الجهلُ نوعان، أحدهما جهل يصنعه الإنسان لنفسه، ويسمى الجهل الذاتي، والثاني جهل مفروض على العقل، أو ما يُدعى بـ التجهيل، وكلاهما يشكّلان خطرا على العقل، وهناك من يجزم بأن ألدّ أعداء العقل هو الجهل، وإذا تمَّ تجريد الأخير من ممكناته سوف تُشْطَب غالبية المشكلات التي تواجهها البشرية، فهل يعني هذا، أن تكبيل ممكنات الجهل سيفتحُ نافذةً نحو الخلاص البشري، أم ثمة تزييف فكري يصنعه المصرّون على استخدام التجهيل لإنجاز مآربهم كما يفعل الحاكم الطاغية.

وحين نذهب الى تفسير الجهل فهو عكس العلم، وجهلَ الإنسانُ الأمرَ بمعنى خفيَ عنه، والفاعل منه جاهل والمفعول مجهول. أما الوعي Cognition: فهو كلمةٌ تدلُّ على ضمِّ شيء. وفي قواميس اللغة العربية وَعَيْتُ العِلْمَ أعِيهِ وَعْياً، ووعَى الشيءَ والحديث يَعِيه وَعْياً وأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، فهو واعٍ، و فلان أَوْعَى من فلان أَي أَحْفَظُ وأَفْهَمُ. وبهذا فإن الوعي هو الفهم ومعرفة الشيء، وهو نقيض الجهل والأسلوب الأعظم في تحديد الجهل وتجريده من آثاره وممكناته المنفلتة، حتى لو كان مصدره طاغية أو ممّنْ يتباهى بجبروتهِ الأخرق.

فالجهل عنصر مضاد للعقل، بينما الوعي كلمة تعبر عن حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي التي تتمثل عادة بحواس الإنسان الخمس. كما يمثل الوعي عند العديد من علماء النفس الحالة العقلية التي يتميز بها الإنسان بملكات المحاكمة المنطقية، والوعي بأمر ما يتضمن معرفته والعمل بهذه المعرفة.

وللجهل مخلّفاته فما هي هذه المخلفات وما مدى تحديدها لمقدَّرات الفرد أو تداخلها المدمِّر للوشائج المجتمعية؟، وأيّ الطرائق أنجعُ من سواها فعلاً وتأثيرا في قلب طرفيّ معادلة الجهل والوعي، وجعل الأخير داحضاً مكينا للجهل والتجهيل السياسي أو سواه، نحن بحاجة الى رصد المخلّفات وتحديد أنواعها وقنص مصادرها من باب (لو عُرف السبب بطلَ العجب)، ليصير مصير الجهل قاب قوسين من النهاية.

من مصائب الجهل أنه يصنع عقلا مصَفَّرا من العلم، وهذا يعني أننا إزاء كائن بشري لا يمنحُ نفسَهُ فائدةً تُذكر، ولا يفيدُ منه محيطاه الأصغر (الأسرة) والأكبر (المجتمع)، ولو أن الحال الضار يتوقّف عند هذا الحدّ، أي عند انعدام الفائدة لهانَ الأمر، ولكنّ الجهل يحيل الفرد الى خلية صغرى للتطرف على مستوى الكلّ المجتمعي وحاصل جمع هذا النوع من الخلايا يصنع مجتمعا متطرفا، سيكون بؤرة كبرى لصناعة التطرف، وهذا الكائن نفسه يصبحُ خلية كبرى للتطرف على مستوى أسرته يحيل حياتها الى جحيم.

ومن مجموع الخلايا الصغرى للتطرف، تتم صناعة الأمة المتطرفة، وتكون مؤثَّثة بملايين القنابل الموقوتة، فهذا النوع من الكائنات لا يكتفي بكونهِ جاهلاً أو مجَهَّلاً عديم الفائدة، فما يملأ غروره ويحقّق ذاته هو أن يصبح كتلةً مدمِّرة كما حال الانتحاري المتطرف الذي لا يهدأ له بال إلا بعدَ أن يصعق جسده ويتفجّر بين الأبرياء حقداً على مخلوقات الله وطمعاً بجنتهِ.

وحين يتمّ تصفير عقل الفرد من الوعي، ويبقى مؤثَّثا بالجهل سوف تطوله المزيد من الرزايا، فما يُنبتهُ وينشرهُ الجهل في الشخصية ليس وباء التطرف وحده، ثمة ما يُضاف لهذا الشخص من تحجّر فكري وانطواء نفسي وسَلبية حركية، تجعله مصدَر أذى لنفسه ومحيطيْه الأصغر والأوسع، العائلة والأمة، وهذه الرزايا من نتائج العقل المصفَّر من الوعي، نتيجةً لتقييده بالجهل الذاتي، أو التجهيل الخارجي، ما يدعونا الى تحفيز الوعي واستجلابه منقّى من شوائب الانحياز.

فقد تكون بنا حاجة لفهم أعمق للوعي، حتى نحتوي به الجهل ونردع التجهيل الفكري ونمحو صفحات العقل البيضاء من إرث السواد التطرفي، بالمحصلة الوعي هو ما يتراكم لدى الإنسان من أفكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة من حوله. وقد يكون الوعي زائفا، وذلك عندما تكون أفكار الإنسان ووجهات نظره ومفاهيمه غير متطابقة مع الواقع من حوله، أو غير واقعي وقد يكون جزئيا، وذلك عندما تكون الأفكار والمفاهيم مقتصرة على جانب أو ناحية معينة وغير شاملة لكل النواحي.

وبعد أن عرضنا لثلاثي الوعي والجهل والتطرف، واسترسلنا بتعرية مخلَّفات التحجّر الفكري وخطر الانطواء وضمور حركية الفرد، وهي نتائج ليست مهوَّلة، بل مستلّة من واقعنا المعنّى، وقد تصيب الكائن البشري بما هو أشدّ فتكا، بعد معرفة هذا نأتي إلى الطرائق المنطقية لمكافحة الجهل، حتى تمكّننا من تمويه وإبطال مفعول الخطر المتَّحِد للمزدوج الوبائي (الجهل / التطرف)، لنصل الى المبتغى وهو (إنجاز الوعي الجماعي)، في قبال الثنائي سالف الذكر.

من هذه الطرائق، إنعاش الفكر المحترِم، إحياء التقاليد الشرفيّة، فتح الفرص المتكافئة سواسية للكّل، إشاعة الحوار الحضاري، إقصاء العنف بأنواعه، تمكين العدالة، تقديم التشريع، تنقيّة الدين من المتطفلين، إحياء النماذج القيادية العظمى (الإمام علي، حاكماً أنموذجيّا) لما تعجُّ به الساحة من سياسيين يُغطّون فشلهم الإداري بنجاحات أمير المؤمنين وإعلانهم التّأسّي به، كِذْبا وزيفاً وترويجاً لمصالحَ مطليّة بصبغة أنانية دكناء.

هذه الفقرات المقترَحة فيما مرّ ذكرهِ، لو اتخذها الفكر السياسي منهجا، مُضافا إليها ما يقترحهُ عقول ترجيحية أخرى، سوف يتمخّض عنها دحض تدريجي ثم نهائي للتطرف، يصبح كأنهُ الماء الذي يتدفّق على نار التعصّب والتطرف والانغلاق، ماحِياً لعتمة الجهل، وقاضياً على التجهيل، وطاردا كليّاً للتطرّف ومطفِئاً لبؤره طرّاً، حينئذ ستغدو الأمة منقّاة من الغل، وصافية من وباء التطرف، مندفعة ناحية الصدارة، وهذا هو مكانها الطبيعي الذي أقصيَتْ عنه طيلةَ قرون.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0