في عصر القراءة وازدهارها، ازدهر القلق، وتضاعفت المعرفة، فانطبق على ذلك قول مشهور للنفري (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة)، ولكن الغريب حتى الأشخاص من ذوي الرؤية الكسيرة تجدهم مصابين بالقلق، على حين أن المنطق يقول أن من لا يمتلك المعرفة لا يُتوقَّع منه أن يكون قلِقاً، فلماذا لا ينطبق هذا المنطق على عصرنا هذا، حتى أُطلِق عليه بعصر القلق على الرغم من قلة المعرفة التي تصيب الغالبية من الناس.

ينطبق هذا على الجنس البشري في عموم الكوكب، فالنسبة الأعظم من سكان الأرض هم من ذوي الرؤية القاصرة، أما أصحاب العقول المتّسِمة بالعبقرية فإنهم أقلية، وينطبق عليهم قانون الندرة، فكل عزيز قليل كالذهب والماس والمجوهرات الكريمة، على عكس الحصى الذي يمكن أن نعثر عليه بوفرة تغلق عين الشمس، ولو أننا طبقنا هذا النموذج حول معادلة (القلق/ المعرفة) على العراقيين، لوجدنا أن الغالبية منهم من أصحاب الرؤية الآنية المنحسرة، لكنهم مصابون بوباء القلق في نحوٍ كلّي إلا ما ندر.

حتى يندر أن تجد عراقيا لا يلازمهُ القلق، وحين نعرضّهُ لاختبار المعرفة سنجد منسوب البساطة والسطحية عاليا لديه ومع ذلك فهو مصاب بداء القلق المزمن، وهذا كسر بائن لفرضية النفري السابقة.

في بوادر مراهقتي وأوائل شبابي أي قبل عشرات السنين، كنت أشعرُ بالقلق ولا أعرف مصدر ذلك ولا أسبابه، والغريب أنني ظللتُ مصابا به إلى الآن، حتى أيقنت أنه بالفعل مرض العصر، في بدايات الشباب أتذكر أنني كنت أشعر بالخوف من القلق، ولا أنام بطريقة صحيحة، قد أبقى صاحيا حتى الفجر، لا أفكر بشيء محدد، ولا أعرف ما الذي يخيفني، ثم مصادفة وقع بيدي كتاب (دع القلق وابدأ الحياة) للكاتب الأمريكي دايل كارنيجي.

أغراني العنوان، إنه مثير حقا، ولا أعرف لماذا انتعش في قلبي شعور بأن هذا الكتاب هو علاجي الملائم لمغادرة القلق إلى الأبد، وحين شرعتُ بقراءة الصفحة الأولى أمسك هذا الكتاب بتلابيبي ولم يدع لي فرصة لمغادرته، وكنت حين أتوقف لدقائق للراحة، كنتُ أشعر بنوع من الراحة والاطمئنان، تُشبه التخدير أو (البنج)، فما أن أنسى أجواء كتاب (دع القلق وابدأ الحياة)، حتى يهاجمني الداء اللعين ثانيةً، أحيانا أصحو في غمرة النوم قافزا باحثا عن هذا الكتاب كأي شخص مهدَّد بخطر ويجد فيه ملاذا له، فما أن أغوص في صفحاته حتى أجد أن كلّ شيء في الحياة سهل وممكن وغير خطر ولا مخيف.

مضت عقود على قراءتي لذلك الكتاب، لكن القلق لا يزال يلازمني إلى الآن، الغريب أن المقربين مني وأصدقائي يعانون من القلق نفسه، ولا يعرفون مصدر ذلك أو أسبابه، والغرابة الأكبر أن الخوف والقلق لا يخص عمراً محددا من العراقيين، فالصغير ومتوسط العمر والكبير كلهم يشعرون بالقلق!، خائفون ولا يطمئنون للمستقبل، أما الحاضر فهو مشكلتهم الكبرى، وحين تدقق بالمشاة في الشوارع والأسواق والأماكن الأخرى تستغرب، (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى/ نص قرآني)، حتى لكأننا دخلا حقاً في عصر القلق الأبدي الذي لا خلاص منه!!.

هل هذا يعني أن الإنسان العراقي جُبِل على القلق، وُلِدَ معه وعاش معه طوال حياته؟، ربما تكون الإجابة بنسبة كبيرة بالإيجاب، فالنتيجة التي قد نتوصل إليها إذا ما أجرينا مسحاً تخصصيا حول قلق الناس في العراق، سوف نصل إلى نتيجة بأنهم جميعا، أو النسبة الأكبر منهم يعانون من القلق وإن كان ذلك بزخم أو بدرجات متفاوتة!، إذاً (لا دخان من غير نار)، ولا نتائج بلا أسباب، فماذا يقف وراء قلق العراقيين؟.

بعد أن توصلنا إلى أن القلق موجود بالفعل ومنتشر بين العراقيين، من خلال خوفهم من الحاضر والمستقبل، إهمالهم للغير، انشغالهم التام بذواتهم وأنفسهم ومآربهم، ستأتي مرحلة أخرى وهي الدخول في عملية استكناه الأسباب واستغوارها، لماذا العراقيون قلقون، خائفون من الآن والقادم، الأسباب كثيرة بدايتها واقعية فعلية عملية ثم تصبح مزدوجة مركبة نفسية، والدليل متى يهمل الإنسان غيره، متى لا يعنيه الآخرين بشيء، ولماذا منشغل بنفسه وغائب فيها حد الغرق، فإن حقق ما يصبو إليه ليذهب الآخرون إلى الجحيم، تطبيقا لقول الشاعر:

(إذا متُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ)

أنا ثم أنا ثم أنا وليذهب الجحيم إلى الموت، لماذا صار العراقيون أسرى لهذا المنطق؟، وهل نحنُ نبالغ في هذا؟، كلا لا مبالغة في الأمر، إنه الواقع يشي بدلالات تؤكّد الانشغال القاطع بالنفس والمأرب الشخصي، والآخر لا يعنيني أمره ولا حياته ولا احتياجاته، إنها الثقافة المادية التي تسللت إلينا مع الحروف والكلمات والثقافات الدخيلة والشاشات والكتب والروايات والفلسفات (النيتشوية) وسواها، سيول جارفة من الأفكار هجمت على عقولنا الغضة، وبعد أن نضجت العقول صار من الصعب عليها ترك ما شبَّتْ عليه، ساعدها على ذلك الواقع المتأزّم والنواقص المادية والأخلاقية التي فتكت بالناس.

نحن الآن بصدد مناقشة وضع العراقيين ولماذا هم يعانون من القلق المزمن؟، وبعد أن عرفنا مواطن هذا الخلل الثقافي المجتمعي بالغ الخطورة، وصلنا إلى محطة المعالجات، كيف نقتل القلق والخوف من الحاضر والمستقبل، هل نلجأ إلى مخدِّر آني كما فعل وقدّم لنا كتاب (دع القلق وابدأ الحياة)؟، نحن لسنا بحاجة إلى هذا النوع من التخدير الذي ما أن ينتهي مفعوله حتى تعود آلام القلق وأعراضه بالظهور مجددا.

نريد حلولا جذرية لتذويب مسببات القلق وتقليل مفعولها، منها:

- درء خطر المادية، والالتجاء للروحانية باعتدال.

- الإيمان بثقافتنا وقيمنا وأصالتنا.

- حرص الحكومة على ضمان حياة كريمة للناس يُضعف من الخوف والقلق.

- الثقافة والإعلام والدين والمنابر مسؤولة عن إعادة الثقة والاطمئنان للقلوب.

- دور الأسرة، الأب الأم، الأخ والأخت الكبرى، مطالبون جميعا بانتشال من هو أقل عمراً ووعيا ورؤية.

- احتضان الشباب والمراهقين، الفئتان الأكثر والأسرع تأثرا بالسيول المادية الجارفة.

- تحجيم القيم المادية الغريبة وتذوبها في قيمنا الأصيلة.

- المؤسسات العلمية التعليمية مطالبة بالنهوض بواجبها العلمي التربوي التعليمي المناهض للغربة والقلق.

- تدريب الكل وخصوصا الأطفال والشباب على الثقة بالنفس والاعتداد بالذات والأصالة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1