ما بال خفافيش الظلام وديدان الرذيلة وثقوب النفاق النتنة تدندن وتنقنق في عتمة انحرافها المريض عن الحق والإنسانية.. وفي أنفاق مؤامراتها ضد الإسلام وال بيت النبوة تحيك شباك أوهامها في تخبط ممسوس وعبثية متفجرة حقدا على كل ما هو طاهر وصالح..؟!

ترى بأي غربال تريد أن تحجب ضوء الشمس؟!

كيف والشمس التي تتوهم حجبها هي نور الله؟!

كيف وهذا النور الإلهي هو شهادة الحسين عليه السلام.. هو ثورة الحسين عليه السلام..؟!

ويصور رب العزة حالهم بقوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) التوبة -32.

ترى ماذا عرفوا عن الحسين حتى يفهموا العلاقة به...

ماذا عرفوا عمن انتسبت اليه النبوة الخاتمة في على لسان رسولها الكريم (حسين مني وأنا من حسين)..

ماذا فهموا من شهادة ما تزل قبلة للثائرين وكعبة للأحرار..؟!

هو الحسين ذاك فتزودا إيمانا.. طهرا.. عشقا.. صلاة.. ثورة.. صمودا.. أباءا.. خلودا.. سموا..

نور لا يحجبه سوى عماء البصيرة، وينبوعا خالدا يروي كل وارديه..

هل قرأوا قصص التاريخ المعلنة عمن زار كربلاء ليتزود من الحسين (ع) ثباتا – أباءا –قوة –تضحية –بطولة....

لسنا في معرض أن نعيد سرد التاريخ، ولا نحن بحاجة لإثبات ذلك، لان الحسين (ع) ما يزل يلهمنا ويلهم الإنسانية جمعاء عطاؤه القدسي...

زيارة الأربعين:

من الذي يستطيع ان يوقف مسيرتك الخالدة يا زيارة الاربعين؟!

الأمويون قتلوا شردوا نهبوا اغتصبوا احرقوا على حب الحسين.. على ذكر الحسين.. على المرور بكربلاء..

يكتب معاوية السفياني الى قضاته وولاته في الأمصار أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي (ع) الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقب شهادة وبذلك حكم عليهم بعزلة اجتماعية تذكرنا بمقاطعة أهل مكة للمسلمين في شعب أبي طالب. ثم كتب أيضا: انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا(ع) وأهل بيته فامحوه من الديوان.

نعم فالحب جريمة ومودة أهل البيت هي ركن إسلامي متين فرضه الله سبحانه في قوله تعالى: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور [الشورى 23])، ثم يكتب معاوية كتابا آخر: من اتهمتموه ولم تقم عليه بينة فاقتلوه.(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج10 ص45).

وصنو هذه الجرائم الوحشية ما تقوم به السلطات الدكتاتورية من حملات قمع للأطفال والنساء والشيوخ والشباب وتعذيبهم في السجون وقتلهم دون جرم أو جريرة إلا إنهم أبوا أن يسيروا على نهج المشركين ومن ورثهم من سلاطين الجريمة وطواغيت الشر والرذيلة.

ويصور لنا الإمام الباقر عليه السلام تلك المحنة بقوله: قتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره.

وجاء العباسيون وفعلوا ما تقشعر له الابدان وتنكره الانسانية من اضطهاد ال بيت النبوة وتعذيب محبيهم ولم يفوق الطرفين الا الايوبيين ولم يفوقهم الا تنظيم القاعدة..

لم يمر عهد على زوار مسيرة الاربعين الا وكانت الحواجز والموانع والقتل والمطاردة والارهاب..

مسيرة الاربعين هي تتمة حقيقية معاشة ليوم عاشوراء يوم حاصرت فيالق ابو جهل وابي سفيان الامام الحسين عليه السلام سبط الرسول وامتداده الروحي والرسالي..

وتطاول الشر بكل طغيانه وظلمه وجرائمه ووحشيته.

ووقف الحسين(ع) بدمه سدا منيعا للحفاظ على دين محمد ورسالته..

في يوم طويل من الشهادة والفداء والإباء،

سار بخطى مطمئنة ينثر دمه في ارض الخلود وهو يقول:

(أما والله لا أجيبهم الى شيء مما يريدون حتى ألقى الله تعالى وأنا مخضب بدمي..).

وفي ذلك اليوم كان كل من يريد ان يتوجه الى ميدان المعركة يقترب من الحسين.. يتزود منه ويكون اخر العهد به.. ومنذ ذلك اليوم والحسين مكمن قوتنا وصمودنا ومواقفنا..

التفاتة تاريخية:

عندما وصل جابر إلى كربلاء، في يوم العشرين من صفر، وكان أول زائر من زوار الأربعين، اغتسل بماء الفرات، ثم توجّه إلى قبر الإمام الحسين عليه السلام برفقة عطيّة العوفيّ، فأجهش بالبكاء، ثمّ صاح بصوت عالٍ ثلاث مرّات: يا حُسين، يا حُسين، يا حُسين....

ثمّ قال: حَبيبٌ لا يُجيبُ حَبيبَهُ وأَنّى لَكَ بِالجَوابِ وَقَدْ شُطِحَتْ أَوْداجُكَ عَلى أَنْباجكَ، وَفُرِقَّ بَيْنَ رَأْسِكَ وَبَدَنِكَ، فَأَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ النَّبِيِّينَ وَابْنُ سَيِّدِ الْمُؤْمِنِينَ وَابْنُ حَلِيفِ التَّقْوَى وَسَلِيلِ الْهُدَى وَخَامِسُ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ وَابْنُ سَيِّدِ النُّقَبَاءِ وَابْنُ فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ وَما لَكَ ما تَكونُ كَذَلِكَ وَقَدْ غَذَّتْكَ كَفُّ سَيِّدِ الـمُرْسَلين، وَرُبّيتَ في حجْرِ الـمُتَّقين، وَرَضعْتَ مِنْ ثَدْي الإيمانِ وَفُطِمْتَ بِالإِسْلامِ، فَطبْتَ حَيّاً وَطبْتَ مَيتاً غَيْرَ أَنَّ قُلوبَ الـمُؤْمِنينَ غَيْرُ طَيِّبَةٍ بِفِراقِكَ وَلا شاكَة في الخيرةِ لَكَ، فَعَلَيْكَ سَلامُ اللهِ وَرِضْوانُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ أَخوكَ الـمُجْتَبى ثمّ جال ببصره حول القبر، وقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَيَّتُها الأَرْواح التي حَلَّتْ بِفناءِ الحُسَيْنِ وَأَناخَتْ بِرَحْلِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزّكاةَ، وَأَمَرْتُمْ بِالـمَعْروفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الـمُنْكَرِ وَجاهَدْتُمُ الـمُلْحِدينَ، وَعَبَدْتُمُ اللهَ حَتّى أَتاكُمُ اليَقينُ، وَالذي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالحَقِّ نَبِيَّاً، لَقَدْ شارَكْناكُمْ فيما دَخَلْتُمْ فيهِ).

فقال له رفيق دربه عطيّة العوفي كيف؟ ولم نهبط وادياً ولم نعلُ جبلاً ولم نضرب بسيف والقوم قد فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم وأؤتمت أولادهم وأرملت الأزواج؟

فقال له جابر: (إِنّي سَمِعْتُ حَبيبي رَسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ يَقولُ: «مَنْ أَحَبَّ قَوْماً كانَ مَعَهُمْ وَمَنْ أَحَبَّ عَمَلَ قَوْمٍ أُشْرِكَ في عملهم» والذي بعث محمّداً بالحقِّ نَبِيّاً إِنَّ نِيَّتي وَنِيَّةَ أَصْحابي على ما مَضى عَلَيْهِ الحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَصْحابُهُ.

يلخص لنا الصحابي الجليل جابر الأنصاري معاني مسيرة الأربعين بأعمال الزيارة والتي تدل على المعاني الآتية:

أولا: إن من أهم آداب زيارة الأربعين التطهير الروحي من النجاسات النفسية والتطهير البدني من النجاسات المادية.

ثانيا: المشاركة العاطفية لآل البيت بماسي عاشوراء وما تبعها من أحداث وفواجع.

ثالثا: الاعتقاد الصادق بالإمامة ودورها الإلهي في حياة الفرد والمجتمع.

رابعا: الوعي بنهضة الإمام الحسين (ع) وثورته ضد الظالمين لأمة جده والمحرفين لرسالة النبوة الخاتمة.

خامسا: الشهادة القلبية واللفظية بذلك.

سادسا: الاعتقاد الصادق بالانتماء لثورة الحسين ومسيرته من خلال الولاء لمبادئ ثورته والبراءة من أعدائه الماضين والمعاصرين.

* مقال نشر في شبكة النبأ المعلوماتية- 9/كانون الثاني/2012 - 15/صفر/1433

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2