بعيداً عن الأثر السياسي الواضح لقرار الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، في الاعتراف رسمياً بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وبعيداً عن المكتسبات الاقتصادية التي سيترتب عليها هذا القرار؛ يمكن أن نستشفَ بُعداً يتمثلُ في العبث الممنهج بمستقبل البشرية عن طريق صور أخرى من صور الحرب الناعمة تتمظهر من خلال تهشيم المُسَلَّمات التي بُنِيَت عليها ركائز الحضارة الإنسانية من عقائد وتاريخ؛ وذلك لما لها من حضور في النفس البشرية.

الصورة الناعمة الجديدة التي يحاول اليمين تجميلها ممثلة عبر المصور الانفعالي (دونالد ترامب)؛ ستعزز حتماً المنطق الشعبوي بعد إشعال الصراع الحضاري والتاريخي بين الشعوب المتمسكة بالقدس هوية حضارية وعقائدية، بينما يتقنّع ترامب اليميني بقناع (السلام) محاولاً إظهار نفسه ويمينه بأنهما المدافعان الأوحدان عن السلام، حتى وإن تطلب هذا الدفاع المزيف إخضاع العالم للمنطق اليميني الذي يراه (بروجيكت سندكيت) أنه يُغذّي العالم بالديموقراطية بالقوة أو السلاح.

قلنا سابقاً: إن صعوبات كبيرة ستواجه اليمين في إقناع العالم وخصوصاً في الشرق الأوسط بالديموقراطية المفصلة على مقاسات الشعبوية ذي السمة المتعالية، وسيعرض الأركان الليبرالية إلى الاهتزاز. وقد تجلت هذه الصعوبات بعد مراحل فشل مريرة جعلت من أعصاب ترامب تفلت لدرجة تحدي الاجماع الدولي في إعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

لذلك كان لابد من فعل يُغطي على دعمه الانفعالي لأنظمة بدأت تتآكل من الداخل بفعل غياب الحكمة، وانتعاش الهاجس المذهبي المتطرف. لقد وجد ترامب نفسه في مأزق بعد خسارة الرهان المذهبي في سوريا والعراق بانهيار جماعات التطرف والتكفير المدعومة من أنظمة تعد حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن أن نفس هذه الدول الحليفة لم تستطع إقناع أمريكا بجدوى حربها العدوانية على اليمن، والتي شكلت من المآسي والآثار العنفية مصدر قلق على المشروع اليميني الترامبي. كل هذه التداعيات جعلت ترامب يختار أسلوب الحرب الناعمة بالعودة إلى صراع الحضارات وضرب الشعوب بمتبنياتها العقائدية والتاريخية، فتندلع الكراهية وتمهد للتنابز الشعبوي.

صراع الحضارات والخلفية الثقافية

يبدو اختصار مفهوم صراع الحضارات بالمسببات السياسية والاقتصادية متسرعاً مالم يتم الانتباه الى الجانب الثقافي المهم لهذا الصراع الذي هو في الحقيقة صراع ثقافتين "تسود الأولى لدى قطاعات اجتماعية متلبرلة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، يمكن ترسيم ملامحها بوصفها فئات وسطى من قطاعات خدمية وأكاديمية وتكنوقراطية وغيرها، وتعيش في المدن الكبرى غالباً، وهي مستفيدة من العولمة والتجارة الحرة. إنها ليست بريئة من العنصرية ومن الشعور بالتفوق تجاه الآخر، ولا هي متحررة من الخوف من الآخر، هذا إضافة إلى أن جزءاً متنامياً منها أصبح يتبنى مبدئياً قيماً ليبرالية أخلاقياً، وذلك عبر التنشئة الاجتماعية ونتائج صراعات الأجيال. أما الثانية فثقافة محافظة تقليدية عابرة للطبقات ولكنها سائدة في الأرياف الغنية والفقيرة المحافظة التي تنظر بريبة وشك إلى ثقافة المدن الكبرى بوصفها منحلة"1.

ويبدو أن اليمين في الحرب الناعمة بصورتها الجديدة انتبه إلى الإشكال الثقافي في صراع الحضارات فراح يعزف على وتر الصدام الحضاري؛ لتعزيز الشعبوية ، فمدينة كالقدس لها عمقها التاريخي والحضاري، فضلاً عن البعد الديني الذي يجعلها قبلة لأتباع ثلاثة ديانات سماوية؛ تكون مغرية جداً لأصحاب المشاريع المؤدلجة، خصوصاً إذا كانوا من ذوي النفوذ الذين يُسَيِّرون العالم وفق أهدافهم التي لاتعبأ بمستقبل البشرية .

إن صور تصدر اليمين لزجاج الواجهات الأمامية العالمية؛ تؤكد أنه ماض في مرحلة خلق ظروف جديدة؛ لتقديم نفسه مجدداً بآليات تحاول تسلق سلم الأحداث، ومن أهمها قضايا الإرهاب والدفاع عن السلام المزمع بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ لتكريس الأنموذج اليميني بما يتناسب وطموحاته الأنانية في التسلط على العالم والعبث بمصيره، بحيث نصل إلى حقيقة مخيفة، تتمثل بعولمة انعزالية تُحدث تحولات ثقافية وسياسية يمكن أن تقوض صور التعايش الحضاري، وتعزز الكراهية والانتماء للهوية بمعنى إقصائي وعنصري تتغذى عليه النزعات الاستعلائية التي يراد للشرق الأوسط أن يكتوي بنارها. هذا طبعاً مع ممهدات لجدل عقيم قد يتفاعل في المناخات الثقافية والفكرية تحت يافطات القبول بالأمر الواقع، أو يافطة التفاعل مع المتغيرات العصرية التي تقضي بعدم الالتفات للماضي المرتكز على احترام الخصوصيات والعقائد وما إلى ذلك، فنكون عندها إزاء نظرة متشددة قناعها الإنسان ووجهها العنصرية.

علينا ونحن نعبر عن رفضنا لقرار ترامب، ونصرخ بضرورة حماية مقدساتنا وتاريخنا وحضارتنا؛ أن لا نغفل أهمية أن نحافظ على كل هذه الركائز عبر فهم الصراع الفكري، فنحن في حلبة وجودية ملتهبة بصراع الأفكار، وإثبات صحة الفكر (ألف) على الفكر (باء) وهكذا.

لا ينبغي أن يكون الرفض والشجب والاستنكار مبنياً على الشعارات أو السلوكيات الانفعالية، بل بفهم الآخر الذي لا يريد لنا الخير، ومعرفة كيف يفكر، ونواجهه فكرياً؛ لأن لنا ــ في حال تأملنا وتبصرنا جيداً ــ ما يعيننا على إدارة جدلية القوة والأخلاق.

...................................
1: عزمي بشارة ، صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل، مجلة سياسات عربية ، العدد23 تشرين الثاني 2016

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0