مقدمة تاريخية

من المحطات البارزة في مسيرة العشق الحسينية، إلى أرض المعراج كانت المحطة التي التقى فيها الإمام الحسين (ع) ببعض الأعيان، والأعلام الذين جلسوا معه واستمعوا لأسباب خروجه والناس تتجه إلى الحج، كان محطة الصِّفاح، وذات عِرق، وذلك لأنه "خرج الإمام الحسين (ع) من مكة نحو العراق، بأمر من الله عز وجل، ومن رسوله (ص)، فإنه سبحانه أراد أن يراه قتيلاً، وكان الإمام (ع) يعلم بمقتله في كربلاء ومقتل أصحابه، ولكنه ضحّى بنفسه الشريفة لإحياء دين الله.

وكان خروجه (ع) من مكة يوم التروية، الثامن من ذي الحجة (60ه).

وكان الإمام (ع) في طريقه يخطب في الناس ويُعلمهم بقصته، فبعض يلتحق به وبعض يتركه، وكان ركبه عند خروجه إلى العراق نحو ألف فارس ومائة راجل، وفي ليلة عاشوراء أمسوا وهم مائة تقريباً، (وفي صباحها اثنان وسبعون على المشهور)، فلم يبق إلاّ الخُلَّص من الأصحاب الذين لم يريدوا من نصرتهم للحسين (ع) إلاّ وجه الله تعالى. (من حياة الإمام الحسين (ع) السيد محمد الشيرازي: ص109)

منزل الصِفاح وذات عرق

تروي كُتب السيرة والتاريخ الحسيني أن الإمام الحسين (ع) التقى في الصفاح، أو ذات عِرق الشاعر المعروف همام بن غالب (الْفَرَزْدَقُ) الذي يروي هو حيث قَالَ: لَقِيَنِي الْحُسَيْنُ (عليه السَّلام) فِي مُنْصَرَفِي مِنَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: "مَا وَرَاكَ يَا أبَا فِرَاسٍ"؟

قُلْتُ: أَصْدُقُكَ؟

قَالَ: "الصِّدْقَ أُرِيدُ".

قُلْتُ: أَمَّا الْقُلُوبُ فَمَعَكَ، وَأَمَّا السُّيُوفُ فَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

قَالَ: "مَا أَرَاكَ إِلَّا صَدَقْتَ، النَّاسُ عَبِيدُ الْمَالِ، وَالدِّينُ لَغْوٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا لِلِابْتِلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون‏". (بحار الأنوار: ج44 ص 195)

ما أعظم هذا الموقف، وأجل هذه الكلمة من المولى –روحي له الفداء– حيث يُعطي الدنيا حقيقتها، ويكشف كذلك حقائق الناس فيها، فالناس عبيد أرقاء للدنيا والمال، ومَنْ جاءته الدنيا بالسلطة، والجاه، والمال، وما ذلك إلا محنة وابتلاء من الله تعالى، وأكثر الناس يسقطون في هذا الامتحان الصعب، إلا مَنْ رحم ربي.

فالخبر الصحيح عند هذا الشاعر والأديب الذي كان أخبر الناس بالناس وبما ينطوون عليه من نفاق حيث يعيشون ظاهرهم بعكس باطنهم، فهم يحبون الإمام الحسين (ع) ولا يُقاس به غيره من أهل الأرض في عصره، ولكنهم سيقاتلونه طمعاً ببعض الدراهم المتوفرة لدى يزيد الشر والسلطة الأموية الغاشمة، وهذا الذي جرى فعلاً على أرض الطفوف يوم عاشوراء، حيث كانوا يقتلون، ويسبون، ويُطاردون أهل البيت وهم يبكون كما جرى للسيدة فاطمة بنت الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء وأثناء حرق الخيام جاءها لعين من جيش عمر بن سعد (وقد أخذ حُليِّها وهو يَبكي، فقالت له: لم تبكِ؟ فقال: أ أسلب بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) ولا أبكي؟ قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري، وانتهَبوا ما في الأبنية (الخيام) حتى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا)! ففراسة الفرزدق كانت صادقة ولذا صدَّقه فيها الإمام الحسين (ع) لعلمه بدخائل النفوس البشرية وحبها للمال حباً جمَّاً كما وصفهم الباري تعالى، فكيف إذا اجتمع المال والسلطة عند بني أمية والدعاية الكاذبة كانت على أشدِّها في الكوفة منذ أن دخلها خلسة الطاغية عُبيد الله بن مرجانة.

بِشر بن غالب

ولكن للإمام الراحل رأي آخر عن هذه الحادثة حيث يقول: إن الشخص ليس الفرزدق، بل هو شخص آخر يتشابها في الاسم حيث يقول: "سار الإمام الحسين (ع) حتى وصل إلى (الصفاح) (موضع بين حنين وأنصاب الحرب على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش)، و(ذات عرق) (آخر مكان في العقيق، وهو ميقات أهل العراق للإحرام)، وبقي في ذات عرق يوماً أو يومين، ولم يدخل القرية بل خيّم في الوادي، فلقي هناك بِشر بن غالب (من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين والسجاد (عليهم السلام) وارداً من العراق فسأله عن أهلها؟

فقال: خلّفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية، فقال (ع): (صدق أخو بني أسد، إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يُريد) (اللهوف في قتلى الطفوف: ص43)

هَمام بن غالب (الفرزدق)

ويروي قصَّة الفرزدق همام بن غالب الشاعر كالتالي: "كما وصل هناك الفرزدق، الشاعر المعروف قاصداً الحج، فرأى الخيام في ذات عِرق فسأل لمَنْ هذه الخيام؟ فقالوا: للحسين بن علي (ع) وأهل بيته وأصحابه.

فتصور الفرزدق أن الإمام (ع) كان في السفر وقد وصل إلى ذات عرق وهو في طريقه للحج، قال: فتقدمتُ وسألتُ عن خيمة الإمام الحسين (ع) فدخلتُ عليه وكان الإمام (ع) غارقاً في الفكر وهو يقرأ القرآن.

يقول الفرزدق: فسلّمتُ على الإمام (ع) فأجابني بحرارة وحبٍّ وسأل عن حاجتي، فقلتُ: إنني الفرزدق وجئتُ من البصرة قاصداً الحج.. فرحَّب الإمام (ع) بي وأجلسني، فقال الفرزدق: لما رأيتُ خيامكم قلتُ سأتشرف للحج بحضوركم.

فقال لـه الإمام (ع): إننا راجعون من مكة وقد قصدنا العراق!

فتعجب الفرزدق كثيراً وقال: هذا موسم الحج فكيف تخرجون من مكة؟

قال الإمام (ع): لأن بني أمية بعثوا جماعة لقتلي وإن كنت معلقاً بأستار الكعبة.

يقول الفرزدق: كنتُ أعلم أن الإمام الحسين (ع) شجاع لا يخاف الموت ولا يخاف من الذي يريد قتله، فلماذا خرج من مكة؟ ولكنني لم أجرأ على أن أسأل الإمام (ع) ذلك.. فتوجه الإمام (ع) إليّ وقال: تريدُ أن تسألني عن خروجي مع أنني لا أخاف الموت، إنني خرجت بأمر الله عز وجل إلى حيث ما أراده الباري تعالى.

قلتُ: نعم إنه كذلك؛ ثم سألني الإمام (ع) عن العراق وحال الناس فيه، وقال: هل سيفون بوعدهم؟ قلتُ: إنهم من المحبين والشيعة لكم ولكنني لا أعلم حالهم في الامتحان والشدة.

قال الإمام (ع): إنني أريد نصرهم لا لأجل نفسي بل لأجل أنفسهم، وإلاّ فإن الله عز وجل هو ناصري.

ثم قال الفرزدق: أحذرك من تقلبهم.

وقال الإمام الحسين (ع): أنا ماض على ما أراده ربي.

يقول الفرزدق: ثم أعطاني الإمام الحسين (ع) بعض الدنانير هدية وخرجت من عنده". (من حياة الإمام الحسين (ع) السيد محمد الشيرازي: ص111)

فالموقفان صحيحان وقريبان بالمعنى الذي فهمه الإمام الحسين (ع) جيداً، ولكن المسألة كانت بالنسبة له (ع) هي مسألة تكليف إلهي محض وما عليه إلا القيام بذاك التكليف باعتباره إمام معصوم ومؤيد ومسدد من الله تعالى كجده رسول الله (ص) في بداية الدعوة في مكة المكرمة حيث لم يتركوا طريقة أو أسلوباً إلا وحاربوه فيه ترهيباً حتى القتل، وترغيباً إلى الملك عليهم، ولكنه قال قولته الشهيرة لعمه أبي طالب (ع): (يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته).

والإمام الحسين (ع) كان كثيراً في طريقه يقول لمُحدِّثيه: (شاء الله أن يراني قتيلاً).

و(إنني خرجت بأمر الله عز وجل إلى حيث ما أراده الباري تعالى).

و(أنا ماض على ما أراده ربي).

وما ذلك إلا لعلمه بإصرار سلطات بني أمية على قتله وانتهاك حُرمته ثأراً من رسول الله (ص)، وهذا ما قاله قبل أن يخرج من مكة المكرمة لابن عمه عبد الله بن عباس: (هيهات هيهات يا ابن عبّاس، إنّ القوم لم يتركوني وإنّهم يطلبونني أين كنت حتّى أبايعهم كرهاً ويقتلوني، والله لو كنتُ في جُحرِ هامَّةٍ من هوام الأرض لاستخرجوني منه وقتلوني، والله إنّهم ليعتدُون عليّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت، وإنّي ماضٍ في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث أمرني، وإِنَّا لِلهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ). (البداية والنهاية 169 / 8، الطبري 217 / 6)

وقال (ع) لأخيه محمد بن الحنفية: (لو دخلتُ في حُجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني) (حياة الإمام الحسين (ع) الشيخ باقر شريف القرشي: ج ٢ ص ٢٩٢)

وقال (ع) لجعفر بن سليمان الضبعي: (والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة - يعني قلبه الشريف - من جوفي). (حياة الإمام الحسين (ع) الشيخ باقر شريف القرشي: ج ٢ ص ٢٩٢)

ويروي الشيخ المفيد فيقول: فنزل في بطن العقبة، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان، قال له: أين تريد؟ قال له الحسين (عليه السلام): الكوفة.

فقال له الشيخ: أنشدك الله لما انصرفت، فو الله! ما تقدم إلا على الأسنة، وحَدِّ السيوف! وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطؤوا لك الأشياء، فقدمت عليهم، كان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكر فإني لا أرى لك أن تفعل.

فقال له: يا عبد الله! ليس يخفى عليَّ الرأي، وإن الله تعالى لا يغلب على أمره.

ثم قال (عليه السلام): والله! لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم مَنْ يُذلهم، حتى يكونوا أذل فرق الأمم، (فرم الأمة). (الإرشاد: ٢٢٣، الكامل في التأريخ ٢: ٥٤٩ إلى قوله: لا يغلب على أمره، تاريخ ابن عساكر: ٢١١ ح ٢٦٨، بحار الأنوار ٤٤: ٣٧٥، العوالم ١٧: ٢٢٥، أعيان الشيعة ١: ٥٩٥)

الإمام الحسين (ع) مشروع إلهي

فمن هذه الكلمات وغيرها كثير في التاريخ والسيرة تؤكد أن الإمام الحسين (ع) لم ينهض لأمر شخصي بل بأمر إلهي، وأمر رسولي، فكان كجده وأبيه (صلوات الله عليهم جميعاً)، لا يتحركون ولا يسكنون إلا بأمر الله ونهية، فكل حياتهم هي لله وبالله ومن الله وإلى الله، وكل مَنْ يُحاول فهم النهضة الحسينية من غير هذا الطريق، وهذا المنهج الرباني فإنه لن يصل إلى النتيجة الصحيحة، ولن يصل إلى الحق الصراح الذي كان يُمثله الإمام الحسين (ع).

فحركة الحسين (ع) كانت بمشيئة الله خالصة مخلصة من لحظتها الأولى حيث رفض الإمام الحسين البيعة ليزيد الشر، وحتى آخر لحظة من حياته وهو على صعيد كربلاء كان يقول: (رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك).

فقضية الإمام الحسين (ع) هي قضية دين الله وكتاب الله، ورسالة الله إلى هذا الإنسان المنحوس الذي توصَّل مثل يزيد ليحكمه باسم الله ومطلوب منه أن يُقيم دين الله وهو شيطان رجيم بجسد آدمي، بل هو من أخبث وأنجس خلق الله لما هو معروف عنه بارتكابه كل المنكرات، ومعصيته بكل الموبقات لأنه كان كافراً زنديقاً بكل معنى وفحوى هذه الكلمة، هو مَنْ مكَّنه من السلطة.

يصف الإمام الراحل الأوضاع السياسية في الأمة الإسلامية فيقول: "لقد تمكن يزيد بن معاوية من محاربة الإمام الحسين (عليه السلام) وتهيئة جيش كبير ضده عبر الإعلام المضلل والإغراء بالجهل ونشر جو الإرهاب والخوف.

فقد حكم أبوه معاوية 40 سنة على بلاد الشام، وأخذ بإبعاد أهلها عن الإسلام الحقيقي، فسيطر على البلاد بالظلم والجور، ثم جاء من بعده ابنه يزيد ليستولي على المسلمين بالقوة والقهر، مضافاً إلى ما أوجدوه من جو الإرهاب والخوف فكان من لا يخرج إلى محاربة الإمام الحسين (عليه السلام) يُقتل أو يُسجن، وكان كثير من الناس لا يعرفون الهدف من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وكانت مجموعة كبيرة منهم تقبع في السجون، فقد ورد في التاريخ: إن في زمان ولاية ابن زياد كان هناك اثنا عشر ألف شخص تم إلقاء القبض عليهم وسجنهم في الكوفة.

نعم، إن الإمام الحسين (عليه السلام) عند ما امتنع من بيعة يزيد وصمم على الشهادة، كانت هناك مجموعة كبيرة من شيعته قد قُتلت بأيدي جلادي بني أمية، ومجموعة أخرى كانت تقبع في السجون، فخرج الإمام الحسين (عليه السلام) بأصحابه المعروفين". (موجز عن النهضة الحسينية السيد محمد الشيرازي: ص29)

فكان خروجه كخروج جده رسول الله (ص) من مكة المكرمة مهاجراً، ولكنه (ص) نجح في بناء أمة ودولة في المدينة المنورة، ولكن الإمام الحسين (ع) نجح بإعطاء منهجاً إلهياً لبناء حضارة إنسانية، ولكن إلى الآن هذه الأمة لم تفقه معنى، ومغزى نهضة الإمام الحسين (ع) ولن تفقهها إلا عندما يقوم صاحب الثأر في آخر الزمان حفيده مهدي هذه الأمة وهادي الأمم إلى صلاحها الحجة بن الحسن المهدي (عج).

السلام على الحسين ابد الدهر، وعلى حفيده وباني حضارته المهدي المنتظر (عج).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0