قد تمر الأمم بحال من الركود وإنْ كانت تختزن معاناة، أو تميل إلى السكون وإنْ كانت مثخنة بالجراح، وقد تهبط الى الرضوخ خوفًا من بطش طاغية وتجنبًا لسيف سفّاح مستبد، حينها الأمة لا تكون بحاجة إلى شيء كحاجتها إلى قوة توقظها من غفوتها، وتتنزعها من خدرها، ثم تستنهض قدراتها للتغيير والإصلاح وصولاً لصناعة واقع جديد.

الخيارات الانهزامية أو الانكفائية أو المشلولة تجعل الشعب مسترخيًا حتى وهو في قبضة الظالم أو الفاسد أو الفاشل أو المخادع، بالتالي للتحرر من هذا الواقع المريض لابد من غرس مفاهيم جديدة ورؤى جديدة من خلالها يؤمن الشعب بأن الخضوع لسطوة الظالمين والاستسلام لمخادعة الفاسدين والاستكانة لاستهتار الفاشلين لا يجلب إلا ظلماً آخر، ولا يضيف إلا فساداً أكبر، بالتالي ليس للشعب إلا أن يسعى إلى التغيير ويمضي إلى الإصلاح.

في جانب من نتائجها، واقعة كربلاء أظهرت رؤى ومفاهيم وقناعة جديدة، وحفزت عموم الأمة روح الثورة على حكم بني أمية التسلطي، فما إن استشهد الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)، حتى اضطربت أطراف البلاد، وأخذت الثورات تتوالى ضد الطغيان الأموي، وإن كانت دوافع الثورات وأهدافها متباينة، وكانت البداية في حركة التوابين الاستشهادية، ثم ثورة المدينة، وبعدها انتفاضة المختار الثقفي، وفي سنة 121هـ كانت حركة زيد بن الإمام علي زين العابدين (عليه السلام).

وهذه الحركات الثائرة، وإن انتهت بنهايات مفجعة، لكن كانت من العوامل الرئيسة لانهيار الدولة الأموية. يقول المرجع المجدد الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده): «إن استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) لفت الأنظار إلى مواطن انحراف الدولة الأموية عن الإسلام، وأسّس للأجيال الآتية خير مرقب يرصدون به الانحرافات، لا فقط الانحرافات التي يمارسونها باسم الإسلام، بل الانحرافات التي تقع في الإطار الإنساني العام أيضاً».

مع ذلك، هناك جانب آخر لسقوط حكم بني أمية، وقليل ما يُسلط الضوء عليه رغم أهميته كحقيقة تاريخية من جهة وعبرة للتأمل والاعتبار من جهة أخرى وهذا الأهم، ألا وهو فساد النظام السياسي الأموي، وهذا الجانب لوحده كفيل بإسقاط أية دولة مهما بلغ شأنها قوة وسطوة. يذكر المسعودي في مروج الذهب: سُئل بعض شيوخ بني أمية وكبارهم، عقيب زوال الملك عنهم إلى بني العباس: ما كان سبب زوال ملككم ودولتكم؟ قال: «إنا شـُغلنا بملذاتنا عن تفقد ما كان يلزمنا، ظلمنا رعيتنا، فيئسوا من إنصافنا وتمنّوا الراحة منا، وتحومل (ظلمنا) على أهل خراجنا (الدول والأقوام الخاضعة) فتخلّوا عنا، وخربت ضياعنا، وخلتْ بيوت أموالنا (بسبب الفساد ولا حساب)، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم (مصالحهم) على منافعنا، وامضٌوا أموراً دوننا وأخفوا عـِلمها عنا)، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستمالهم أعادينا فتظاهروا معهم على حربنا، وطَلَبَنا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا)، وكان استتار الأخبار عنا (جهلهم لما يجري بين الناس) من أوكد أسباب زوال ملكنا». (مروج الذهب ومعادن الجوهر. المسعودي، المكتبة العصرية صيدا_بيروت، ج3، ص189)

ويُروى أن الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان خطب في مكة، والمظالم قد عمّت البلاد فوعظ الناس وأمرهم بتقوى الله، فقام اليه رجل من الحضور، وقال: «مهلاً مهلاً، إنكم تأمرون ولا تأتمرون، وتنهـَون ولا تنتهون، أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع أمركم في ألسنتكم؟».

وأضاف: «فإن قلتم اقتدوا بسيرتنا، فأين، وكيف، وما الحجة، وما النصير من الله في الاقتداء بسيرة الظلمة الذين أكلوا أموال الله دولاً (ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم)، وجعلوا عباد الله خولاً (من خلال السلطة والمال يجعلون الناس عبيداً لهم وأتباع)؟! وإن قلتم أطيعوا أمرنا، واقبلوا نصيحتنا، فكيف ينصح غيره من يغشّ نفسه؟! أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عدالته؟! وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن سمعتموها، فعلام قلدناكم أزمّة أمورنا، وحكـّمناكم في دمائنا وأموالنا؟».

ثم قال مذكّراً: «أما علمتم أن فينا من هو أبصر بفنون العظات، وأعرَف بوجوه اللغات منكم؟». وختم الرجل كلامه قائلاً: « فتزحزحوا عنها (عن الحكم) لهم (لمن هم أفضل منكم) وإلا فاطلقوا عقالها (اهربوا) وخلوا سبيلها، يتدبر إليها الذين شرّدتموهم في البلاد، ونقلتموهم في كل واد، فوالله ما قلدناكم أزمة أمورنا، وحكمناكم في أبداننا وأموالنا وأدياننا لتسيروا فيها بسيرة الجبارين». (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج٤٦، ص٣٣٧ عن أمالي الشيخ الطوسي، ص66).

ولهذه الرواية تتمة مذكورة في مصادر أخرى، حيث يكمل الرجل كلامه فيقول: أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات، وأفصح بالعظات، فتخلوا عنها، وأطلقوا عقالها، وخلوا سبيلها، يُنتدب إليها آل رسول الله؛ الذين شردتموهم في البلاد ومزقتموهم في كل واد، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة وبلوغ المهلة وعظم المحنة، إن لكل قائم قدراً لا يعدوه، ويوما لا يخطوه، وكتابا بعده يتلوه (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)(جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة. أحمد زكي صفوت، المكتبة العلمية/بيروت، ج2، ص 155_156).

لقد بيّن القرآن الكريم خلال عرضه لقصص الأمم السابقة، الحاجة إلى الاعتبار بقصصه السابقين، وإعمال العقل والفكر، بما آلت إليه تقلبات أمورهم، سواء أفي الصعود أو الانحدار، في التطور أو التداعي، في الرقي أو التدهور. وإن النص القرآني بهذا الشأن يبين في ثنايا تلك القصص أو تعقيباً عليها، سنن الله (عز وجل) في خلقه، ونواميسه المتحكمة في هذه الحياة، والموجّهة لها، ليدرك الإنسان بالعقل والاعتبار أسباب سقوط الدول وانهيار الحضارات.

إن التاريخ البشري هو سلسلة وقائع آخذ بعضها بعنان بعض، لا تنفك في المآل، وإن تباينت في الأشكال، وإن تجارب الشعوب والأمم ملك مشاع، أفلح من استفاد منها. يشير المرجع المجدد الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده) إلى أن مثل هذه المعرفة "تفيد في تجنّب الأسباب الداعية إلى السقوط، والأخذ بأسباب النجاح". ويقول(قده) لدى حديثه عن ضرورة قراءة تاريخ بني أمية: إن «حكام بني أمية هم سبب تأخر العالم لا المسلمين فحسب، وهذا حديث مضى ولا ينفع، وإنما النافع منه اليوم الاعتبار به».

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9