قد تكون عملية إيجاد نقطة وسطية تكون نقطة انطلاق لمفهوم الحداثة، وتتوسط قطبي المركزية والشمولية أمراً صعباً؛ غير أنه ليس بالأمر المستحيل، في حال اقتنعت الدول الكبرى، والتي تعد نفسها رائدة التطوربأهمية عدم فرض أنموذجها الحداثي على الدول النامية؛ لأن مثل هذا الفرض التعسفي سيزيد من فرضية أفول القيم، مع الأخذ بنظر الاعتبارإن فرض الخيار الغربي كان من الأسباب الرئيسة لنشوء جماعات العنف والتطرف الأصولية، بل وانتشار رعبها في مناطق العالم، بعد أن كانت حبيسة الصفحات الصفراء لمناهج الفقه المنحرفة والمتبنية للمبدأ التكفيري، والتي كانت على ما يبدو تنتظر الضوء الأخضر للانطلاق لبث الدمار والخراب للعالم الإنساني.

ليس المطلوب من الدول الكبرى أن تكون أصولية لتنأى بنفسها عن خطر الأصوليين؛ كل ما عليها فعله ــ ولا نظنها فاعلة ــ أن تنظر بواقعية أكثر لخصوصية البلدان وثقافاتها، فأكثر هذه البلدان عايشت التجارب الفكرية المتنوعة وصراعاتها من أجل إثبات الوجود، لكن مالذي حصل، وكيف كانت النتيجة؟ ألم يتصارع الليبراليون واليساريون لدرجة العنف المسلح في الوقت الذي ازدهرت فيه تنظيراتهم من أجل قيم الحرية والكرامة الانسانية؟

وقبل انتشار عنف الجماعات الأصولية المرتبطة بفقه تكفيري مأزوم، ثمة جماعات عنفية لا تقل ارهاباً أو خطورة عن تلك، غير أنها مرتبطة بمن يتبنون قيم الحرية وحقوق الإنسان وغيرها، فهل كانت جماعة الخمير الحمر ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ أصولية تتبنى منهجاً فقهياً؟

إن الوصول لنقطة وسطية الحداثة؛ أصبح ضرورة من الضرورات الملحة التي تجعل العالم الإنساني بمنأى عن أخطار التطرف الجهوي والفكري والفقهي، نقطةٌ تعمل على أفول كل ما يمت للتعصب وتقطع الطريق أمام إنشاء حضارة قائمة على أحادية الفكر والسلوك، نقطة تجعل العالم أكثر مرونة في التعاطي مع الآخر، وأقل عدائية تجاه المشاريع الفكرية والتنموية الناضجة، وذلك من خلال تهيئة متعددة الاتجاهات أهمها الثقافة بشقيها الفردي والجماعي، فضلاً عن عملية تقريب العلاقة بين المجتمعات على الأسس المشتركة مع احتفاظ كل مجتمع بهويته وتراثه وخصوصيته على صعيد المتبنيات الدينية أو الفكرية رغم صعوبة المهمة.

11 سبتمبر مفتتح الحروب الحداثوية

شكلت الهجمات الارهابية على برجي مركز التجارة العالمي في أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001؛ الأحاسيس الأولى للوقوع في فخ الحروب ، وهو ماحصل فعلاً إذ انتعشت المسميات التي أدت إلى دخول العالم في نفق رمادي مخيف، بحيث استبقت الحروب المسلحة حروب المصطلحات والعبارات من قبيل الحرب على الارهاب، والشرق الأوسط الجديد، والفوضى الخلاقة، أعقبتها مشاريع إسقاط الأنظمة الديكتاتورية كما حدث في العراق بعد2003 بذريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، فكانت الحرب التي أسقطت نظام صدام حسين ، وهو الذي تربع وحزبه على السلطة بمباركة من أسقطه بعد ثلاثة عقود، فكان الخراب الحداثوي يفوق التصورات، خصوصاً بعد التجربة المربكة لحكم أحزاب المعارضة العراقية بتقسيماتها الدينية والعلمانية والقومية، والتي أفرزت بعداً مذهبياً وعرقياً زاد من مساحة الفوضى، قبل أن تصل لذروتها بدخول الجماعات المتطرفة واستباحة بعض المدن، ليدخل البلد في نفق أشد عتمة ، في الوقت الذي انتشرت فيه العولمة انتشار النار في الهشيم ، وأنتجت تقلصاً في قيم التسامح مقابل ازدهار العنف الجماعي الذي صار أشبه بالفانوس الذي يضيء بمزيد من الزيوت العرقية والطائفية. وقد امتد ضياء هذا الفانوس العرقي إلى مناطق أخرى عززت (الحداثة) من إجراء عتمتها عبر ربيع مختلق أريد له أن يشابه التجربة العراقية بعد 2003، لكن من غير تدخل عسكري بقيادة عرابة الحداثة أمريكا، كل مافي الموضوع أن النسائم الربيعية الحداثية هبت من مكونات التواصل الالكتروني، ثم وجدت لها مكاناً في الساحات الكبرى مع شعار (الشعب يريد إسقاط النظام)، لتكرر التجربة بحكم (إسلامي) سرعان ماتم الانقضاض عليه بذات الوسيلة، غير أن سرعة الانقضاض، وتحقيق التغيير للمرة الثانية كان هو المدهش في الحداثة الجديدة، لكن الدهشة هنا كانت أشبه بالقصيدة التي تترك أثرها بقوة على المتلقي الذي يكتشف بعد وقت قصير أن سرعة انطفائها؛ توازي سرعة سريان مفعولها في البداية!

لنبدأ بالثنائيات

لابد لنا ونحن ننشد الوسطية في الحداثة أن نركز على قيمة مهمة تتعلق بالثنائيات التي نريد للوسطية أن تقف بينها، وعدم الاكتفاء بالأمنيات والأحلام الوردية وترديد الشعارات، فانتهاج حداثة قائمة على الوقوف بين اليمين واليسار؛ أمر يحتاج إلى رؤية عميقة، وتأصيل فكري ينسجم مع الواقع والمرحلة التي نعيشها في هذا الظرف الزمني الحرج.

لابد أن تكون نظرتنا للثنائيات على أنها تكاملية غير متناقضة حسب تصنيف (سليم مطر)، فالريف يكمل المدينة، وكذا بالنسبة للعلاقات بين الدين والحداثة، والوطن والقومية، والتراث والمستقبل، فيقول : الوسطية تتجنب الوقوع في التطرف التبسيطي في(مع او ضد)، بل تعمل على ايجاد الحل الوسط العقلاني والواقعي الذي (يتوسط) ويجمع بين طرفي الثنائية، مثلا:

ـ بالنسبة لثنائية (القومية أو الوطن)، فأنها ترفض التعصب القومي(العروبي والكردي مثلا) المنافي للوطن، كذلك ترفض التعصب الوطني الرافض للانتماء القومي. الوسطية تدعو الى الجمع بين الاعتزاز بالوطن ووحدته، مع احترام الخصوصيات القومية والمحلية ومنحها حقوقها المنسجمة مع الوحدة الوطنية. معتبرة (الهوية الوطنية) اشبه بالبحيرة التي تصب فيها روافد (الهويات الفرعية) القومية والدينية والمذهبية والمناطقية.

ـ بالنسبة لثنائية (الدين أو الحداثة)، فأنها ترفض التعصب الديني الطائفي والسلفي، وكذلك التعصب الحداثي العلماني الالحادي. فتدعو للجمع بين احترام الايمان الروحي والديني، مع تقبل الحداثة والانفتاح على التقدم.

ـ بالنسبة لثنائية (العنف او الخنوع) فأن الوسطية تدعو الى موقف صريح ومكافح ضد جميع الظلام مهما كانت قوتهم، ولكن دون اللجوء للعنف المسلح المدمر للجميع، بل بالكفاح الثقافي والعصيان الشعبي الطويل الامد"1

وفي نفس الوقت لاينبغي إلغاء صفة التناقض على ثنائيات أخرى يمثل التناقض أمراً بديهياً في شكل العلاقة بينهما، إذ ليس من المنطقي أن يفرض الحياد منطقه في ثنائية الانفتاح والتعصب، فهذا المنطق يكون أقرب إلى اللاعقل. فمتى ماوصلنا لحالة التوازن في النظرة للثنائيات المتكاملة؛ سنكون قطعنا نصف الطريق نحو تقديم أنموذج المجتمع الوسطي وقيمه الجميلة ومنها الحداثة الوسطية.

-------------------------------------
1/ سليم مطر: ماهو الفكر الوسطي؟، مقال منشور في موقع الكتروني خاص بالكاتب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0