مقدمة في الاستراتيجيا

البحث والحديث عن الاستراتيجية، والاستراتيجية العليا في هذا العصر له مجال واسع جداً لأنه صار مصطلحاً فضفاضاً يتدخل في كل نواحي ومناحي الحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والإدارية، وهي نابعة أصلاً من المفاهيم العسكرية حيث أنه مصطلح يوناني مشتق من كلمة؛ "ستراتيغوس" وتعني "القائد"، وبمعاني أخرى؛ كانت تُشير وتدلُّ على الحيلة، والخداع، والمناورة في الحرب، حيث عرَّفها القائد الألماني فون كلاوزفتز بأنَّها: "استخدام الاشتباك وسيلة للوصول إلى هدف الحرب، أو استخدام الصراع لفرض الهدف السياسي".

أما الفرنسي ليزيه فعرَّفها بأنَّها: "فن إعداد خطة الحرب وتوجيه الجيش في المناطق الحاسمة والتعرف على نقاط التي يجب تحشيد أكبر عدد من القطاعات فيها لضمان النجاح في المعركة".

فواضح من هذه التعاريف للاستراتيجية أنها فن استخدام الإمكانيات لتحقيق النصر وأهداف الحرب، وكل الطرق والأساليب التي تقع في طريق هذا الهدف الاستراتيجي للمعركة هو يُعتبر تكتيك، مهما كان في درجات الأهمية وكبير في استخدام الموارد المادية.

وأما الاستراجية العليا: فهي الهدف الأعلى للدولة وسياستها وتحقيق خطتها في التنمية الشاملة للدولة والحكومة بكل مؤسساتها، ولذا يُعرِّفها البريطاني ليدل هارت بأنَّها: تنسيق وتوجيه كل موارد الدولة وإمكانيتها للحصول على الغرض السياسي للدولة".

ويعرفها الجنرال الفرنسي أندري بوفر بأنها: "فن استخدام القوة للوصول إلى أهداف السياسة".

فالاستراتيجيا العليا: هي شاملة لكل مناحي الحياة للدولة وجزئ أساسي منها الاستراتيجية العسكرية فيها، ولا تُستخدم عادة إلا في الدفاع عن الدولة، أو الهجوم لتحقيق أهداف السياسة العامة للدولة كما تفعل الإمبراطورية الأقوى في هذا العصر، والتي لديها استراتيجية الحرب الإستباقية، حيث ترى توجيه ضربات عسكرية لكل مَنْ يشعرون أنهم يُشكلون تهديداً على أمنهم القومي كما يظنون، فقسَّموا العالم إلى محورين ملخصهما "إما معنا أو ضدنا وعدونا".

ويعرف عبد القادر فهمي الاستراتيجية العليا بأنَّها: "علم وفن استخدام الوسائل والقدرات المتاحة في إطار عملية متكاملة يتم إعدادها والتخطيط لها، بهدف خلق هامش من حرية العمل يُعين صناع القرار على تحقيق أهداف سياستهم العليا في أوقات السلم والحرب".

والإستراتيجية العليا: هي التي تقدِّر وتنمِّي وتحشد كافة الإمكانات والطاقات الاقتصادية والبشرية والعسكرية والمؤازرة وسواها من قوى الضغط للتأثير على عزيمة الخصم ومعنوياته وإرادته لإجباره على الخضوع والتسليم وبالتالي تحقيق أهداف السياسة أو البعض منها".

عليه يمكن الوصول إلى أنَّ الاستراتيجية؛ "هي علم وفن تعبئة قوى الدولة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ومعنوياً لتحقيق أهداف السياسة العليا في السلم والحرب، وفي المجال الأصلي لها وهو المجال العسكري: علم وفن يختصان في إدارة الحرب والإعداد لها وقيادة الصراع المسلح مع العدو، فهي جزء من فنون الحرب وتخطيط وتنفيذ عملياتها على المسرح الحربي". (كل هذه التعاريف تجدها في الموسوعة السياسية نقلتها بتصرف)

الأهداف العليا للنهضة الحسينية

في الحقيقة أنني أقرأ، وأكتب، وأبحث، منذ ثلاثة عقود في النهضة الحسينية المباركة، فكتبتُ عدة كتب فيها، والعشرات من الأبحاث، والمآت من المقالات، وحضرت الآلاف من المجالس وعلى مدار السنوات كلها، وما زلتُ كذلك بحمد الله وفضله، وسأبقى ما بقيتُ على قيد الحياة أتعلم وأدرس في هذه الجامعة الكونية العملاقة التي أقامها سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) في مسيرة حياته المباركة والتي امتدت إلى سبع وخمسين سنة ختمها بالمسك الرباني، والعطر الرحماني حيث قدَّم نفسه قرباناً عظيماً لدين الله ورسالة جده رسوله الله (ص) في هذه الدنيا.

وفي كل عام وعند اقتراب موسم عاشوراء الإمام الحسين (ع) ترى الدنيا تنقلب رأساً على عقب، وأعظم ما يمكن أن ترى فيها أثر الشيطان الرجيم الذي يُحزِّب كل أحزابه، ويأمر كل أتباعه ومردته من شياطين الإنس والجن أن يُشككوا الناس –المؤمنين طبعاً– بطريقة أو بأخرى بهذه النهضة الربانية وفي كل عام يتحقق ما قاله رسول الله (ص) في حديث أم أيمن المعروف لدى الموالين جميعاً، حيث جاء فيه: (إن إبليس لعنه الله في ذلك اليوم يطير فرِحاً فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته، فيقول: "يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذرية ادم الطلبة وبلغنا في هلاكهم الغاية وأورثناهم النار إلا مَنْ اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، وحملهم على عداوتهم وإغرائهم بهم، وأوليائهم، حتى تستحكم ضلالة الخلق وكفرهم ولا ينجو منهم ناج"، ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب، أنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر).

هذا الحديث، هو من الكنوز المذخورة عن آل محمد (ص)، ولذا قال زائده: ثم قال علي بن الحسين (عليهما السلام) بعد أن حدثني بهذا الحديث: (خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولاً لكان قليلاً). (كامل الزيارات؛ ابن قولويه: ص ٤٤٤)

ولكنه مهمل جداً في أوساطنا الاجتماعية خاصة، رغم حاجتنا له لحسم كل هذا اللغط العجيب الذي نشهده في كل موسم عبادي عاشورائي، فتجد أفكاراً عجيبة غريبة شيطانية مشككة في أي من عموميات أو تفاصيل هذه النهضة المباركة، بهدف زعزعة المؤمنين بها، والمعتزين بالخدمة في رحابها الواسع، فأين المشكلة في ذلك كله؟

وكيف نحسم مادة هذا اللغط، ونجيب عن هذه التشكيكات التي تنطلق من موالي ومحب وعاشق؟

طالما فكرتُ في هذه المسألة، وبحثتُ عن إجابة شافية وافية للمحبين والموالين لسيد الشهداء (ع) خاصة، رغم علمي اليقيني أن هذه التشكيكات لن تنتهي عند الأطراف الأخرى لا سيما أبناء أولئك المجرمين القتلة وأشياعهم وأتباعهم من شياطين بني أمية والنواصب قديمهم وحديثهم لا سيما أتباع الشيطان ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، الذين خرجوا من الدِّين كما يخرج السهم من الرمية، كما أخبرنا عنهم رسول الله (ص) منذ الأيام الأولى للإسلام الحنيف.

فجوابي هنا لأولئك الأحباب والعشاق لسيد الشهداء (ع) والملتزمين بنهجه ونهضته ولكن لديهم بعض تلك التشكيكات التي يُثيرها الأعداء من أتباع الشياطين الذين أشارت إليهم الرواية الشريفة ورجائي منهم أن يقرؤوها بتمعن وتفكر فلها الكثير من الشواهد إذا بحثوا في السيرة الحسينية، ونهضته المباركة، وهنا سأعطيهم اللباب والزبدة فقط وربما أبحث المسألة بشكل مفصَّل فيما بعد بإذن الله تعالى.

تشخيص الأهداف العليا

الرسول الأعظم (ص) جاء إلى هذه الدنيا برسالة عامة وشاملة هي الإسلام العظيم، وهي خاتمة الرسالات السماوية وخُلاصتها حقاً، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (آل عمران: 19)، فأصل الدِّين واحد أنزله الواحد الأحد على أنبيائه ورسله، ولكنه كان متطوراً ومتنامياً مع التقدم الاجتماعي الذي يُحققه البشر حيث انتقل معهم من البداوة، ثم إلى السكن والاستقرار، وبعدها إلى المدنية ثم إلى الحضارة الإنسانية التي تنقلت بين الأقوام والشعوب حتى وصلت الآن وعلى بحر من الدماء وجبال من الأشلاء إلى إمبراطورية الشر وراء المحيط.

فدين الله سبحانه كله اسمه الإسلام – من التسليم لأمر الله ونهيه وحكمه – حيث جاءت هذه التسمية من بطل التوحيد وأبي الأنبياء إبراهيم الخليل (ع)، قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج: 78)

ولذا فإن الله يقبل ما نزل من عنده ولا يقبل غيره من أحد من العالمين قال سبحانه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85)، هذا التسلسل التاريخي والرسالي بلغ ذروته بظهور وولادة النبي محمد بن عبد الله (ص) في مكة المكرمة، حيث كان فيها معروفاً بالصادق الأمين، وهو من عليائها وذروة الشرف فيها، إلا أنه كان يتيماً عند عمِّه أبي طالب (ع)، هذا الوصي المؤمن الذي كان يُخفي إيمانه، ربَّى وحافظ على ابن أخيه وهو يعلم أنه نبي آخر الزمان، ودافع عنه إلى أن زوَّجه في الخامسة والعشرين من عمره وبعد خمس سنوات رزقه الله ولداً شبيه بابن أخيه فوهبه له منذ ولادته وقد سمَّاه العلي الأعلى "علياً"، فكان يحمله على صدره وظهره ويدور به جبال مكة، كما يصف هو (ع) فيقول: (وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه، ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيه، ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ولَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه (صلى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه، ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي، ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ، غَيْرَ رَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله) وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الرَّنَّةُ؟، فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِه، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ). (نهج البلاغة: خ192 القاصعة)

فمن اللحظة الأولى التي نزل فيها الوحي من السماء، كان علي (ع) وزير النبي المصطفى (ص)، فليس الأمر خافياً على ذوي البصائر والنُّهى، وهذا أمر بديهي في السيرة البشرية والأعراف الاجتماعية حتى حيث أنه لكل نبي وصي، ولكل مصلح نائب، بل ولكل إنسان وصية ووصي، وهذا ما أكَّدته السيرة النبوية في حديث الدار الصحيح، الذي جاء فيه: (يا بني عبد المطلب! إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به؛ إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع). (تاريخ الطبري: ٢ / ٣١٩ - ٣٢١، تاريخ دمشق: ٤٢ / ٤٨ / ٨٣٨١، تفسير الطبري: ١١ / الجزء ١٩ / ١٢١، شرح نهج البلاغة: ١٣ / ٢١٠، شواهد التنزيل: ١ / ٤٨٦ / ٥١٤، الكامل في التاريخ: ١ / ٤٨٧ وكنز العمال: ١٣ / ١٣١ / ٣٦٤١٩، والسيرة الحلبية: ١ / ٢٨٥)

وهكذا تتالت الأحداث وتتابعت السور والآيات القرآنية فكانت تنزل على الرسول الخاتم، فيُمليها ويُعلم تفسيرها وتأويلها لوصيه الذي سماه "أمير المؤمنين" حتى لا يتأمَّر عليه أحد، بل اختصَّه بهذا اللقب ليكون له وليس لأحد إلا كذاب مدَّعي، أو دعيٌّ وبغيٌّ مجهول الحال والنسب.

واكتملت تلك الرحلة الشاقة بعد 23 عاماً نزل فيها القرآن وخاض رسول الله فيها أكثر من ثمانين غزوة وسرية وفي كلها كان رئيس أركانه وحامل لواءه الإمام علي (ع)، ولذا قال: (بني الإسلام بسيف علي ومال خديجة)، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، وأكمل الله هذا الدِّين العظيم وأتمَّ النِّعمة على هذا الخلق في يوم الغدير الأغر حيث نصَّب رسول الله (ص) بأمر من الله خليفته وأمرهم ببيعته، فبايعوه جميعاً إلا الحارث الفهري الذي جاءه حجر من السماء فقتله لكفره.

في ذلك اليوم أنزل الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3)، فالقيادة، والسيادة، والأمارة، والوزارة، والخلافة، والسياسة، والحكم، والسلطة كلها من حق أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب (ع)، ثم تنتقل إلى أبنائه الحسن، ثم الحسين (فهما إمامان قاما أو قعدا) بنص جدهما (ص).

فالهدف الاستراتيجي هنا في الحفاظ على دين الله كاملاً غير منقوص، وعلى القرآن الكريم مفسراً ومؤولاً من أهل القرآن، والذين سماهم "أهل الذِّكر"، لأنهم عيبة علم الله، وتراجمة وحيه في خلقه، وكذب مَنْ يدَّعي أن علم القرآن وتفسيره وتأويله عنده من غيرهم، ولذا تجد أن كل الأعمال التي تقع في طريق هذا الهدف الاستراتيجي هو تكتيك مهما كان مهماً وربما يظهراً أنه استراتيجي إلا أنه يكون إلى مرحلة ثم ينصهر في الهدف الأعلى (دين الله وكتابه ورسالته).

وهذا ما أشار إليه الإمام الحسين (ع) حينما سئل عن الخصمين الذين اختصموا في ربهم، قال النَّضر بن مالك قُلْتُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع): يَا أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ حَدِّثْنِي عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)، قالَ: نَحْنُ وَبَنُو أُمَيَّةَ اِخْتَصَمْنَا فِي اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْنَا: صَدَقَ اَللَّهُ، وَقَالُوا: كَذَبَ اَللَّهُ فَنَحْنُ، وَإِيَّاهُمُ اَلْخَصْمَانِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ).

وأكد ذلك حفيده الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: (إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله، قلنا صدق الله وقالوا كذب الله.. قاتل أبو سفيان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقاتل معاوية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي (عليه السلام)، والسفياني يقاتل القائم (عليه السلام). (معاني الأخبار / 346)

فالهدف الحسيني واضح وضوح الشمس، وهو نفسه كان هدف جده رسول الله (ص) في بداية الدعوة الإسلامية حيث جاء طغاة قريش إلى عمِّه وحاميه وناصره أبو طالب (ع) وعرضوا عليه كل المغريات المادية التي يقيسون فيها كالمال، والجاه، والنساء، إلا أنه قال له: (يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته)، لأن بين يديه مشروع الله، ودين الله، وكتاب الله في هذه الدنيا، ولهذه الحياة.

فمضى في مشروعه الإلهي لأن مثل عمه أبو طالب (ع) موجود وقال له: (اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبداً)، وفعلاً لم يُسلمه لشيء، ولما رآه يُصلي وليس معه إلا ولده علي (ع) ومعه جعفر فقال له: (ولدي صِل جناح ابن عمك)، فوصله فطار بجناحين من أبي طالب (ع)، وهكذا سار نسل أبو طالب مع الرسالة والرسول وحملوا الرسالة كاملة فكانوا هم القادة والسادة، ولذا ترى كل الشهداء من الهواشم في يوم عاشوراء من نسل أبي طالب خاصة وسيدهم وقائهم كان الإمام الحسين (ع) الذي قال: (لاَ وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ؛ وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ)، ثم قال (ع): (أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ؛ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ! يَأْبَي‌ اللَهُ ذَلِكَ لَنَا، وَرَسُولُهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ، مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِئَـامِ عَلَى‌ مَصَـارِعِ الْكِرَامِ).

نفس المنطق، ونفس الروح، لأن هذا الشعاع من ذاك القرص، وهذا الشبل من ذاك الأسد، وهذا الولي من ذاك النبي (حسين مني وأنا من حسين)، وبنفس الوقت هو نفس الهدف الاستراتيجي البعيد الذي جعلهم الله حملته، ودعاته، ورعاته، ومبلغيه في هذه الحياة، فهدف الحسين (ع) هو إقامة الدِّين، وتطبيق شرائعه، وأحكامه، وبالتالي تمكينه في بناء الحضارة الإنسانية في هذه الدنيا وهذا ما سيتحقق في آخر الزمان على يدي حفيد الإمام الحسين (ع) والآخذ بثأره، والمنجز وعد الله له بإقامة دولة الحق والعدل وينفي الظلم والجور والعدوان عن حياة هذا الإنسان، وكل ذلك تحت شعار (يا لثارات الحسين)، وفي ذلك اليوم يكون الإنتصار الكبير للحسين (ع) وسيعرف العالم كيف ينتصر دم الحق على السيف الباطل، ويظهر هدف الإمام الحسين (ع) الاستراتيجي بنصر الله وقيام دين الله وتمكينه في هذه الحياة، ثم يرجع ليحكم فيها ما شاء الله بالحق والعدل بإذن الله تعالى..

فهم الهدف الاستراتيجي

على الباحث والمؤمن والعاشق لسيد الشهداء (ع) أن يعرف الهدف الأعلى والاستراتيجي الذي خرج من أجل تحقيقه ولا يختلط عليه الأمر بأي هدف آخر يظن أنه بالأهمية والمكانة كذاك الهدف الاستراتيجي، وبذلك تنحل عندنا كل الإشكالات في البين التي دوَّخنا بها أهل الباطل، من قبيل: لماذا خرج الحسين من الحرمين؟

لماذا خرج إذا كان يعرف النتيجة بالشهادة، فهو إلقاء للنفس بالتهلكة؟

ولماذا اصطحب عيالاته معه إلى الموت والسبي لنبكي عليهم فيما بعد؟

لماذا خرج إلى العراق خاصة، ولم يذهب إلى اليمن، أو جبال طيء، أو البصرة، أو غيرها؟

وسيل من هذه الإشكالات في السياسة والسلطة والحكم، والثقافة والفكر وغيرها فكلها تبقى في دائرة السؤال والإشكال إذا لم نفهم الهدف الاستراتيجي لنهضة الإمام الحسين (ع)، علماً أنه كان في كل حين يُشعل شمعة ليدلنا على مسيرته الربانية، ويعلمنا هدفه الإلهي، حيث قال: (شاء الله أن يراني قتيلاً، وشاء الله أن يراهن سبايا) فمشيئة الله هي الحاكمة في نهضة الإمام الحسين (ع)، فكل حركة، وعمل وقول كان بأمر الله ورسوله تخطيطاً ومن المولى تنفيذاً (رأيتُ جدي رسول الله (ص) وأمرني بأمر)، وكم تكرر منه ذلك، فمَنْ يلحق ويتتبع تلك الشموع سيصل إلى الهدف الاستراتيجي لنهضة الإمام الحسين (ع) المتمثل بالله سبحانه وتعالى فهو شهيد الله وشاهده على خلقه ظلمهم وبغيهم.

ومَنْ لم يعرف هذه الاستراتيجية فهو لن يستطيع أن يفهم زيارات الإمام الحسين (ع) لا سيما زيارة وارث، فما الذي ورثه المولى من الأنبياء العظام من آدم وحتى الخاتم (صلوات الله عليهم)، إنه ورث الرسالة والدِّين الذي أنزله الله إليهم، وكان هو قربان الله العظيم في هذه الحياة.

فالإمام الحسين قائد المشروع الرباني الإنساني في هذه الدنيا، وهو باني الحضارة الإنسانية الراقية له في طول الزمان، ولكن كان يحتاج إلى نهضة يُقدم نفسه المقدسة على مذبح العدالة لتبقى شُعلة الحق المطالبة بالعدالة في البشر، رغم كل هذا الظلم والظلام الذي يُغطي العالم فإنك تجد أن شُعلة النهضة الحسينية تبقى متوهجة ومشتعلة ومنيرة رغم كل ما فعله الطغاة ليطفؤوها ويدفنوها في طول التاريخ الظالم، ويأبى الحسين (ع) أن ينطفئ بل يزداد توهجاً وظهوراً في كل عام، وكما قالت السيدة زينب لابن أخيها السجاد (ع): (لا يجز عنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء (عليه السلام) لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام و ليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا).

وبهذه الرؤية يمكن أن نفهم كلمتها التي صدمت بها الطاغوت عبيد الله بن زياد حين شمت بها وافتخر بقتل أخيها الإمام الحسين (ع) قائلاً: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟

فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ).

وقد تسأل: أين الجمال الذي رأيته السيدة وهي شهدت ورأت أبشع وأشنع جريمة في التاريخ؟

الجواب يكمن بفهم قولها (ع): (قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا) أي أنهم ساروا بما كتب الله عليهم من الجهاد في سبيل إحقاق الحق ودحض الباطل، فالجمال بالكون في المكان الذي اختاره الله لك وذلك هو الجمال الحقيقي، بأن تكون بحيث أمر الله، وتُنفِّذ مشيئة الله بكل رضا بقضائه وقدره حتى لو قُطِّعت وداستك الخيل بسنابكها ورفعوا رأسك على رمح طويل لتقرأ عليهم القرآن، أليس هذا هو الجمال المعجز الذي اختص الله به وليه وقربانه الإمام الحسين (ع)؟

فالإنسانية تدين لهذا القائد الرباني العظيم بحفظ كل القيم والفضائل السماوية والأرضية لهم ولولا هذه الشهادة المفجعة، وهذا القربان العظيم، لتحول البشر إلى قطعان من الحيوانات الشرسة في قتل وتدمير بعضهم البعض، كما نرى ونسمع بما يجري اليوم في الواقع الخارجي، إذ لا يوجد شيء من الإنسانية والكرامة والشرف في أبناء الحضارة الرقمية إلا ما ورثناه من الإمام الحسين (ع) ولذا ترى الشعوب والأمم وكل المتعطشين للشرف والكرامة الإنسانية يأتون إلى الحسين ليشموا ويتنفسوا معنى الكرامة والعزة الإنسانية التي داستها أحذية أرباب الحضارة الصفرية.

وجميل ما يقوله الشيخ القرشي: "المعسكر الحسيني فإنه كان يمثل شرف الإنسان، ويمثل القيم الكريمة والاتجاهات العظيمة التي يسمو بها كل إنسان نبيل، وحسبه أنه وحده في تأريخ هذه الدنيا قد كتب له الخلود والبقاء فليس في أسرة شهداء العالم مثل شهداء كربلاء شرفاً ومجداً واندفاعاً في نصرة الحق، وتفانياً في سبيل العدل".

وهذا النور سيزداد توهجاً وإشراقاً كلما ازداد الظلام حلكة وقتامة في هذه الحياة، فالشياطين يُحاولون بكل جهدهم أن يطفؤوا نور الله في الأرض، الذي يمثله الإمام الحسين (ع) ويأبى الله لهم ذلك ويُحيي محبيه وعشاقه في كل عام في ذكراه المأساوية الحزينة ويُبدعوا في كل موسم الأشياء الجديدة والجميلة في إظهار حزنهم وجزعهم على سيدهم وإمامهم وقائدهم ليتناسب المصاب وعظمة المصيبة مع الزمان والمكان وتتفاعل الأجيال فيها وكل يعبِّر عن حزنه بطريقته التي يراها مجتمعه الخاص وثقافته القومية، وهنا يكمن السر في إختلاف الأذواق في إقامة العزاء على سيد الشهداء، وتتناقل الأجيال والشعوب الحسينية ويأخذ كل منهم ما يتناسب معه وثقافته، ولذا لا داعي للإختلاف بيننا لا سيما والعلماء والمراجع الكرام هم الذين يشخصون الشعائر ويعطون الأحكام بالفتاوى وكل منا يذهب إلى مرجعه ويقلده في ذلك.

فالإمام الحسين (ع) قائد تاريخي سار مع الأنبياء جميعاً، وهدفه استراتيجي يأتي في آخر الزمان مع حفيده الذي يقوم ليحقق حلم الأنبياء (ع) بإقامة دين الله في هذه الحياة، ويحكم العالم بالعدل ويبسط القسط في المجتمعات، ويبني الحضارة الإنسانية التي يعيش فيها الجميع في دولة واحدة وينعمون فيها بالسعادة والرفاهية لأنها ستكون صورة مصغرة عن الحياة الأبدية في الجنة التي فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

فالسلام على شهيد الله في هذه الحياة، وعلى إخوته، وأبنائه، وأصحابه، وعشاقه، في كل زمان ومكان، وجعلنا الله منهم، وفيهم، ومعهم لا سيما مع باني تلك الدولة العادلة والحضارة الراقية.

اضف تعليق