أي فكرة للتغيير؛ لابد أن تنطلق أولاً من معرفة أي نوع من التغيير تنطلق الفكرة منه، وتعمل على أساسه، هل هو تغيير متدرج يستمر باستمرار المراحل الزمنية، أم تغيير جذري شامل؟ كذلك تتطلب فكرة التغيير كثيراً من الاجتهاد في إزالة الركود الجاثم على التفكير الفردي أو الجمعي ضمن مايعرف بـ (الأطر الفكرية)، أي لابد من مغادرة العقلية القديمة المتعلقة بالنظرة التقليدية السائدة تجاه المفاهيم ذات العلاقة بالبنية المجتمعية كالدين والسياسة والاقتصاد والثقافة والعشيرة والتاريخ ... الخ. وأصعب شيء أن يتم تداول فكرة التغيير من قبل جماعات أقل ما يقال عنها أنها جماعات متخيَّلة، أو أن هذه الجماعات ترتبط بمشروع وهمي يتم الزج به في خضم الفورة المجتمعية المطالبة بالتغيير كما يحصل في الانقسام الحالي في العراق بالنسبة للوفود التي تذهب لتقابل أقطاب الحكومة؛ لشرح الأزمات والمطالب التي أدت إلى اندلاع المواجهات التي اختلف أصحابها حتى على تسميتها بين ثورة أو عصيان أو اعتصام، أو انتفاضة، وهذه النقطة بالذات ترسخ هذا الانقسام.

البعض يرى أن الوفود الذاهبة لمقابلة المسؤولين هي خليط من ناشطين وشيوخ عشائر ومثقفين تنتقيهم الحكومات المحلية، أي أنهم لا يحملون التصور الواقعي لأصل الأزمة التي قامت عليها الاحتجاجات، وهذا يعني أنهم جماعات متخيلة، وقد تكون أعدت خصيصاً لهذا الغرض.

وعندما نتحدث عن إزالة الركود ومسحه عن التفكير الفرداني والجمعي فإننا ننطلق من حقيقة اجتماعية شكلت ظاهرة لافتة للنظر في عراق التعددية الحزبية المنتعشة بعد 2003، وهي ظاهرة أسطرة الزعامات السياسية والدينية التي تتعدى في أكثر توصيفاتها المنطق البشري. وهذا الهذيان العاطفي الانفعالي يقلص أي فكرة للتغيير تنطلق من خارج أنطقة هذه الزعامات التي تلتصق بها مكونات مجتمعية غير منسجمة، غير أنها تنسجم بغرابة في أن تكون لزعاماتها درعاً مجتمعياً وفكرياً بل حتى درعاً مسلحاً إذا اقتضت الضرورة. ومثل هذه الممارسات ترسخ حالة من (تعددية الأحادية)، فبدلاً من أن يكون هناك حزب أحادي يهيمن على المجتمع بالترهيب والقوة؛ صار لنا وفق نفس الركود الفكري التقليدي أحزاب متعددة بذات الذهنية الأحادية. والهيمنة الأحادية وإن تقنَّعت بالتعدد؛ تقوم على نزعات استبدادية تتشكل من مكونات عنصرية وقومية ومذهبية تساهم بعملية طمس هويات الأقليات وتغليب الهويات القومية العنصرية، أو الدينية بشكلها المتطرف، وبذلك تتعزز حالات الاستلاب الثقافي والفكري عند الأفراد سواء كانوا من أتباع الأكثرية أو الأقلية؛ لغياب الانسجام والحوار الحضاري وتصدع قيم التعايش من خلال الانغلاق على الذات التي قد تخضع لمستفزات الانفتاح الفوضوي، وهنا تبدأ أولى عمليات استلاب الأفراد في مزاوجة غير منطقية بين التخلف المعرفي الناتج عن الأحادية من جهة، وآليات الانفتاح الفوضوي من جهة أخرى.

ومثل هذه الإشكاليات؛ نجد لها حضوراً في مجتمعاتنا الشرقية، حيث يفرض الفكر المتحزب نفسه عقيدة تحتكر الحقيقة، ويمهد لسلطة مطلقة لا تلغي الآخر فقط ، بل تسعى لتحطيمه غير مؤمنة بوجوده أو بحقه في طرح رؤاه خصوصاً إذا تعلقت بمفردات التغيير أو الإصلاح، وتبدو مثل هذه الظواهر الأحادية متجذرة ونعززها كقيم توارثناها ولم نفكر جدياً بطرحها على طاولة النقد، فالأفكار الأحادية تنفتح، لكن انفتاحها مشروط بكل مامن شأنه يؤيد استمرارها وحدها دون غيرها وهذا أشد وأخطر أنواع الانفتاح؛ لأنه انفتاح مضبب، وأيضاً تنطبق عليه ثنائية القاعدة والقمة، غير أن الفرق هو أن الأحادية تبدأ من القمة ممثلة بأحزاب السلطة نزولاً إلى الفعاليات الثقافية والاعلامية.

وأكبر العقبات التي تضع العصي في دواليب فكرة التغيير تتمثل في عدم التفريق بين متخيله وواقعيته، عد التفريق بين كون التغيير هدفاً ينبغي بذل الجهود الكبيرة من أجل الوصول إليه، وبين كونه مشروعاً يحمل في طياته مشاريع آنية تتعلق بمصالح وغايات تبعده عن مقاصده، وتستثمر عنوانه الكبير كقناع للوصول لتلك الغايات المشبوهة.

والوصول إلى الهدف الأسمى يستلزم الجد والمثابرة وعدم صرف الوقت في أشياء يتوهمها الفرد أنها من ضمن آليات تحقيق الهدف. لابد للحركة أن تكون في وقتها المناسب ومكانها المناسب كذلك، فضلاً عن ترك الأمور الجزئية والنظر باتجاه المصلحة الكلية للمشروع أو الهدف الإصلاحي، مع التأكيد المهم على الاستمرارية، وترسيخ القيم التي تمثل جداراً صلباً يقف بمواجهة المخططات التي تحاول اختراقها والنفاذ لثقافتها.

إن المشكلة الحقيقية التي تواجه فكرة التغيير؛ تتمثل في غياب الوعي السياسي، أو فهم السياسة، أو الواقع السياسي، أو أن المعرفة بهذا الواقع تكون معرفة قشرية غير عميقة سببها الرئيس هو فصل السياسة عن مفهوم المجتمع أو الاقتصاد أو الثقافة؛ لذلك يلزم إزالة الركود، وإنهاء العقلية التقليدية؛ حتى نستطيع بناء سلالم نرتقي من خلالها لعملية إحداث التغيير المنشود.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0