بسم الله الرحمن الرحيم

جاء في مقطع من زيارة الأربعين المروية عن مولانا الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه): (...وَبَذَلَ مُهَجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبَادَكَ مِنَ الجَهَالَةِ وَحَيْرَةِ الضَلالَةِ)، هذا المقطع يحتوي على مضامين شامخة ولكننا سنكتفي بمبحثين منها.

المبحث الأول: كلمة (فيك)

وردت هذه الكلمة في الزيارة: (وَبَذَلَ مُهَجَتَهُ فِيكَ) وترتبط هذه الكلمة ببحثٍ تناوله علماء الحكمة الإلهية وعلماء علم الأخلاق وفقهاء علم الفقه، وكذلك تناوله العلماء الجدد في علم النفس، ويرتبط هذا البحث بالبواعث والدوافع التي تحرّك كل واحد منا في أفعالنا الإرادية، حيث يتوقف الفعل الإرادي على دافع، أي يحتاج إلى محرّك وإلى منطلق ينطلق منه هذا الفعل، فما هو المنطلق؟

إن المنطلق والدافع المطلوب يمكن أن يكون أحد أمورٍ ثلاثة:

الدافع الأول: أن يكون العمل للدنيا.

الدافع الثاني: أن يكون العمل للآخرة.

الدافع الثالث: أن يكون العمل لله.

فأحياناً يكون الهدف دنيوياً، وأغلب أعمالنا للأسف حتى نحن المتدينون تكون للدنيا، فعندما يذهب التاجر إلى محل عمله إنما يتاجر للدنيا وللمال، ومثل هذا التاجر الذي يعمل من أجل كسب المال فقط، هل له استحقاق على الله تعالى؟

إن الله تعالى سيقول له: إنك عملت من أجل كسب المال وقد نلته، فماذا تطلب مني؟ لذلك هذا التاجر وأمثاله لا يستحقون من الله شيئاً.

لماذا يدرس الطالب في الثانوية أو الجامعة؟ إنه يقوم بذلك لينال الشهادة الجامعية، فإذا كان هذا هو الهدف والباعث، فهل سيأتي هذا الفرد يوم القيامة، ويطلب من الله شيئاً؟ كلا، إن الله تعالى سيقول له: إنك طلبت العلم من أجل الشهادة الجامعية، وربما نلتها أو لم تنلها، لذلك فهو لا يستحق من الله شيئاً.

كان حاتم الطائي مشهوراً بكرمه وقضاياه معروفة لدى الجميع، فقد كان يضحي حتى بلقمته للآخرين، وهنالك أبيات شعرية تُنقل عنه، بأن عائلته كانت غير موافقة على ما يقوم به، فكانوا يقولون له: إننا أولى بهذه اللقمة التي تعطيها للآخرين، فيقول في أبيات شعرية له وهو يخاطب زوجته أماوية:

إن المال غــــــــــادٍ ورائـــــح.....ويبقى من المال الأحاديثُ والذكر

كأنه يقصد بذلك بأن المال ينتهي ولكن الذكر الذي يناله من البذل والكرم باق، والدليل هذه الشهرة والسمعة الطيبة والباقية له حتى اليوم، فإذا كان منطلق وهدف حاتم في أعماله من إطعام الفقراء وإكرام الضيف السمعة والذكر، فسيأتي يوم القيامة إلى الله تعالى ويقول: يا الهي! إنني بذلت وأعطيت وأطعمت الفقراء، هنا سيسأله الله تعالى، لماذا بذلت؟

إن التفكير بهذا الجانب مهم، لأن كل فرد منا يجب أن يفكر بالهدف قبل أن يقوم بأي عمل، ويسأل نفسه لماذا أعمل هذا العمل؟ حتى وإن كان عملنا هو الذهاب إلى المتجر، لماذا أذهب؟ فربما تكون الدنيا هي الهدف، أي جمع المال لأجل المال، ومرة أخرى ربما من أجل الإنفاق على العائلة من المال الحلال، فقد أمرني الله تعالى أن أنفق على عائلتي من الحلال، وامتثالاً لأمره سبحانه أقوم بهذا العمل، فإذا كان الباعث أو الدافع هو الإنفاق على عائلتي فعلاً، فهو باعث ودافع إلهي.

وحين يتزوج الشاب ربما تكون الشهوة هي الهدف، وربما ليمنع نفسه عن الحرام، وقد يفكّر بهذا الجانب ويقول لنفسه: أتزوج حتى لا أقع في الحرام أو في ما يسخط الله، مثل هذا الباعث يكون باعثاً إلهيّاً، ويكون في هذا العمل أجر وثواب عند الله.

إن الله سبحانه يقول: إذا أنت بذلت المال وأطعمت الفقراء، من أجل الذكر والسمعة، (ويبقى من المال الأحاديثُ والذكر) إذن بقي لك الذكر لأنك أكرمت وعملت من أجل بقاء الذكر وقد نلته، فأنت لا تطلبني شيئاً.

الدافع الثاني: وهو أن يعمل الإنسان للآخرة، وللجنة، ولتحاشي النار والفرار منها، فنحن عندما نستيقظ لأداء صلاة الصبح ربما نفكر لحظة ثم ننام ولا نستيقظ، إن في هذا السلوك عقوبة، يقول أحد العلماء كلاماً جميلاً: إن أغلب الأعمال التي نعملها هي أعمال عبادية، إما طلباً للجنة أو فراراً من النار، ويقول هذا العالم: إن الدليل على ذلك هو قيامنا لصلاة الصبح لأن في تركها النار، أما تركنا لصلاة الليل فلا يقودنا إلى النار ولذلك غالباً لا نصليها، إذن في الواقع، إن الباعث والمحرّك هو الخوف من النار والطمع في الجنة.

فما هو رأيكم في هذا الباعث؟ وهو أن يعمل الإنسان طمعاً بالجنة كما نعمل غالباً، أو يعمل خوفاً من النار كأن لا ينظر إلى الأجنبية لأن هذه النظرة تتسبب عقوبة، وقبل أن تبيّنوا رأيكم يجب أن نستمع إلى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) حيث يقول: (إن هذه العبادة هي عبادة التجار وتلك عبادة العبيد)(1).

بطبيعة الحال يجب أن نعمل خوفاً من النار وطمعاً في الجنة، ولكن هذه عبادة التجار والعبيد، فالعبد يخيفه مولاه بالعصا فيعمل، فهذه عبادة العبيد، ويطمعه بالراتب فيعمل، وهذه عبادة التجار، يروي أحد الأخوة حالة مجرّبة، ويقول: إذا كان هناك ألم ما في بدن الإنسان يسجد سجدتين بعد انتهاء صلاة المغرب أو العشاء ويقول: شكراً لله، في السجدة أولى والثانية، ثم يضع يده على موضع سجوده ويمسح على مكان الألم، فسوف يبرأ الألم كما في الرواية بإذن الله، أحد الأخوة أدلى بملاحظة ظريفة حين قال: أنا عندما أسجد سجدتين أخجل من الله تعالى، لأن هذا يشبه معاملة أو نوع من التجارة معه سبحانه، لذلك فأنا أسجد سجدتين وأمسح موضع الألم فيخف، ثم أسجد سجدة ثالثة لله تعالى إضافة لسجدتَي الشفاء من المرض.

أحياناً نذهب إلى الحرم بسبب ابتلائنا بمشكلة ما، فالإنسان يذهب إلى إحدى المراقد المقدسة يتضرّع ويبكي لاستجابة دعائه، وهذا العمل جيد لكن يجب على الإنسان أن يكون دائماً في حالة ارتفاع وتصاعد في إيمانه، (وإن قوماً عبدوا الله تعالى لأنه أهلٌ للعبادة) أي عبدوا الله لذاته وليس لشيء آخر.

ربما يذهب الشخص لمرقد طاهر ليس لقضاء الحوائج، وإنما لأن صاحب المرقد جدير بالاحترام والإعظام، نعم إذا كان الإنسان يعاني من مشكلة فيتضرّع إلى الله ويدعوه سبحانه لحلها فهذا جيد، إن الله تعالى يقول: (فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرّعُواْ) (2) ولكن هنالك مرتبة أعلى وهي أن يدعو الإنسان ويتضرّع ويقرأ دعاء كميل ويبكي ليس بسبب ضغط الحاجة بل يدفعه إيمانه لأن الله تعالى أهلٌ لذلك.

تضحية الإمام الحسين (عليه السلام)

لماذا ضحى الإمام الحسين (عليه السلام) هذه التضحية العظيمة؟ هل طمعاً بالجنة؟ كلا، نعم إن الإمام (عليه السلام) كان يحب الجنة، وكلنا نحبها، إنما (بَذَلَ مُهَجَتَهُ فِيكَ) بمعنى لأجلك يا إلهي تعاليت، فالحسين ابن أمير المؤمنين (عليهما السلام) يقول: (ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك)(3).

في إحدى المرات أوردت مثالاً عن هذا الأمر، فربما يذهب أحدهم إلى أبيه يزوره يقبّل يده، لماذا؟ من أجل أن يحصل على نقود، فهذا باعث زيارة الابن لأبيه، وآخر يذهب لأبيه لأن له حقٌ في ذمته، ويقبل يده لأنه أهلٌ لتقبيل اليد، أو يقبّل جبهته لأنه أهلٌ لذلك، فشتان ما بين الباعث الأول والباعث الثاني، مثال قريب أيضا عندما نزور شخصاً مّا هل نفعل ذلك احتراماً له أم طمعاً بأمواله؟ النبي شُعيب (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) بكى، ونحن نبكي أيضا لكن متى؟ عندما تكون لدينا مشكلة، الله تعالى قال لشعيب (عليه السلام): لماذا تبكي؟ فبكى واستمر في البكاء حتى ابيضّت عيناه، وقال: يا الهي لا حاجة لي عندك بل حُباً بك(4)، يقرأ الخطباء هذا الشعر في مخاطبة سيد الشهداء (عليه السلام):

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة.....لكنما عيني لأجلك باكية (5)

إنني لا أبكي من أجل حل مشكلتي، بل لله تعالى، ولسيد الشهداء (عليه السلام) (وبذل مهجته فيك)، و(في) تأتي باللغة العربية بمعنى التعليل وبمعنى اللام كما يقوله ابن مالك في الألفية. فقبل النوم يمكنكم أن تصلّوا ركعتين لا لحاجةٍ ما؟ بل لله عزوجل لأنه أهلٌ للعبادة، فحين يدعو الإنسان ربّه ويصلي إعظاماً لمقام الله تعالى من دون حاجة أو مشكلة مّا، فإن لهذا العمل قيمة كبيرة عنده سبحانه.

المبحث الثاني: (ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة)

إن هذا الاستنقاذ له مجالان:

المجال الأول: الاستنقاذ في الإطار الخاص

إن نهضة الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) من أفضل وسائل استنقاذ العباد، ونعني بالاستنقاذ في الإطار الخاص، هو إنقاذ أولادنا وبناتنا، فكيف يتم ذلك؟

إنَّ نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) هي أفضل وسيلة لإنقاذ أولادنا وبناتنا من أخطار العصر الراهن، وكذلك المجالس والشعائر التي ترتبط بسيد الشهداء (عليه السلام).. إن السجون والمعتقلات كثيرة وفيها كثير من الشباب بسبب الانحرافات وتأثير أجواء العصر، ولكن إذا وضعنا أولادنا وبناتنا، عوائلنا وأنفسنا في أجواء سيد الشهداء (عليه السلام) فهذا يشكل ضمانة لنجاتنا وضمانة لإنقاذ أولادنا، لكن إذا لم نهتم بهذا الأمر، فإن الابن ربما سينحرف ويشكل خطراً على أبيه وعلى العائلة.

حدثت هذه القضية في أحد البلدان العربية، رجل ما كان لديه مالٌ في البنك ــ والحقيقة أن هذه القضية، لا تخص الرجل وحده بل هي قضيتنا ــ ذهب إلى البنك وسحب ذلك المال، وفي الليل وهو نائم في الغرفة وإذا برجلين ملثمين يدخلان عليه ومعهما بندقية رشاشة، قالوا له: سلّم المال أو نقتلك الآن، وكان مبلغاً ضخماً، فاحتار الرجل ماذا يفعل، فكّر لحظة وقال لهما: حسناً المال موجود في هذه الغرفة، وسأجلبه لكما الآن.

ذهب إلى الغرفة الثانية وكان فيها بندقية رشاشة أو شيء من هذا القبيل، حمله وجاء إلى الغرفة من الباب الثاني، وقتل هذين الرجلين المهاجمين، ثم أماط اللثام عن وجهيهما، أتعلمون من كان هذان الرجلان؟ لقد كان أحدهما ابنه والثاني ابن أخيه أو أحد أقربائه! فالابن قد ينهب أباه وقد يقتل أباه، فإذا لم يهتم الآباء والأمهات بهذا الجانب سيشكل هذا الجيل الجديد خطراً عليهم.

إن الأفراد الذين عاشوا مع سيد الشهداء (عليه السلام) ونموا في مجالس سيد الشهداء (عليه السلام) والذين يلطمون صدورهم على سيد الشهداء (عليه السلام) ويشتركون في المواكب، كل هذه الأعمال هي ضمانة لنجاتهم وإنقاذهم حتى لو كان عندهم بعض (اللّمَم)(6) كما جاء في القرآن الكريم، لكن بالنتيجة سيسحبهم سيد الشهداء (عليه السلام) إلى الله تعالى، وهنالك ملايين الأفراد اهتدوا ببركة سيد الشهداء (صلوات الله عليه).

المجال الثاني: الاستنقاذ في الإطار العام

في الحقيقة إذا كنا نعرف قيمة سيد الشهداء (عليه السلام) لأنقذنا العالم، فالعبارة تقول (بَذَلَ مُهَجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ) يستنقذ من؟ (عِبَادَكَ) بمعنى جميع العباد، إن القوة الموجودة في نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) بإمكانها أن تُنقذ جميع العباد وجميع البلاد.

كان أحد العلماء في العراق يعيش في كربلاء المقدسة، وقد فكّر كيف يُنقذ الأفراد المبتعدين عن أهل البيت (عليهم السلام) ــ وما ترونه الآن من تشيع في العراق هو نتيجة جهود هذا العالم وأمثاله ــ وكيف يجذبهم إلى خط أهل البيت (عليه السلام)؟ وما هي الطريقة الناجحة؟ ورأى أن أفضل طريقة ووسيلة هو سيد الشهداء (عليه السلام) ونهضته، وأن البطولات الموجودة في قضايا سيد الشهداء (عليه السلام) فيها جاذبية عجيبة.

يقول أحد الغربيين، وقد لاحظ موقف الحر الرياحي: (لقد قرأت تاريخ الحروب المدوّنة كلها، من بدايتها إلى نهايتها، ولم أجد في تاريخ الحروب موقفاً لواحد من القادة على طول التاريخ يشبه موقف الحر الرياحي)، فهنا لدينا قائد في موقع قوة من الناحية الظاهرية وآخر في موقف ضعف من الناحية الظاهرية أيضاً، يأتي القائد صاحب الموقع القوي ويضحي بمكانته ومنصبه علماً أنه يعرف بأن مصيره القتل، إن تاريخ الحروب البشرية كلها ليس فيه موقفٌ كموقف الحر قطعاً؛ ذلك ما قاله الرجل الغربي عن أحد المواقف العظيمة في قضية كربلاء المشحونة بالبطولات العظيمة، فالرجال والنساء والأطفال والعبيد والشيوخ والشباب هم تشكيلة عجيبة تضمها هذه القضية، وذلك العالِم كان يذكر بطولات عاشوراء ومفاخرها ومآثرها الخالدة فاستطاع في حياته أن يُوفّق بإدخال مائة ألف إنسان في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في العراق. وفي بلد آخر، كان الموالون لأهل البيت (عليهم السلام) في السابق حوالي عشرة ملايين، وببركة المجالس والشعائر ــ كما نقل بعض العلماء الذين يعيشون في ذلك البلد ــ اهتدى إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) عشرون مليون إنسان منذ حوالي خمسين عاماً، والآن أصبح الذين اهتدوا لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) هناك حوالي ثلاثين مليون إنسان.

ولذلك فقد اجتمع الآخرون وفكّر علماؤهم، ماذا نفعل أمام هذه الظاهرة؟ وخططوا للوقوف بوجه هذا المدّ، لأنهم أدركوا أنه إذا استمر هذا التيار على وتيرته المتصاعدة فإن كل ذلك البلد سيتحول إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) نعم هذه هي القوة والجاذبية الموجودة في نهضة سيد الشهداء (عليه السلام).

رصيد في بنك الإمام الحسين (عليه السلام)

إذن ينبغي علينا أن نساهم في قضية أهل البيت (عليهم السلام) بقدر إمكاننا قبل أن نندم؛ وهذه حادثة منقولة في التاريخ عن رجل يقال له (فرهاد) وهو من أعيان إيران في ذلك الحين، فقد اجتمع الأعيان والأشراف في إحدى المرات ليتحدث كل منهم عما يملكه، قال أحدهم، أنا أدَّخر في البنك كذا من المال، وقال الثاني أنا املك كذا من الأراضي، لكن هذا الرجل (فرهاد) كان ساكتاً، فقالوا له: لماذا لا تتكلم؟ قل ما عندك! وألحّوا عليه، فقال لهم: إنكم ذكرتم ما عندكم في البنوك الأجنبية، أما أنا فأملك شيئين، الأول كتاب (القمقام)(7) احتفظ به في (بنك سيد الشهداء (عليه السلام))، والشيء الثاني: هو بنائي الصحن الشريف للإمام الكاظم (عليه السلام) واحتفظ به في بنكه!

هذان الشيئان هما ما يملك ذلك الرجل، أما أولئك الأعيان فقد ذهبت أموالهم وأرصدتهم، وحين ما مات فرهاد، ذهبت أمواله معه أيضا، لكن بقي له رصيدان هما: كتاب (القمقام) في بنك سيد الشهداء (عليه السلام) وصحن الإمام الكاظم (عليه السلام) في بنك الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وهكذا نحن فبعد أيام نموت جميعاً، وكل هذه الأشياء تذهب أيضاً ولا تبقى لنا إلاّ أعمالنا الطيبة.

نقل لي أحد الأخوة قبل أيام: أن مؤمناً رأى والدي (رحمه الله) في عالم الرؤيا، فقال له الوالد هذه الكلمة: (قل لأولادي وأحبائي لاينفعهم في عالم القبر إلاّ الحسين صلوات الله عليه) وقد كرّر هذه الكلمة مرة ثانية.

وهناك منام نظير لهذا المنام للعلامة الحلي (رحمة الله عليه) فقد رآه أحدهم في عالم الرؤيا وقال له: شيئان، أحدهما كتاب (الألفين) وهو كتاب في الدفاع عن إمامة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) والشيء الثاني زيارة الحسين (عليه السلام)، هذان الشيئان نفعاني أكبر النفع في الآخرة.

إن هذه الأشياء المادية تنتهي كلها، وبعد أيام سنتحول إلى اسم على شاهدة قبر، وهذا الوجود الحي المتحرك النابض بالحيوية يتحول إلى اسم (فلان...) وانتهى الأمر، (اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل)(8) فهذه الأعمال والدموع والمجالس والشعائر هي الشفيع في القبر، وإذا تمكن الإنسان أن يبني حسينية ستكون من الباقيات الصالحات له، فهذه الحسينية باقية وإذا توفي الإنسان المؤمن فستبقى ذخراً له، ومن الأفضل أن يحاول الإنسان إبقاء شيء وراءه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا من هذا الفيض العظيم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

* من محاضرات آية الله السيد محمد رضا الشيرازي، التي طبعت في كتاب تحت عنوان: الإمام الحسين عظمة إلهية وعطاء بلا حدود

....................................
(1) نهج البلاغة: باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام، الرقم 237. قال الإمام علي (عليه السلام): (إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ شُكْراً، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأحْرَارِ).
(2) سورة الأنعام: 43.
(3) روض الجنان: ص27.
(4) راجع: علل الشرائع: ج1 ص57.
(5) البيت من قصيدة للشيخ عبد الحسين الأعسم، المتوفى سنة 1247هـ، وكان عالماً فقيهاً ومحققاً واديباً وشاعراً.
(6) سورة النجم: 32 (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش الا اللمم)الآية.
(7) كتاب في المقتل الحسيني، من تاليف العلامة الفاضل الأديب فرهاد ميرزا.
(8) نهج البلاغة: ج1 ص93 من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام).

انقر لاضافة تعليق
رضاالله غايتي
العراق
اللهم صل على. محمدوآل محمد
بوركتم ويسددخطاكم الله بحق محمدوآل محمد2019-04-30

مواضيع ذات صلة

2