فإذا رفض الإنسان الإيمان بـ (المبدأ) و(المعاد) وتصوّر أنّ الإنسان كائن عشوائي نبت من الأرض عن طريق الصدفة، وسيعود إلى الأرض ليبقى فيها ويتلاشى تحت أطباقها، وأنه ليس هنالك حساب ولا كتاب، ولا جنّة ولا نار، فسوف تتغيّر نظرته إلى كل شيء. عندئذ: سوف يكون من السفاهة التقيّد بالحدود...
الآية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ)(1)
المفردات
(السُّفَهَاءَ): السفه خفّة العقل، وقلّة التمييز بين الخير والشر والنفع والضرر.
الإعراب
(ما) في قوله تعالى (كَمَا آمَنَ النَّاسُ) مصدرية، تُؤوَّل مع صلتها بالمصدر، أي: (آمنوا كإيمان الناس) بمعنى آمنوا إيماناً مشابهاً لإيمانهم.
و(الهمزة) في قوله تعالى (أَنُؤْمِنُ) للاستفهام الإنكاري.
و(إلاّ) حرف يدلّ على التنبيه(2).
التفسير
للمنافقين سلوك معيّن، يتميّز عن سلوك عامّة المؤمنين، وهذا التميّز ربما كان يلفت انتباه المؤمنين، فكانوا يتوجّهون إلى المنافقين قائلين:
(آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) ودعوا النفاق جانباً وذوبوا في هذا البحر الخضم، ولتكن صبغتكم صبغة الله (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً).
ولكنّ هذا (السلوك المتميّز) للمنافقين كان ينبعث من (نظرة متميزة)، إنهم يعتبرون المؤمنين الحقيقيين (سفهاء) ويعتبرون عمل المؤمنين الحقيقيين (عملاً سفهياً) بينما يتصوّرون أنفسهم (راشدين) وعملهم (عملاً رشدياً).
لذا ترى المنافقين يقولون مستنكرين في مواجهة منطق المؤمنين ـ عندما يأمنون عواقب التصريح: (أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ)! ولكن لماذا؟.
رؤية متميّزة
في الجواب نقول: لعلّ هذه النظرة المتعالية إلى المؤمنين الحقيقيين تنبع من نوعية نظرة المنافقين إلى الكون والحياة ككل. وأساساً وقبل كلّ شيء لا بدّ أن نقول:
إنّ (النظرة التجزيئية) للأُمور ربما تجعل تقييم الإنسان للأُمور يختلف بشكل جذري عمّا لو كانت نظرته (نظرة شمولية).
وهذا لا يختصّ بشأنٍ معيّن، بل يعمُّ كلّ الشؤون، سواء ما يتعلّق منها بالدنيا، أو ما يتعلّق منها بالآخرة.
فربما تكون الأتعاب التي يبذلها الطالب في استيعاب الدروس وحفظ المواد عملاً سفهياً لو كانت النظرة نظرة تجزيئية. فلماذا يترك الطالب اللّهو واللعب ويجهد نفسه في الدراسة إذا كانت النظرة متمركزة على اللّحظة الحاضرة؟.
أمّا عندما تتوسّع آفاق نظرة الإنسان ليستشرف الغد، وليرى أنّ هذا الجهد سوف يؤمِّن له حياة هانئة في المستقبل، فإنّ هذا الجهد سوف يبدو عملاً حكيماً لا بدّ منه، ويكون اللّهو واللّعب هو السفاهة بعينها. وهذا بالضبط ما يصدق في ما يتعلق بـ(دائرة الغيب).
فإذا رفض الإنسان الإيمان بـ (المبدأ) و(المعاد) وتصوّر أنّ الإنسان كائن عشوائي نبت من الأرض عن طريق الصدفة، وسيعود إلى الأرض ليبقى فيها ويتلاشى تحت أطباقها، وأنه ليس هنالك حساب ولا كتاب، ولا جنّة ولا نار، فسوف تتغيّر نظرته إلى كل شيء.
عندئذ: سوف يكون من السفاهة: التقيّد بالحدود الدينية. والحيلولة دون الانطلاقة المسعورة للشهوات؛ إذ ما دامت الدنيا هي المحطة الأخيرة في مسيرة الإنسان، فلماذا لا ينتهز هذه الفرصة لِيعُبَّ من الشهوات الماجنة، وليكرس مصالحه الشخصية في الحياة، ولو جاء ذلك على حساب الآخرين، وعلى حساب صدقه ونزاهته واستقامته في الحياة؟
عندئذ: سوف يكون (الإنفاق) تبذيراً. و(الجهاد) تهلكة. و(الشجاعة) تهوُّراً. و(الجبن) حكمة.
عندئذ: تتحول جميع الفضائل الإنسانية إلى نوع من أنواع السفاهة وضعف العقل وقلّة الفهم.
ومن خلال هذا المنظار: سيكون المؤمنون سفهاء، وستكون كلُّ أعمالهم (أعمالاً سفهية). ولكنّ هذا هو ما تمليه النظرة القريبة المدى.
أمّا عندما تكون النظرة بعيدة المدى، وعندما يخرق الإنسان ـ ببصيرته ـ حجب المادة لينفذ إلى أعماق هذا الوجود.
عندما يبصر الإنسان ـ بعين القلب ـ ربّه، ويراه قبل كل شيء، ومع كلّ شيء، وبعد كل شيء.
عندما يمعن النظر فيرى أنّ هذه الدنيا ليست هي المحّطة الأخيرة، وإنّما هي محّطة في الطريق وأنّ هذه الدنيا هي فرصة للتكامل والإعداد لعالم أسمى وأرفع وأنّ الدنيا مزرعة الآخرة، وأنّها سوق ربح فيها قوم وخسر فيها آخرون.
عندئذ: تنجلي الحقيقة، ويتبيّن أنّ (السفهاء) ليسوا إلاّ أُولئك المحدودي النظر الذين خسروا الحياة الأبدية من أجل إرواء شهوات عابرة.
بل وخسروا حياتهم الدنيا ـ أيضاً ـ حين فقدوا الملاذ الحصين الذي يلجأ إليه المؤمنون وهو الله تعالى..
عندئذ: تنكشف حقيقة المنافقين (الحكماء)! ويتبّين: (إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) .
ولكن أنى لمن في قلبه مرض، وفي آذانه وقر، وعلى عينيه غشاوة، أن يتبّين الحقيقة، ومن هنا يعقّب القرآن الكريم على ذلك بقوله: (وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ) .
قال السبزواري (رحمه الله): وفي قوله تعالى: (لاَ يَعْلَمُونَ) تنبيه على أنهم متوغّلون في الجهالة، وتأكيد على نفي الإدراك عنهم بجميع أنواعه: من (نفي الشعور) و(نفي العلم) و(نفي الفقه)(3)، فتأمّل.
هذا، وقال في (الكشاف): «فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية بـ(يعلمون) والتي قبلها بـ(لا يشعرون)؟
قلت: لأنّ أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال، حتى يكتسب الناظر المعرفة. وأمّا النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض، فأمر دنيوي مبنّي على العادات معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب في جاهليتهم، وما كان قائماً بينهم من التغاور والتناحر، والتجاذب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد»،(4) فتأمّل.
ثم لا يخفى أن عدم العلم لا يكون عذراً لهؤلاء؛ إذ إنهم وصلوا إلى هذه النهاية الأليمة بسوء اختيارهم، فلا عذر لهم أمام الله، بل لله عليهم الحجّة البالغة(5).
كيف ينظرون إلى المؤمنين؟
1 ـ في تفسير علي بن إبراهيم ـ في حديث طويل حول حرب بدر ـ : وكانت فئة من قريش اسلموا بمكّة فاحتبسهم آباؤهم، فخرجوا مع قريش إلى (بدر) وهم على الشكّ والارتياب والنِّفاق، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكهة، والحارث بن ربيعة، وعليّ بن أُميّة بن خلف، والعاص بن المنبّه، فلمّا نظروا إلى قلّة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: مساكين هؤلاء، غرّهم دينهم، فيقتلون الساعة، فأنزل الله عزَّ وجلّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمًْ) (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(6)(7).
2 ـ نُقل أنّ عبيد الله بن زياد كان قد بعث عمر بن سعد قائداً لأربعة آلاف جندي إلى (دستبي) ـ وهي تقارب التسعين قرية بين همدان وقزوين ـ ، وكانت (الديلم) قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، وكتب ابن زياد له عهده على (الريّ).
فعسكر بالناس في (حمام أعين).
فلمّا كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان، دعا (ابن زياد): (عمر بن سعد) وقال له: سر إلى الحسين، فإذا فرغنا بيننا وبينه، سرت إلى عملك. فاستعفاه.
فقال ابن زياد: نعم، على أن ترّد عهدنا!
فلمّا قال له ذلك، قال ابن سعد: أمهلني اليوم حتّى انظر! فأمهله.
فاستشار ابن سعد نصحاءه فكلُّهم نهاه.
وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أُخته، فقال: أنشدك الله يا خالي أن لا تسير إلى الحسين (عليه السلام) فتأثم وتقطع رحمك، فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض ـ لو كان ذلك لك ـ خير من أن تلقى الله بدم الحسين (عليه السلام).
فقال: أفعل.
وبات ابن سعد ليلته مفكّراً في أمره، فسُمِعَ وهو يقول وينشد:
فوالله ما أدري وإنّي لحائر --- اُفكّر في أمري على خطرين
أأترك مُلكَ الريّ والريُّ منيتي --- أم أرجع مأثوماً بقتل حسين؟
حسين ابن عمي والحوادث جمّة --- لعمري ولي في (الريّ) قرَّة عينِ
ألا إنّما الدنيا بخير معجَّل --- فما عاقل باع الوجود بدين!
وإنّ إله العرش يغفر زلّتي --- ولو كنت فيها أظلم الثقلين
يقولون إنّ الله خالق جنّةٍ --- ونارٍ وتعذيبٍ وغَلِّ يدين!
فإنْ صدقوا فيما يقولون إنّني --- أتوبُ إلى الرحمن من سنتينِ!
وإنْ كذبوا فزنا بدنيا عظيمة --- وملك عقيم دائم الحجلين(8)
وجاء في قضية مطوّلة نقلها الشيخ المفيد (رحمه الله): إنّ أحد الصحابة ـ وكان ممّن يظهر الإيمان ويبطن الكفر ـ قال في شعر له:
ذرينا نصطبح يا أُمّ بكرٍ --- فإنّ الموتَ نقّب عن هُشامِ
ونقّب عن أبيكِ وكان قَرما --- من الأبطال شرّاب المُدام
أيوعِدُنا ابن كبشة(9) أنْ سنحيا --- وكيف حياة أشلاء وَهامِ؟
أيعجز أن يكفّ الموتَ عنّي --- ويحييني إذا بَلِيتْ عظامي!
خلا أنّ الحكيم(10) رأى حميرا --- فألجمها فتاهت في اللِّجام!
أما يكفيه جمع المال حتّى --- بلانا بالصلاة وبالصيام!
فهل من بلّغ الرحمن عنّي --- بأنِّي تاركٌ فرضَ الصِّيامِ
فقل لله يمنعني شرابي --- وقل لله يمنعني طعامي!(11)
تذنيب
الألف واللاّم في قوله تعالى: (كَمَا آمَنَ النَّاسُ) فيها وجهان:
إحداهما: أن تكون للعهد ـ أي كما آمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن معه.
وقد كان المنافقون شكّلوا جبهة في مقابل الجبهة الإيمانية، وكانوا يخطّطون بشكل مستمر للقضاء عليها، فكان لها حضور دائم في أذهانهم، وبهذا الاعتبار صحّ العهد؛ إذ إنه يحتاج إلى الحضور الذهني أو ما يشابهه.
أو هم ناس معهودون كعبد الله بن سلاّم وأشياعه، فإنّهم كانوا من أبناء جنسهم، وكانوا أصحابهم، وقد غاظهم إيمانهم، فهم حاضرون في أذهانهم، وبهذا الاعتبار صحّ العهد أيضاً مضافاً إلى الاعتبار السابق.
ثانيهما: أن تكون للجنس:
1 ـ إمّا بتقرير: أنّ أكثر الأوس والخزرج كانوا مسلمين. وهؤلاء المنافقون كانوا أقليّة بينهم، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر.
2 ـ أو بتقرير: أنّ المؤمنين هم (الناس) في الحقيقة، لأنّ ميزة الإنسان على غيره من الحيوانات بالرشد العقلي، والقدرة على التمييز بين الحقّ والباطل، وقد أُوتي المؤمنون ذلك بينما فقده المنافقون، فهم إذاً قاصرون عن مرتبة الإنسانية فلا يستحقونّ إدراجهم في إطار (الناس) فتأمّل(12).
روايات في المقام
1 ـ عن الإمام الكاظم (عليه السلام) ـ في حديث ـ في قوله تعالى (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) ، (قالوا في الجواب لمن يفضون إليه لا هؤلاء المؤمنين؛ لأنّهم لا يجسرون على مكاشفتهم بهذا الجواب، ولكنّهم يذكرون لمن يفضون إليه من أهليهم الّذين يثقون بهم، يقولون لهم: أنؤمن كما آمن السفهاء، يعنون سلمان وأصحابه)(13).
2 ـ وفي الحديث نفسه في تفسير كلمة (السفهاء) قال (عليه السلام): (قال عزَّ وجلّ (أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ)(14) الإخفّاء العقول والآراء الذين لم ينظروا في أمر محمد (صلى الله عليه وآله) حقّ النظر..).
اضف تعليق