بدأ الصراع بين الخير والشر -على إطلاق المصطلحين- من حادثة هابيل وقابيل ابني آدم عليه السلام وظل قائماً إلى يومنا هذا وسيستمر، لكن ثمة مفصل زمني وتأريخي تجسد فيه الصراع بشكل مطلق تمثل بواقعة الطف في كربلاء حيث استشهد الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه الكرام.

ونحن هنا لانغالي في قولنا بأن هذا المفصل الزمني هو النموذج المطلق لصراع قيم الخير والحرية مع قيم الشر والإضطهاد، فأحداث الواقعة والمتفق على حقيقة حدوثها تؤكد وصفنا الذي تحدثنا عنه، فبعيدا عن القياسات العسكرية التي تبدو ضيقة جداً قياساً بالنتائج المستقبلية لنهضة السبط الشهيد صلوات الله عليه، نجد أن الواقعة تمثل صراعاً بين إرادتين انتمت الأولى للعدل الإلهي وللقيمة العليا التي ارتضاها الله تعالى للإنسان بينما اختارت الإرادة الثانية الإنتماء إلى الجاهلية والفكر المتحجر القائم على إذلال الإنسان ومحو القيم الإسلامية الأصيلة بإكمال المسيرة والمنهج المعد لهذا الغرض من قبل أعداء الله ورسوله من المنافقين الذين آمنوا بالإسلام شكلاً ظاهرياً لا جوهرياً.

ولأن الواقعة تحمل سمات مستقبلية، نراها تتألق يوماً بعد يوم وظلت منطلقاً محفزاً لكل الثورات التي تلتها رافضةً الطغيان والجبروت ومصادرة الإنسان والقيم لأكثر من ثلاثة عشر قرن، بحيث أصبح أي مظلوم يستحضر في داخله مظلومية الحسين ويرى في ظالمه نموذج يزيد وهو النموذج البعيد عن المروءة والسماحة.

ولعل التصاق الكثير من الثائرين على اختلاف متبنياتهم الثورية بقيمة الطف وقائد الطف العظيم مصداق آخر على السمات المستقبلية، فالإختلاف في المنهج الثوري بين غاندي الذي يؤمن بالثورة السلمية وماوتسي تونغ الذي يؤمن بالعنف الثوري لم يمنع من الإثنين من اتخاذ الإمام الحسين قيمةً عليا ومنهجاً مقدساً لكل مسعى ودور إصلاحي يرجح كفة الخير على الشر، الكفة التي رجحت حتى قبل انطلاق واقعة كربلاء بيوم واحد في التاسع من محرم عام 61 للهجرة عندما أخبر الإمام الحسين عليه السلام كل من معه بأنهم مقتولون ماعدا الإمام السجاد صلوات الله عليه والحسن المثنى بن الإمام الحسن عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك استبشر الأصحاب بالمصير الذي ينتظرهم مؤمنين بأنهم مع الحق والخير المطلق، وما أراجيزهم أثناء دخول الميدان وخوض غمار المعركة إلا دليل تأكيدي على ماذهبنا إليه، فضلاً عن ستراتيجية رائعة ارتأى الحسين القائد أن تكتمل بنزولهم للميدان بشكل انفرادي لتبقى بطولاتهم وقصص صمودهم خالدة خلود الواقعة نفسها وتعبيراً عن اليقين الذي زرعه حب الحسين في نفوسهم، لذلك لم يبالوا وهم يقاتلون بشكل منفرد من كثرة أعدائهم بل كانوا متلفهين لنيل الشهادة بين يدي إمامهم الحسين عليه السلام مستثمرين حالة الإنهزام الداخلي لجيش عمر بن سعد.

فرغم كثرة أعداد هذا الجيش إلا انه لم يكن يحمل حالة الإيمان المطلق لأصحاب الحسين الشهيد ولم يكن لهم اي هدف محدد او يقين يمكن أن يتحركوا لأجله وهو السبب الذي جعل عمر بن سعد يأمر جنوده بأن يضربوا من يقاتل في معسكر الحسين بالسهام والحجارة أو قتلهم غيلة وغدراً لأنهم إذا ظلوا يبارزونهم بالطريقة التي اعتاد العرب عليها سيبادون عن آخرهم لأنه -عمر بن سعد- يعلم بالحالة الإنهزامية الداخلية لجيشه وله هو أيضاً بحيث لايمكن الصمود أمام يقينٍ تحلى به أفراد قليلون في عددهم كثيرون في إيمانهم وإصرارهم لمدى لايمكن لأي تصور أن يصل إليه كونه يقيناً عصياً على الإنكسار والتغييب، فقد مورست الكثير من الفعاليات التي أرادت أن تغيب كل ماله صلة وعلاقة بقضية الإمام الحسين عليه السلام وملحمة الطف، لكن سذاجة هذه الممارسات وعدم إيمان الممارسين منعهم من تفهم أن هناك أبعاداً غيبية وراء خلود هذه الواقعة لأن بطلها الشهيد أراد رضوان الله تعالى وليس شيئاً آخر (وَمَنْ أرادَ الآخِرَةَ وَسَعَى إلَيْها سَعْيَها وَهْوَ مُؤمِنٌ فَأُلئكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكوراً - الإسراء :19)، لتندثر ممارسات التغييب مع ممارسيها.

وتفرد السمو الحسيني بسلوكيات أخلاقية نادرة وكأنها اسطورية إذا تم قياسها بمقياس الإنسان العادي وإلا كيف نفسر أن يسقي شخص عدوه الذي سيقتله؟ لن تكون الإجابة صعبة إذا عرفنا أن صاحب هذا الفعل الكريم سليل الرحمة والأخلاق سبط محمد وابن علي وفاطمة وأخو الحسن وهم ضوء أخلاق لايخبو ونهر عطاء وخير لايجف صلوات الله عليهم أجمعين، هذه الحادثة حدثت عندما قام الإمام الحسين بسقي علي بن الطعان المحاربي مع علمه بأنه من قتلته، وبالمقابل نجد السلوكيات المسعورة لمعسكر ما اكتفى بقتله ابن بنت نبيه بل قام أفراده بسلب ثيابه وقطع إصبعه الشريف من أجل الظفر بخاتم.

لقد شهدت أرض كربلاء أعلى درجات صراع الإرادات بحيث أصبحت سلالم متعددة منها مايوصل لمرضاة الله وجنان الفردوس وهي التي ارتقاها الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، ومنها مايوصل إلى جهنم وبئس المصير وخسران الدنيا والآخرة، كما أنتجت الواقعة قيماً للتمسك بالإسلام وبالنهج المحمدي العظيم عبر تضحية الإمام الحسين التي تم التمهيد لها منذ صغره صلوات الله عليه فقد أخبر جده صلى الله عليه وآله بمصيره الذي سيلقاه على يد اناس أشرار ينتمون زوراً لأمته.

فضلاً عن الدور التمهيدي لأمير المؤمنين عليه السلام لتضحية الحسين عندما طلب من اخيه عقيل أن يخطب له امرأة عسى أن يصيب منها ولداً ينصر ولده الحسين كما جاء في العديد من الروايات وكذلك التهيئة العظيمة للإمام الحسن الذي أراد بالهدنة مع معاوية تعرية المنهج الأموي ممهداً لثوة أخيه الحسين صلوات الله عليهما، كل هذه الأمور مع الإيمان بالله تعالى هيأت الإمام الحسين عليه السلام لهذا المصير المضيء الذي تحول إلى شاخص خالد في الضمير والوجدان الإنساني تفاعلت معه كل القيم السامية ناهلة من ينابيعه دروس الولاء والتضحية من أجل الحرية والإصلاح الحقيقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2