين عقديا اعتزالا.

الموقف الرمادي في الشأن العقدي شكل من أشكال النفاق.. لماذا يستخف البعض فكرة اعتزال الشيعة للمنحرفين عقديا، فيراه أسلوبا متخلفا!.. المتخلف هو المنحرف عقديا الذي لا يقوى على مقابلة الحجة بالحجة، فيسفه ويعتزله الشيعة خشية على دينهم.

‏في الظروف القاهرة يعتزل الشيعة كل محفل عام له صفة عقدية، خوف الضرر على أنفسهم ومن يلوذ بهم أو يأوي إليهم.. وكلما اعتزلوا في هذه الظروف؛ ازدادوا حنكة وقوة في المراس والمحاججة.

‏اعتزل شيعة العراق في عهد الصنم كل شعيرة من شعائر الله.. سقط الصنم فتفاجئنا بالملايين من الشيعة يحيون شعائر محرم وصفر؛ وكانت الدهشة شديدة عندما استجابوا لفتاوى الحرب على داعش وأخواتها بالملايين في وقت قياسي. هل استعاد العراقيون عقيدتهم في هذه الفترة القصيرة أم كانوا من المعتزلين المحافظين على دينهم؟!

‏عزلة ذوي القدرة على التصدي للإنحرافات العقدية بالمحاججة تكاد تكون سمة عصرنا الراهن، يضاف إليها استعمال أساليب اخلاقية منفرة تكشف عن ضعف هؤلاء في الأخلاق الى جانب كمالهم النسبي في مقام الحجة.. كيف نوفق الأمر في ذلك؟!

‏من السهل جدا الارتفاع بالمستوى الثقافي للفرد الشيعي في جهة الاحتجاج، لكن تحسين خلقه صعب جدا لأن مقام المحاججة الرفيع يعميه عن قصور ذاته وما يجب أن تكون عليه.. الثقافة تتكامل بالعلم والأخلاق معا.

‏ كنا نغبط عددا من الشخصيات الشيعية العراقية في سنوات نضالهم في مقاومة الصنم وحزبه، على ما كانوا عليهم من ثقافة عالية في العقيدة والشريعة.. ثم انهار بنيانهم من القواعد بعد سقوط الصنم وتفرقوا إلى عصابا متنافسة على جمع وتخزين المال وتقاسم المناصب.

‏واعتزل المناضلون المخلصون منهم ساحة العمل الثقافي والدفاع عن الشيعة ونشر التشيع بحجة المحافظة على دينهم من فتن "السياسة" وتنافس الأحزاب على المقامات والنفوذ الاجتماعي. وفي المقابل صمد المنحرفون وانتشروا وسادوا.

‏حين تتحول البيئة الاجتماعية إلى حشد منحرف عقديا يمارس دور الضغط الحزبي؛ فالخيار إما المناجزة أو العزلة.. المناجزة بحاجة إلى مستوى علمي وسلوك خلقي مناسبين. فليس من الحكمة إصلاح العقائد بإفساد الأخلاق وإن كان لضرورة سياسية.

وبغطاء حزبي ونفوذ سياسي ‏سادت بعض الانحرافات العقدية في الوسط الشيعي حتى كسبت نظام دولة أو شطرا من سلطتها السياسية. إزاء ذلك ظل الدين صامدا ولم يتعرض لخطر مصيري ما دامت اللعبة السياسية مقعدة على رمال متحركة لا قرار لها.

‏إن ادوات التأثير الثقافي والتواصل الاجتماعي متوافرة، فلم نبلغ مع توافرها حد الضرورة القصوى لاعتماد العزلة خيارا للحفاظ على الدين.. مفصل ضعفنا مشخص بيننا:

فرض "الوصاية السياسية أو الحزبية" المتطرفة على الشيعة المعاصرين بأشكال والوان مختلفة ثقافة ونظاما، في مقابل العزلة على عجل مع توافر الفرص ووسائل الدعم لحماية الشيعة من الانحراف العقدي ونقض ومحاججة المناهضين.. إن العزلة مطلوبة وفيها حماية للعقيدة، ولكن لم يحن أوانها!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0