منذ العنوان، تضعنا الرواية في منطقة السؤال لا الإجابة. عنوان يستفز القارئ، لا بوصفه مدخلاً لغوياً فحسب، بل كبوابة نفسية. السؤال هنا ليس عن أين، بل عن كيف تختبئ الأشياء فينا، وكيف تتحول الذكريات إلى عبء خفيّ نحمله دون أن نراه...
ليست كل الروايات تقرأ كحكايات، بعضها يقرأ كاعتراف طويل، كنص يشبه البوح أكثر مما يشبه السرد. في «في أي جزء من ذاكرتي اختبأتِ؟» لمروة تكليف سلمان طاهر الحسيني، لا نجد أنفسنا أمام قصة تقليدية بقدر ما نقف إزاء ذاكرة تتكلم، ووجع يتخذ شكل كلمات.
منذ العنوان، تضعنا الرواية في منطقة السؤال لا الإجابة. عنوان يستفز القارئ، لا بوصفه مدخلاً لغوياً فحسب، بل كبوابة نفسية. السؤال هنا ليس عن "أين"، بل عن "كيف" تختبئ الأشياء فينا، وكيف تتحول الذكريات إلى عبء خفيّ نحمله دون أن نراه.
الرواية تشتغل على ثنائية شديدة الحساسية: الذاكرة والحرب. لكن الحرب لا تظهر كحدث صاخب، بل كظل ثقيل يمر بين السطور. لا ضجيج معارك، لا خطابات مباشرة، بل أثر إنساني بارد ومؤلم: خوف، فقد، شعور دائم بأن الحياة يمكن أن تنكسر في أية لحظة.
شخصية "سالم" تمثل قلب النص النابض. عبرها يعاد تشكيل العالم بعيون طفل يكبر أسرع مما ينبغي. الطفولة هنا ليست مرحلة زمنية، بل حالة شعورية مهددة دائماً. كل مشهد بريء يحمل داخله احتمال الخسارة، وكل ذكرى دافئة تبدو وكأنها مكتوبة على حافة الفقد.
ما يمنح الرواية تميزها هو اشتغالها على التفاصيل. الكاتبة لا تعتمد على الأحداث الكبرى بقدر ما تراهن على الجزئيات الصغيرة: رائحة الخبز، دفء حضن الأب، صوت الأم، ارتباك الطفل أمام عالم يتغير بعنف. هذه التفاصيل ليست زينة سردية، بل مفاتيح لفهم الحالة النفسية العامة.
اللغة تميل بوضوح إلى الحس الشعوري. ثمة جمل تبدو أقرب إلى الكتابة الوجدانية، محملة بإيقاع داخلي هادئ. النص لا يسعى إلى البلاغة الاستعراضية، بل إلى بلاغة الألم. الصور تظهر بخفة، دون تكلف، كأنها امتداد طبيعي للحالة الشعورية.
ومن اللافت أيضاً أن الرواية تتجنب المباشرة الثقيلة في تناول الحرب. لا خطاب سياسي واضح، لا توصيف أيديولوجي صارخ، بل تركيز على الإنسان بوصفه الضحية الأولى. الحرب هنا ليست موضوعاً، بل بيئة نفسية خانقة تتحرك فيها الشخصيات.
الحلم يلعب دوراً محورياً في البناء السردي. ليس مجرد تقنية فنية، بل مساحة تتقاطع فيها الذاكرة مع اللاوعي. عبر الحلم، يصبح الفقد أكثر كثافة، وتنكشف مناطق داخلية يصعب على السرد الواقعي وحده الوصول إليها.
الحب، رغم كل هذا الثقل، حاضر في النص. لكنه حبّ هش، متوتر، يظهر كضوء خافت وسط العتمة. حب الأب، حب الأم، حب الصداقة… جميعها تُكتب بوصفها أشكالاً من المقاومة الهادئة، محاولة للإبقاء على شيء من المعنى في عالم يتداعى.
الرواية، في جوهرها، ليست عن الحرب وحدها، ولا عن الذاكرة فقط. إنها عن الإنسان حين يجد نفسه وجهاً لوجه أمام الفقد المبكر، أمام مسؤوليات أكبر من عمره، أمام حياة لا تمنحه ترف التأجيل.
من منظور نقدي، يمكن القول إن العمل يراهن على التراكم الشعوري أكثر من الحبكة الدرامية المتسارعة. قوته تكمن في الجو، في الإحساس العام، في الاشتغال على الداخل النفسي للشخصيات.
في النهاية، نحن أمام نص يكتب الألم بهدوء، ويستحضر الطفولة دون حنين ساذج، ويجعل من الذاكرة مسرحاً رئيسياً للأحداث. رواية تُقرأ ببطء، وتترك أثرها بصمت… تماماً كما تفعل الذكريات الثقيلة.



اضف تعليق