ملفات - مجلة النبأ

اللغة مرآة الفرد والأمة

بقلم: د. قاسم صالح النعواشي

اللغة هي وعاء الفكر والنفس والعاطفة، وهي وسيلتنا لإدراك العالم من حولنا، والأداة التي نجسد بها المجرد في هيئة المحسوس، ونحول بها المحسوس إلى مجرد. أو كما عبر عن ذلك ابن خلدون في مقدمته؛ إذ أشار إلى أن اللغة هي الوسيلة التي تترجم ما في ضمائرنا من معان. ومن الناحية الشخصية، فإن اللغة هي عنوان القيمة الاجتماعية للفرد، وهي التي تكشف عن قدراته العقلية وثقافته وميوله الفكرية. ولأهميتها، فإن المحافظة عليها ليست مسؤولية النحويين واللغويين والشعراء والكتاب فحسب، بل مسؤولية الجميع: مسؤولية النخب (المثقفة) وبسطاء العامة، ومسؤولية الشاعر والعامل، ومسؤولية المدرس والطالب.

وأما من الناحية العامة، فإن اللغة هي المقياس الذي يشير إلى مدى رقي الأمة أو تراجعها عن ركب الحضارة الإنسانية. فغالبا ما يلجأ علماء الاجتماع إلى اللغة ليستنبطوا منها خصائص الأمم وما لديها من ثروات فكرية أو إرث حضاري أو تاريخ عريق. وما من شك في أن الأمة العربية تعصف بها كثير من الأزمات، من بينها أزمة اللغة التي توشك أن تصبح علة دائمة. إن أصابع الاتهام تشير نحو مصادر مختلفة لهذا الداء، هل هو المؤسسات التعليمية: المدارس والجامعات؟ أم المؤسسات الإعلامية: الإذاعة والتلفزيون والكتاب والصحافة؟ أم أن السبب يكمن في اللغة العربية نفسها؟ أم في أبنائها؟

إن الضعف العام في اللغة وقواعدها ليس مرده إلى طبيعة اللغة العربية نفسها، لأن كل اللغات خلقت للبشر كافة وليتواصل الصغير والكبير، الناس بجميع مستوياتهم العقلية المختلفة. ولكن المشكلة ترتبط بتخلف الأمة الحضاري في مختلف جوانب حياتها السياسية والفكرية والثقافية والفنية والاقتصادية والاجتماعية. اللغة مرآة الأمة، فالتخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة كل لحظة ينعكس على شكل ضعف ظاهري في اللغة. إنّ الضعف كامن فينا وليس في طبيعة لغتنا، فاللغة بأبنائها، بمجتمعها، بأمتها، تقوى بقوتهم، وتضعف بضعفهم، تزدهر بحضارتهم ورقيهم وتنحدر بتخلفهم وانهيارهم.

موقع العربية بين اللغات الأخرى

لقد شاع على ألسنة العامة، وبعض المثقفين أيضا، أن لغتنا العربية هي أصعب لغات الأرض وأكثرها تعقيدا في صرفها ونحوها، وفي مترادفاتها وتراكيبها. ولكن في حقيقة الأمر إن المقارنة بين اللغات لا تكون بهذا التصنيف: لغات صعبة ولغات سهلة، وإنما تكون على أساس لغات راقية، ولغات بسيطة. فكل لغة تبنى من مفردات وتراكيب، وكلما زاد عدد المفردات وإمكانات توليد اشتقاقات جديدة منها من جهة، وكلما أتاحت اللغة أمام المتحدث بها إمكانية بناء تراكيب لغوية مختلفة من ذات الكلمات من جهة أخرى؛ ارتفع قدر هذه اللغة بسبب ما تقدمه من مساحة واسعة يستطيع المرء أن يعبر فيها بحرية عما يريد. ولكن إذا غابت هذه الرؤية، ولم نعد قادرين على تذوق اللغة وإدراك الفروق بين دلالات المفردات والجمل المتشابهة، عندها تصبح مرونة اللغة جمودا، وما ينبغي أن يعد دلالة رقي، يصبح دلالة ضعف وتعقيد.

إن لغتنا العربية تقع بين لغات العالم في موقع متوسط. ولا أقصد هنا بالوسطية أن هنالك لغات أرقى منها، وإنما أريد بالوسطية كما دلت عليه الكلمة في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، فهي وسطية التوازن بين عدم الإفراط الذي يؤدي إلى التعقيد، وعدم التفريط الذي يفضي إلى فقر اللغة وعجزها عن بلوغ ما في الفكر والنفس. فهناك لغات عدد مفرداتها أقل بكثير من اللغة العربية، مثل اللغة الألمانية، حيث يحتاج المرء أحيانا إلى صفحة كاملة ليعبر عن فكرة يمكن التعبير عنها بالعربية أو الإنجليزية بفقرة قصيرة.

وكذلك مرونة تركيب الجملة العربية المنضبطة تلاحظها في البدائل المختلفة التي توفرها أمام المتحدث. فالمعنى العام للجمل التالية واحد (ذهب الولد إلى المدرسة/الولد ذهب إلى المدرسة/إلى المدرسة ذهب الولد)، إلا أن الفروق في دلالة كل منها لا تنكر، ولكن يتوقف الاهتمام بهذه الفروق على درجة الوعي اللغوي والمقدرة على تذوق النص الأدبي. وتبقى الجملة منضبطة بسبب الحركات التي تحفظ مقام كل كلمة وتحدد عملها مهما تغير موقعها في الجملة. بينما في لغات أخرى تجد أن لا خيار للمتحدث إلا أن يبدأ كلامه باسم، وإن بدأ بفعل انتقل الحديث من التقرير مثلا إلى الاستفهام، كما في اللغة الإنجليزية. أما في الألمانية، مثلا، فإن الفعل الرئيس لا بد أن يكون آخر كلمة في الجملة. وهناك لغات عدد مفرداتها أكثر من مفردات العربية ولكنها أصبحت اليوم تصنف على رأس قائمة اللغات المهددة بالانقراض، إن لم تكن قد انقرضت تماما.

إذا كان القرآن الكريم هو الذي قوّى عناصر الصمود في العربية وحفظها من الاندثار، فإن هذا لا يعني أنها لم تكن في ذاتها صالحة للبقاء، بل أن تحمل أيضاً عناصر القوة والديمومة والرقي، ولم تجد طوال حياتها أدنى صعوبة في استيعاب اللغات الأجنبية التي فرضت على المجال الرسمي. ولم تصمد اليونانية -التي كانت قد استأثرت بالمجال الثقافي والرسمي لثلاثة قرون قبل الميلاد وثلاثة أخرى بعده- أمام اللغة العربية.

إن العربية الفصيحة تحتل بسبب صفاتها الذاتية، واستناداً إلى المقارنات الموضوعية بينها وبين لغات أخرى، أرقى درجة من درجات الكمال التي تحتلها اللغات المنتشرة في العالم، وتحتل المرتبة الأولى بلا منازع بين اللغات الاشتقاقية التي تمثل أرقى مجموعة لغوية في عالم اليوم. وستظل العربية أبدا قوية صامدة وتلبي الحاجة، وتنشر رسالة القرآن الكريم في ربوع الأرض، فالقرآن هو الضامن لخلود العربية، وهو السبيل إلى وحدة الأمة.

جذور الحرب على العربية

بدأت الحرب على اللغة العربية عندما بدأت الدعوة إلى الأخذ بالعامية تظهر أولا في كتابات عدد من المستشرقين، وقد بدأت هذه الدعوة مغلفة بالحرص على العرب وتطورهم. ويقف في طليعة من حرّض على الإعراض عن العربية والأخذ بالعامية الألماني فلهلم سبيتا، الذي أصدر كتاباً عام 1880م بعنوان (قواعد اللغة العربية العامية في مصر) تباكى فيه على المصريين بسبب تشبثهم بالعربية الفصيحة، حيث قال:

وأخيراً سأجازف بالتصريح عن الأمل الذي روادني على الدوام طوال مدة جمع هذا الكتاب وهو أمل يتعلق بمصر نفسها، ويمس أمرا هو بالنسبة إليها والى شعبها يكاد يكون مسألة حياة أو موت. فكل من عاش فترة طويلة في بلاد تتكلم بالعربية يعرف إلى أي حد تتأثر كل نواحي النشاط فيها بالاختلاف بين اللغة المحكية ولغة الكتابة.... وبالتزام الكتابة بالعربية الكلاسيكية القديمة لا يمكن أن ينمو أدب حقيقي ويتطور، لأن الطبقة المتعلمة القليلة العدد هي وحدها التي يمكن أن يكون الكتاب في متناول يدها.... فلماذا لا يمكن تغيير هذه الحالة المؤسفة إلى ما هو أحسن؟ ببساطة لأن هناك خوفاً من تهمة التعدي على حرمة الدين إذا تركنا لغة القرآن تركاً كلياً....إن لغة الصلاة والطقوس الدينية الأخرى ستظل كما هي في كل مكان.

وهكذا نرى أن (سبيتا) يريد للعربية أن تظل لغة شعائر وصلاة بعيدة عن الحياة، وبالتالي يحصر القرآن الكريم والإسلام الحنيف في زاوية المسجد لا غير، وهو الهدف الذي يسعى إليه أعداء الإسلام في كل زمان، ومهّدت له مشاريع التغريب، ويتبناه اليوم نخبة من (المثقفين) العرب، أما لجهلهم بالعربية، أو لجهلهم بأنهم بهذا السلوك يخربون بيوتهم بأيدهم من حيث لا يعلمون.

ثم جاء بعده الألماني كارل فولرس الذي طالب باستعمال الحروف اللاتينية بدلا من الحرف العربي. إلا أن أخطر الدعوات الموجهة ضد العربية تلك التي نادى بها الإنجليزي وليم ولكوكس الذي نشر في مجلة الأزهر مقالاً بعنوان (لِمَ لم توجد قوّة الاختراع لدى المصريين إلى الآن؟) دعا فيه إلى القضاء على اللغة الفصيحة والكتابة بالعامية، وربط انحطاط العلوم والتكنولوجيا عند العرب بالتزامهم باللغة الفصيحة لدى الكتابة والتأليف. وأكد أنهم متى ما كتبوا بالعامية نمت عندهم قوّة الاختراع والإبداع.

انتقل هذا الداء بعد ذلك إلى رجال الأدب العربي الذين انجرفوا في تيار تلك الدعوة الشرسة، علما أن أكثرهم من الذين لم يعرفهم العرب إلاّ من خلال اللغة العربية الفصيحة. وكان جزاء هذه اللغة أن يقابلوا إحسانها بالدعوة إلى الإجهاز عليها ومحو آثارها. وكان لطفي السيد من أوائل المصريين الذين حملوا لواء الدعوة إلى قبر الفصيحة وإحلال العامية محلها. وفي لبنان تحمس لهذه الفكرة كثير من النصارى اللبنانيين مثل سعيد عقل وأنيس فريحه ولويس عوض وآخرين. وكانت هناك دعوات مصرية طالبت بلغة متوسطة بين العامية والفصيحة، ويقف على رأس هذه الدعوات فريد أبو حيدر، وتوفيق الحكيم، وأمين الخولي. وهناك من نادى بإلغاء صورة الإعراب في الكلام العربي واللجوء إلى تسكين أواخر الكلمات. ولا يزالون يقاتلون حتى هذا اليوم، فتطالعنا كثير من الفضائيات بندوات ومناظرات بين دعاة الفصيحة، ودعاة العامية الذين وصل بهم الأمر إلى أن يسموا هذه اللهجات باللغات، فيقولون اللغة اللبنانية، واللغة المصرية، واللغة المغربية، وهكذا.

الهدف من محاربة العربية

لا ريب في أن الهدف من محاربة العربية، أو الإعراض عنها، هو تحويل الميراث الضخم للأمة العربية الإسلامية وفي مقدمته القرآن الكريم والسنة الشريفة والشريعة الإسلامية إلى شيء تاريخي صرف لا يمكن معرفته إلاّ بواسطة المعاجم اللغوية، لأن الأمة العربية إذا تنازلت عن لغتها الفصيحة ولجأت إلى العامية، فإنها ستكون عاجزة عن فهم كنوز التراث، وبالتالي تنقطع عن ذاكرتها، فتقف بين أمم العصر حائرة بلهاء.

وبعبارة أخرى، إن الاستمرار في استبدال العامية بالفصيحة، سيجعل لغة القرآن الكريم بعد فترة قصيرة، غريبة عن المسلمين، وبالتالي سينزوي القرآن الكريم وينحسر الإسلام تدريجياً وهو ما يهدف إليه أعداء الأمة. فالهدف النهائي هو حمل المسلمين على قبول الذهنية الغربية. فالتغريب يرى في بقاء اللغة العربية بقاء للإسلام، وترسيخاً للمبادئ الإلهية المناهضة لكل لون من ألوان الاستبداد والاحتواء والمصادرة. ولا شك في أن بقاء العربية هو استمرار لبقاء القرآن الكريم، الذي هو الروح التي تغذي في نفوس المسلمين التمسك بالمبادئ والهوية والأوطان.

مظاهر الضعف في العربية

في غالبية المؤسسات الوطنية، الحكومية وغير الحكومية، لا تكاد تجد فردا غير مرتبط بمشروع تطويري، أو منتدى ثقافي، أو على الأقل يشارك في اللقاءات والاجتماعات التي تنظمها دائرته. هذا يقدم عرضا باستخدام التكنولوجيا، وآخر يشارك بحرارة في النقاش، وغيره لا يرفع رأسه عن الورقة التي كتب فيها أمهات أفكاره. الأمر الأول المشترك بين الجميع أنهم عرب، والأمر الثاني المشترك بين الجميع هو أنك لا تكاد تجد منهم من يتكلم بلسان عربي مبين. أنا لا أقصد أن الجميع مطالب أن يتحدث وفقا لقواعد النحو والصرف، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

والعجب أن معظم المؤسسات الرسمية القيادية في الدول العربية تغصّ بحملة شهادة الدكتوراه، وأي شهادات هذه التي نالها هذا المثقف، وهو لا يحسن كتابة فقرة، بل لا يستطيع أن يرد على كتاب رسمي بجملة واحدة دون أن يستشير مختصصا في اللغة العربية يثق به، وكأن كل واحد منهم بحاجة إلى رقيب لغوي يقف إلى جانبه. أي مثقف هذا الذي لا يستطيع أن يخط سطرا دون أن يرجع إلى لغوي يبين له كيف أنه رفع المجرور، ونصب المرفوع، وجر المنصوب.

وهذا الضعف لا يتوقف على النخب (المثقفة)، بل تجد الركاكة في مرافعات المحامين أو القرارات القانونية. كما أن ضعاف اللغة أخذوا يتسللون إلى المؤسسات الإعلامية، وغدت كفة العلاقات الشخصية في الإعلام والصحافة ترجح أحيانا على الكفاءة اللغوية والمهنية. على أن الأخطر من هذا وذاك أن تجد ضعاف اللغة في المؤسسات المعنية بتعليم اللغة وبتنشئة الإنسان، وهذا هو واقع مؤسسات التربية والتعليم في الوطن العربي، فالأطفال يجدون اللغة العربية السليمة مهجورة، ولا تجد النخب القائمة على تحرير المناهج لغويا في بلادنا العربية يتبنون أي منهج أو يمتلكون مشروعا للنهوض باللغة وتحسين مستواها من خلال المناهج المختلفة. فالبرامج التربوية لا توفر أجواء لغوية نقية تساعد الطلبة على اكتساب اللغة السليمة، والتراكيب الجزلة، والتدرب على النطق بها، وإنما يجدون اللغة التي يتعلمونها محاصرة باللهجات العامية على ألسنة معلميهم وغيرهم، ويجدون أساليب تعليمها وتعليم قواعدها ونحوها في الغالب مرتجلة لا يميلون إليها. وهكذا تخرج المدارس والمعاهد والجامعات أجيالا متعاقبة من ضعاف اللغة والنحو يقودون الدولة والمجتمع.

كما نلاحظ الاستمرارية في الانحياز إلى العقلية التاريخية القديمة في التفكير من خلال التركيز على الجانب الانفعالي من الخطاب، بدلا من مراعاة جوانب التواصل الفعال الذي يميز العصر الذي نعيش. فنلوم لغتنا، ونتهمها بعدم القدرة على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، ونحن مازلنا نفكر بعقلية القرون الوسطى وما قبلها حين كانت الطبول والخطابات هي العامل الحاسم لنتيجة المعركة، وما زلنا نفخر بالخطابات الرنانة، خاصة تلك التي كانت تطرق مسامعنا في أيام الحروب، حتى ولو تكشف لنا أن هذه الخطابات عارية عن الموضوعية، ولم تؤثر في سير المعركة قيد أنملة. فلنتحدث بلغتنا الأم السليمة، ولكن لنفكر بعقلية تناسب العصر ومتطلباته.

إن ظاهرة تقزيم اللغة، أو إدراج مفردات أجنبية في معرض حديث المرء، أو استخدام ألفاظ الرطانة المهنية المتخصصة، أو كتابة المرء عناصر المادة التي سيتحدث عنها باللغة الإنجليزية، أصبحت مظاهر تتكرر في كل لقاء أو اجتماع أو ندوة حتى ولو كان موضوع الندوة هو التغزل باللغة العربية. ينبغي الاعتراف هنا بأن غالبية النخب (المثقفة) قد أسقطت حصون النحو والصرف دون استحياء، فلم تعد كان وإن وأخواتهما سوى قبائل سادت ثم بادت على أيدي النخب (المثقفة)، ولم تعد هناك حاجة لتحريك أواخر الكلمات، طالما أن هذا غير موجود في اللغة الإنجليزية، لغة العلم والحضارة والتكنولوجيا، كما يزعمون، ولكن فاتهم أن تعمد رفع لفظ الجلالة في قوله تعالى: ((إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ))، تخرج المرء من نور الإيمان إلى ظلمة الكفر.

وكأني بآخرين يريدون أن ينكروا على الله أن يستخدم في كتابه كلمة عبد وعبيد وعباد. وحجتهم في ذلك أن ترجمتها إلى الإنجليزية (Slaves) تستخدم في معرض الإشارة إلى الدونية والضعة والهوان. إن ترجمة هذه الكلمة وغيرها الكثير من الكلمات سواء إلى الإنجليزية أو الألمانية أو التركية أو غيرها من اللغات لا تؤدي إلى المعنى المراد بأكمله، وهذا أمر ثابت في علم الترجمة، فحتى لو كانت الترجمة من الإنجليزية إلى العربية فإن النص المترجم سوف يخسر من قيمته، ولن تغني ترجمة أي نص عن النص الأصلي. ومن جهة أخرى، فإن تعدد ألفاظ الجمع للاسم الواحد في لغتنا مؤشر على مدى رقي هذه اللغة، وليس على تعقيدها كما يعبر عن ذلك بعض النخب (المثقفة). فإذا جمعنا كلمة عبد (عبيد) أشار ذلك إلى تلك الفئة من الناس الخاضعة للدنيا ومتاعها من مال ونساء ومتع وشهوات مختلفة. أما إذا جمعناها (عباد) أشار ذلك إلى تلك الفئة من البشر الخاضعة لله وحده. وإذا استقرأت ذلك في كتاب الله تعالى تجده صحيحا. فتذوق هنا معي كيف أن جمال هذه اللغة ليس في ألفاظها المنطوقة فحسب، بل وفي رسمها المكتوب أيضا، لاحظ أن حرف الألف في كلمة (عباد) وكأنه يشير إلى الاتصال بالسماء، وحرف الياء في كلمة (عبيد) قد أخلد إلى الأرض.

وتلاحظ كم أخذت النخب (المثقفة) تزدري العربية إذا علمت أن الذين يرجعون إلى المعاجم ويحتكمون إليها هم في الغالب قلة قليلة من المتخصصين في اللغة العربية، ولا غرابة إذن في أن نجد العشرات من النخب (المثقفة) لا يعرفون معنى كلمات يرددونها كل يوم مثل كلمة الصمد، والخناس، أضف إلى ذلك: سبحان الله.

ومن أوجه القصور التي يمكن ملاحظتها أن كثيرا من المثقفين القائمين على تحرير النصوص طغت عليهم سطحية قراءة النص، والتركيز على ضبط أواخر الكلمات دون العناية بعمق استيعابها، وجزالة تراكيبها، والربط بين جملها، واتساق الهيكلية الشاملة لفقراتها. كما تميز عملهم بعدم الاهتمام بعنصر الدلالة المتعلقة بالمعنى، حيث يقفون عند حدود الوظائف النحوية ولا يتجاوزونها إلى معاني التراكيب النحوية.

كما باتت الحوارات، أقرب ما يمكن إلى حوارات الطرشان، حتى بين المتخصصين. فبدلا من الخوض في الحديث عن تفاصيل الموضوع محل الدراسة والنقاش الذي عقد الاجتماع من أجله، غالبا ما يتعثر المجتمعون بالمفردات ودلالاتها، حتى اختلطت المفردات وتزاحمت الدلالات، وكأننا بحاجة إلى الرجوع إلى عصر الحصى، عندما كان الرجل يحمل في جيبه عددا من الحصى ليخبر الآخرين كم عدد الأغنام التي يمتلكها. فتجد في مثل هذه اللقاءات أن بعضهم مضطر إلى تبرير عدم إلمامه بالاصطلاحات التي يدور حولها مجال اختصاصه؛ بأنه فهم ما قيل بطريقة مغايرة، وهذا فهم بطريقة ثالثة، وآخر ماهر في التخلص فيقول لك في الأمر وجهات نظر مختلفة، أو يحكم بجواز الوجهين، مما يدفعك إلى التساؤل: أي لغة تفهمها هذه النخب (المثقفة)؟ فقد غاب الوعي بالاصطلاحات العلمية التي هي الأدوات لما يقتاتون عليه من أفكار. كما أنهم لم يحسنوا الاطلاع على اللغات الأجنبية التي فتنوا بها، فلا هم يلجأون إليها في كل الأحوال، ولا هي تسعفهم عند تداخل المفاهيم واختلاطها.

لقد أصبحت ظاهرة ضعف اللغة العربية لدى النخب (المثقفة) ظاهرة لا تثير أي استغراب، ويجاهر الكثيرون، دون استحياء، بضحالة معرفتهم وعدم حاجتهم إلى معرفة أساسيات النحو والصرف العربي. هل العلة تكمن في طبيعة اللغة العربية وفي صعوبة قواعدها، حيث النحو ليس إلى فهمه سبيل كما يزعمون؟ أم أنهم لا يرون حاجة إلى الاهتمام بها، حيث أنها لغة جامدة غير قادرة على مواكبة روح العصر؟ وهذا سهم من الأعداء يراد به أن تبقى هذه الأمة عالة على الأمم الأخرى، فكما أنه لن تفلح أمة تقاتل بما لا تصنع، وتأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج، فإنه لن تفلح أمة،لا يتقن المثقفون والباحثون والمسؤولون فيها لغتهم الأم، بل ومفتونون بلغات الغرب.

المفتونون بلغات الغرب

وجاءوك من الجانب الغربي، فأساءوا ولم يحسنوا، فبعضهم قد حفظ القليل من المفردات الإنجليزية في تخصصه فكلما وجد نفسه مضطرا للحديث يأخذ بحشو جمله غير المترابطة وأفكاره المشوشة غير المقنعة بهذه المفردات، كي يوحي لسامعه أن ما يقوله هو العلم بعينه، وكل ما سواه باطل. وآخرون يترجمون بعض المفردات الأجنبية إلى اللغة العربية بركاكة تجعل غير المطلع على عظمة لغتنا، يشعر بأن لغتنا سخيفة وضعيفة، ظنا منه أن هذه اللغة التي وسعت أعظم الأفكار في الوجود على الإطلاق، غير قادرة على ترجمة مفردات مثل Sustainabilty، Transformation، Development، Culture وغيرها من المفردات. وقد فات هؤلاء أن هذه المفردات تستخدم في اللغة الإنجليزية بعشرات المعاني المختلفة، وفقا لطبيعة العلم الذي يتحدث عنه النص.

ربما نستطيع القول، تجاوزا، أنه لا توجد اليوم لغة إنجليزية واحدة، وإنما كل علم من العلوم له لغة إنجليزية خاصة به. فإذا سلمنا بأن المكون الأساسي لكل لغة هي المفردات (وعلم آدم الأسماء كلها) فإن المفردة الواحدة تختلف دلالتها باختلاف العلم الذي استخدمت فيه. فتجدهم يصرون على معنى واحد للمفردة قد تعلموه قبل أن يصل الإنسان إلى عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ولا يقبلون أن يحدثوا قائمة المعاني في أذهانهم. وغيرهم إذا عرف معنى لأحد اشتقاقات الكلمة صرف هذا المعنى إلى جميع الاشتقاقات الأخرى للكلمة، بل وإلى الكلمات التي لفظها قريب من لفظ تلك الكلمة، فاختلاف حرفين أو ثلاثة ليس مشكلة، فعلى سبيل المثال ترجم بعض النخب (المثقفة) كلمة Transformation على أنها تعني (النقل) وذلك لأن بنت عمها كلمة Transfer تعني (النقل)، علما بأن التشابه بين الكلمتين هو فقط في البادئة Trans- بينما لا يوجد تشابه بين كلمة form وكلمة fer. والأدهى من ذلك والأمرّ هو أن الدليل عند هذه النخب بحاجة إلى دليل، فلو جئتهم بعشرات المعاني المختلفة للمفردة يبقى المعنى الذي في أذهانهم هو وحيد الصواب، لأنهم هم المرجع الأول والأخير.

أسند إلى أحد المثقفين تقويم كتاب يتحدث عن أحد فنون النثر في اللغة العربية. فبعد أن قرأه من ألفه إلى يائه، وصل به الخواء أن كتب تقريرا يرد فيه الكتاب ويوصي بعدم إجازته أو اقتنائه، والسبب الوحيد (الجوهري)، على حد تعبيره، هو أن قائمة المراجع لا تضم أي مرجع باللغة الإنجليزية.

لغتنا في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

يضم عصر المعلومات والاتصالات بين ثناياه بعدا أخلاقيا جديدا، ذا أساس لغوي، يتعلق بظاهرة الانقراض اللغوي الذي يهدد معظم لغات العالم، وبالطبع الإنجليزية هي الوحيدة حاليا غير المهددة بالانقراض. لقد جعلت شبكة الإنترنت اللغة الإنجليزية تطغى على جميع لغات العالم. فما يقارب من 90% من الوثائق المخزنة على الإنترنت باللغة الإنجليزية. لذا، لا بد من الانتباه إلى ضرورة تقوية دروعنا اللغوية ضد الهجمات الإنجليزية، وأن ندرك أبعاد قرار منظمة التجارة العالمية بعدم اعتبار اللغة العربية ضمن لغاتها الرسمية.

إن الغيورين على اللغة العربية يتوقعون دوما أن تسهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مساهمة فاعلة في علاج الكتابة الرديئة عن طريق الدراسات الأسلوبية لنماذج رائدة من الكتابة العربية الحديثة الجيدة، كالكتابات العلمية والصحافية، ونثر الشعراء، بالإضافة إلى الكتابات التي تجمع بين جزالة اللفظ، ودقة التعبير، وسلامة التركيب. لا شك أن ثقافة عصر المعلومات والاتصالات تتطلب إبداعا لغويا جديدا في جميع الفنون اللغوية ومعالجتها، كي تنصهر جميعها في بوتقة الوسائط المتعددة مع أنساق رموز الاتصال الأخرى غير الخطية، إلى جانب ذلك إبداعا جديدا في الحوار عن بعد، بحيث يكون الحوار بناء يخضع لهندسة الحوار، ووحدة الموضوع، وربط الأسئلة بما قبلها، وتمهيد الطريق إلى ما بعدها.

نتوقع من نظم البرمجة والتطبيقات المعدة للمستخدم العربي أن تأخذ بعين الاهتمام الفروع اللغوية المختلفة، مثل نظام الصرف الآلي الذي يقوم على تحليل الكلمة إلى عناصرها الاشتقاقية والتصريفية. كما لا بد من الاهتمام بنظام الإعراب الآلي والتحليل الدلالي الآلي الذي يستخلص معاني الكلمات من سياقها، ويحدد مدى ارتباط وتناسق الجمل مع بعضها بعضا. كل هذا إلى جانب قواعد بيانات من المعاجم والقواميس الإلكترونية، بالإضافة إلى التطبيقات التي تقوم على النظم الآلية اللغوية، مثل التدقيق الاملائي والنحوي، والصرف الآلي، والفهرسة، والتلخيص الذي يعتمد على الفهم العميق للنص، وتشكيل النص آليا، وما إلى ذلك.

معالجة الضعف في العربية

إن معالجة هذا الضعف العام في اللغة أمر ملح وضروري، وليس عسيرا على المرء أن يتخطى ضعفه في لغته، بحيث يصبح قادرا على أن يكتب ويتحدث بها على نحو سليم. ولكن الحلول الفردية على أهميتها تظل محصورة في نطاق ضيق، ولاتحد من استفحال هذه الظاهرة، فلابد من معالجتها من أسبابها وليس من نتائجها التي تعاني منها اليوم.‏ إن هذا الضعف في اللغة لا يشكل تحديا للغتنا العربية فحسب، ولكنّ تحديا للأمة ينبغي أن يدفعها إلى حركة نهوض حضاري شامل يزامنه نهوض لغوي، تستعيد فيه لغتنا العربية دورها الريادي وحيويتها المعهودة.

إن مؤسسات التعليم بمعلميها وبمناهجها المختلفة ضمن ظروفها الحالية العامة والمحيطة بها مسؤولة بالدرجة الأولى عن هذا الضعف اللغوي العام، وهي مازالت تقليدية في مضامينها وأساليبها لم تلحق بعد بركب التطور. فينبغي إصلاح مناهج وطرق تدريس اللغة العربية وتطويرها لتتمكن من إحداث التغيير الإيجابي المطلوب في سلوك الطلبة وعقولهم، وتنمية قدراتهم اللغوية، وهذا يتوقف على مدى الاهتمام ببرامج إعداد وتأهيل المعلمين وطرق اختيار وإعداد الأطر المرجعية التي تقوم على تصميم وتطوير المناهج. ومما يؤسف له، أننا نجد اليوم الطلبة المتفوقين لا يقبلون على الدراسة في الكليات التي تؤهلهم للتدريس، بينما يقبل عليها الطلاب الأقل تفوقاً والضعاف في دراساتهم، ومعروف أن المعلم الضعيف ينشئ جيلاً ضعيفا، سواء في اللغة أو غيرها من المهارات والمعارف. كما يتوقف هذا على ضرورة إحداث إصلاحات جذرية في إدارات المناهج في الدول العربية وإعادة تشكيل فرق إعداد المناهج، بحيث يكون اختيار أعضاء الفريق متناسبا مع المشاريع التطويرية في مجال المناهج، ومبنيا على أسس ومعايير، بحيث يخضع المتقدم إلى هذه المواقع الوظيفية الحساسة إلى اختبارات متنوعة.

وفي ضوء ذلك، نتوقع أن تتطور مناهج التعليم بشكل عام، ومناهج اللغة العربية بشكل خاص، بحيث تكون موضوعات مادة اللغة العربية وقواعدها من واقع الطلبة وحياتهم، ويجدون أنفسهم فيها، وتكون أساليبها مبسطة ومفهومة للطالب، ودروسها متدرجة تدرجا منطقيا ترابطيا ينتقل من السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب، وأن تجنب الطلاب المسائل اللغوية والنحوية الشاذة وأوجه الخلاف بين النحويين التي يمكن إرجاء تدريسها والنظر فيها إلى مراحل تعليمية تخصصية عالية. ‏ تعد اللغة الرابط القوي الذي يجمع شمل الأمة، ويوحد أبناءها. ‏أو كما عبر عن ذلك عالم اللسانيات الشهير تشومسكي، حيث قال (إذا أردت أن تستعمر شعبا فابدأ بلغته). فلا يمكن لأي أمة أن تتجاوز تخلفها الحضاري، وتتخطى أزماتها، إلا بعد أن تتجاوز ضعفها في لغتها، وأن تتقنها، وتحرص عليها، وذلك لأن ضعفها في لغتها يؤدي إلى الافتتان باللغات الأجنبية، ثم إلى يأس الأفراد من لغتهم، وبالتالي يستفحل الوهن في قلوب أبناء الأمة.

اذكروا دائما أن اللغة التي تزدريها أعينكم هي لغة خير البشر (ص)، وأن الروح التي تملأ أجسادكم تفكر بمفردات كنانة ومضر، وأن الكلمات التي تكسرها ألسنتكم انتشر بها مجد الإسلام، وأن الألحان التي تهز ما بقي لديكم من آثار وجد وعاطفة وذكريات مستوحاة مما جاد به أمراء الشعر العربي والإسلامي.

* مقال نشر في مجلة النبأ العدد رقم (70) الصادر في آيار 2004
نعيد نشره بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي يصادف 18 كانون اﻷول

اضف تعليق