محمد كاظم الخاقاني

 

من السنن الإلهية الحقة بعث الأنبياء للأخذ بأيدي الخلائق نحو الكمال ومكارم الأخلاق لطفاً من الله تعالى بحال العباد، كما وأنه تعالى أخذ على نفسه لطفاً بحال العباد أيضاً حفظ الشرائع من الإفراط والتفريط والزيادة والنقصان على أيدي أوصياء الرسل لتصبح الرسالات السماوية حضارة للأمم طيلة حياة اثني عشر نقيبا وذلك لأن الموازين لو وقعت بأيدي أئمة الجور والضلال ضاعت السنن واندرست الشرايع ورسمت طبقاً للميول والأغراض والشهوات.

فهناك ثلاثة أشواط تقطعها كافة الشرايع السماوية..

الشوط الأول: منها يتكفله الأنبياء وهو أخذ الوحي وبثه على وجه الأرض وقد أخذ الله تعالى على نفسه في هذا المطاف رحمة بحال العباد أن يرفع عن طريق الأنبياء جميع السدود التي تكون سبباً لمنع انتشار دعوتهم وبسطها على وجه الأرض حتى تضرب الدعوة أركانها وتبلغ مسامع العباد وتقام الحجج على الخلائق، ولذا ما جاء نبي من أنبياء أولي العزم إلا وقد كلّله الله تعالى بالنصر المبين في آخر المطاف وذلك واضح لمن قرأ حياة الرسل وعايش تاريخهم من نوح (ع) إلى الخاتم محمد (ص).

فإنه تعالى إذا وجد المؤمنين في أي مقطع من مقاطع بث الرسالة ونشرها عاجزين عن دعمها رفع كل سد أمامهم أباد كل جبار وطاغوت كما صنع بالنسبة لنمرود وفرعون وكسرى وأبي جهل وأبي لهب وذلك لأنه بعدم بسط الرسالة على وجه الأرض تنتفي الغاية من بعث الرسل عليهم السلام.

فبالنبوات تتميز الحق عن الباطل وضرب أوتاد الشرايع على وجه الأرض وقد نصر الله أولي العزم من الرسل على طول التأريخ بعد تمحيصهم بالبلاء وجعل الطواغيت تتساقط صرعى أمام ضربات جند الحق بل جعل كل شيء يسعى لدعم الشرايع من أوتار العنكبوت إلى الملائكة المسومين.

الإيصال إلى الكمال

ثم يأتي دور الشوط الثاني لأبعاد الرسالات السماوية وهو جعل الرسالات حضارة للأمم لو شاءت الأمم الحياة على أيدي أوصياء الرسل بشرح بطون الرسالة وأبعادها المختلفة بداية بأسسها الفطرية ومرتبة أحكامها وموازين عدلها وإحسانها ونهاية بقممها العليا الموصلة للفناء في ذات الله تعالى التي لا يمسها إلا المطهرون من الخلق بزكاة نـــفوسهم وخلوص عملهم سير عروج يتسابقون إلى سوح لقاء الله تعالى يتباشرون بقرب جوار ربهم.

فأين هذه المراتب بقمم عليائها من أمة تتنازع سلطان محمد (ص) أو دخلت أفواجاً أفواجا إلى الشريعة تلبّي نداء منتصر فتح الحصون ودك معاقل اليهود والمشركين وهي بنفسها قد نسبت له بالأمس شتى النسب من السحر حتى الجنون حينما كان ضعيفاً يكابد الجوع ويتحمّل الأذى في شعب أبي طالب.

أجل قد أراد الله تعالى بعد النبي(ص) أن تعيش الأمة باختيار منها حضارة إسلامية علماً وعملاً تحت ظل قيادة اثني عشر نقيب حتى ترتفع الناس من حضيض الجاهلية ورواسبها إلى المثل العليا ومكارم الأخلاق وهو الأمر الذي يحتاج إلى سير متواصل ضمن حياة اثني عشر نقيب.

فبالأوصياء في الشوط الثاني حفظ الرسالة من التحريف وشرح البطون السبع والسبعين التي هي إشارة إلى اللانهاية في الكمال حتى يتجسّد واقع السلام والكمال على أيدي حملة الرسالة وهم المسلمون ويصبح حضارة واقعية تعيشها الأمة لتحفظ من الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل الرسول الأعظم (ص) فبهذا الشوط إذن إيصال الدعوة بما تحمل من البطون والأبعاد الرسالية إلى أذهان المجتمع ليبلغ كل إنسان كماله المطلوب بما لديه من القابلية والاستعداد.

تطبيق الرسالة

ثم يأتي دور الشوط الثالث المتأخر رتبة عن الشوط الثاني المتزامن معه جرياً في نفس الأمن الواقع وهو مرحلة تطبيق الكبريات وموازين الحق على مصاديقها وموارد انطباقها حتى لا تخلط مصاديق الحق بالباطل وإمام العدل بالجور وصبر الكرامة بالذل والهوان وصلح الرفعة بالاستسلام والجبن والإمام بالمأموم والعالم بالجاهل والمحكم بالمتشابه والقائم بالحق على إمام جائر بالباغي الخارج على إمام زمانه ومئات الكبريات الأخرى التي شوّهها الجهال الناسكون والعلماء الماكرون حتى أصبحت شريعة يقتدى بها على طول مسيرة التأريخ مع حفظ إطارها ونسف مبانيها ومحتوياتها، فبتطبيق الكبريات على الصغريات تحفظ الشريعة من الإفراط والتفريط والميول الشخصية.

أجل الكتاب المجيد هو شريعة الكمال التي بها العروج إلى لا نهاية الحق تعالى والرسول (ص) هو الأسوة لتتميم مكارم الأخلاق فهو القرآن الناطق وأوصيائه رسّام لوحة الكمال بأبعادها العلمية والعملية الذين يكون على أيديهم تربية الأمة طيلة عشرات السنين ضمن حياة اثني عشر نقيب حتى يعجن الكمال وعظيم المعارف مع روح المجتمع وتطبّق الرسالة تطبيقاً عملياً بأبعادها المختلفة بإقامة الحكم الإسلامي نظاماً يرسم كافة جوانب الحياة.

فالشوط الأول إذن هو دور الأنبياء والثاني والثالث هو دور الأوصياء وإن احتاج التطبيق إلى طلب من الأوصياء بواسطة الأمم حتى يطبّقوا لهم الشرع باختيار منهم لكي لا تخرج الدنيا عن كونها دار اختيار واختيار إلا لكانت بعثة الأنبياء منافية للغاية التي خلقت الدنيا من أجلها لأنه تعالى أقدر القادرين على تسليط أوليائه على وجه الأرض كما سلّط سليمان (ع) ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة تسير الصراط المستقيم.

اختيار القيادة

ومن السنن الإلهية كون الإمامة تعييناً لا تحكيماً من قبل الحق تعالى وأنبيائه الكرام.

تقدم أن قلنا أن الله تعالى أراد الدنيا دار اختيار واختبار فهي مختبر العقول ليمتاز بها الإنسان الذي شرفه الله تعالى بما يحمل من القابليات والاستعدادات عن غيره بجهاده الأكبر مع النفس والأصغر في ميادين الخارج ليميّز بسلامة الفطرة والعقل راية الحق من بين آلاف رايات الضلال ومصباح الهدى في دجى الظلمات وقد قال تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين). ولو سلّط الله تعالى أوليائه على وجه الأرض لخرجت الدنيا عن كونها دار اختيار واختبار وعليه فلا تتحقق الغاية من جعل الأرض جسراً به نعبر إلى منازل الآخرة.

نعم شأن اللطف الإلهي هو جعل رجال صالحين راسخين في العلم وهم الأوصياء الذين يشرحون بطون الرسالات ويطبّقونها على الأمة لو شاءت الأمة حياة عدل تحت راية أئمة الهدى لكن ليس معنى ذلك بأن يجبر الله تعالى الأمم على قبول الحق والسير تحت ظلال راية إمام عادل بل هذا من وظيفة الأمم بأن تأتي طائعة تطلب من رجال الحق تطبيق الموازين وإلا خسروا أنفسهم ولذا نشاهد الرسول (ص) والكتاب المجيد بكل جد يعرّفان الأمة بأن هارون هذه الأمة هو علي (ع) وإنه الولي الأعظم بقوله تعالى: ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وأنه باب مدينة علم النبيين وانه لا يبلّغ عن رسول الله (ص) إلا هو أو رجل منه ومئات الأدلة الأخرى، من النقل كتاباً وسنة ومن العقل الصريح لو لم يشب بحجب متابعة الآخرين ولكن الرسول (ص) وكذا الأئمة (ع) لم يخططوا لقبض أزمة الأمور لأن ما كان من شأن اللطف رسالة وبياناً قد تم من قبل الحق وأوليائه لطلاب الحق وأما التطبيق على النفس فهو شأن الأمة فإنها لو جاءت وطلبت ذلك من أوصياء الرسل لطبّقوا ذلك لها.

وإن هذا السير لواضح لكل من اتبّع سيرة الأوصياء بعد الأنبياء لأن اختيار القائد للأمة شأن من شؤون الأمة وإن وجب عليها طبقا لمنهج الرشاد وأوامر الحق تعالى أن تختار خلفاء الرحمان ومظاهر الأسماء والصفات الإلهية بعد الرسول الأعظم (ص) ولكن عدم التخطيط لقبض أزمة الأمور ليس معناه العزلة والسكوت بإزاء ما يجري باسم الدين بل كان كل أمام على الرغم من ظروفه القاسية يبيّن الحق ويشرح بطون الرسالة ويرشد إلى الصواب في مواطن التطبيق وينذر مغبة الأخطاء ويندد بكل منكر يجري على اختلاف مراتب الإنكار ومواطن التقية ولذا كانوا دائماً يعيشون مرارة العيش والسجون والقتل من قبل طواغيت الأرض فمسألة الغدير وعشرات الحقائق الأخرى إنما كانت حجج حق تقام على البشرية لكي تحيى النفوس أو تهلك عن بينة.

وبالجملة فما هو من الألطاف الإلهية بعثة الأنبياء وجعل الأوصياء من بعدهم وليس من وظيفة الحق تعالى تحكيم الأوصياء ولا من وظيفة الأوصياء أن يخططوا لقبض أزمة الأمور وإنما وظيفتهم شرح بطون الرسالة وبيان كيفية تطبيقها والتنديد بما يجري من الباطل باسم الحق وكان هذا هو السبب لمواجهتهم مع طواغيت عصرهم.

نعم كل وصي لو طلبت منه الأمة التطبيق والقيام بالأمر لقام به كما قال علي (ع) في خطبته الشقشقية أما والذي فلق الحبة وبرء النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.

فطرية التوحيد

ومن السنن الإلهية المودوعة في فطرة البشر الإقرار بوجود الصانع فإن كل من تأمل تاريخ الأديان سيجد الإقرار من الأمم بوجود الصانع والموجد لهذا العالم لبداهة احتياج الممكن إلى المؤثر والعلة وكون المنكر له شاذاً كالزنادقة.

فإن كانت هناك اختلافات بين الأمم فإنما هي في مرتبة الربوبية والتدبير لعالم الإمكان أو الطبيعة ولذا كانت كلمات مشركي قريش صريحة حينما يسألون عن سبب عبادة الأصنام قائلين: لتقربنا إلى الله زلفى، فإذن ما كانت قريش منكرة للصانع والموجد بل إنما كان نزاعهم مع الرسول الأعظم (ص) في مرتبة الربوبية فهم ليسوا كالملحدين في يومنا هذا، بل أقول من راجع بقية الأديان حتى الفرس القدامى على الرغم من كونهم كانوا يعبدون إله النور أو الخير، فإن الباحث سيجد عند التأمل كلماتهم صريحة بالإقرار بوجود الأهرومزدا وهو الصانع وليس التعدد المنسوب إليهم في هذه المرتبة بل قالوا بالتعدد في مرتبة الربوبية للعالم حيث قالوا باليزدان وهو إله الخير والأهريمن وهو إله الشر وكأنهم انحرفوا عن صواب الطريق جهلاً لعدم فهم العامة لمثل أرباب الأنواع والمثل والمدبرات أمراً.

لكن لعل قائلاً يقول لو كانت قريش لم تنكر الصانع وكذلك المجوس فَلِمَ شدّد الأنبياء الهجمة على أمثال هؤلاء وتركوا الزنادقة والطبيعيين وهم أقبح مسلكاً من المشركين في مقام الربوبية.

فأرجو التوجه ها هنا إلى مطلب وهو أنه دائماً وأبداً الأمر الذي يناقض الفطرة بصراحة من القول لا يقابله الأنبياء بكل الشدة والصراحة بل يرشدون إلى الخطأ ليعود الإنسان إلى سلامة فطرته ومحكم عقله لأنه أمر ينتقض بنفسه لمناقضته للفطرة لكون الفطرة قاضية لولا الحجب بوجود صانع مبدع لعالم الإمكان وكل إنسان مهما بلغ من الطغيان والجبروت يقرّ بالفطرة في أعماق ضميره ولو حينما تنقطع به السبل من جاه ومقام وعشيرة وعدد وعدة وترتفع عنه حجب الظلمات، فنجد حتى فرعون يقول آمنت برب موسى بل كل إنسان يقرّ بواقع الفطرة كما قال تعالى:( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) ومن موارد إنكار الفطرة ما دعت إليه بعض فرق النصارى من الزهد والرهبنة الموصل إلـى الدعوة إلى ترك الزواج ومن ذلك ما دعت إليه الاشتراكية الشيوعية من إنكار الصانع ودعوى كون الإحساس بالاختصاص والملكية أمرا يمكن التخلص منه ببلوغ فردوس الشيوعية فإن مثل هذه الإدعاءات لمّا كانت مناهزة للفطرة البشرية انهارت أسسها بنفسها على الرغم من سلطان الشيوعيين الدموي ولم تستمر حتى لقرن واحد.

فليس الخطر يكمن في مواطن إنكار الفطرة بل إنما هو دفين في ربوع تحريف الحقائق وهو تلبيس الحقائق بالشبهات أو الانحراف عن الطريق مع بقاء ظاهر الموازين، فههنا حصون الشياطين ومعاقل الماكرين وميادين ملاعب خيل الجائرين فلذا نشاهد القرآن المجيد والنبي (ص) وجميع المناهج الإلهية تضرب بيد من حديد على معاقل المشركين لأنها تحريف للمنهج التوحيدي والصراط المستقيم مع بقاء إطاره الظاهري الصوري.

فالمشركون والمجوس والمنحرفون من أهل الكتاب قابلهم الــرسول بأشد ما يفرض من التقابل والجهاد لأنهم تحريف وتدليس للأصول الثابتة، من أنه لا يؤثر في الخلق سوى الله تعالى فالشرك والثنوية خطر عظيم لأنه تشبيه للحق بالباطل.

ولنأتي إلى المرحلة الثانية من التحريف وهو الانحراف في داخل الهيكل الإسلامي لنشاهد الإسلام كيف قابل الذين انحرفوا وكانوا جرثومة فساد في داخل الهيكل الإسلامي وهم المنافقون.

أجل قد ركعت صناديد قريش وجبابرة الفرس والروم صرعى أمام ضربات المجاهدين لكن الأمة الإسلامية سقطت شهيدة عند أعتاب المنافقين لما انحلوا ضمن الهيكل الإسلامي من بعد ما كانوا في عهد رسول الله (ص) فرقة متميزة قد أعلن الجهاد المتواصل عليها الرسول الأعظم.

فيقع التساؤل ههنا من أنه هل انحلت جبهة المنافقين في داخل الهيكل الإسلامي أو انتهت عند وفاة رسول الله (ص) أو تزعمت أو تصالحت مع الفصائل الإسلامية لجعل القيم الرسالية قشوراً بلا محتوى وجسداً بلا روح حتى تمهدت الفرص لضرب أسس الشريعة ظاهراً وباطناً على أيدي أمثال يزيد بن معاوية وأمثاله على طول التاريخ.

ولذا نشاهد الإمام علي (ع) بذل قصارى جهده لإرجاع المياه إلى مجاريها الرسالية وتطبيق الموازين على مواطنها الخاصة من بعد ما ابتعدت وتشبّه الباطل بالحق وفسّرت الكبريات تحت ظلال السيوف تبعاً للرغبات والأهواء ولم يسع لتوسعة لنطاق الحكم بل أراد أمة تكون أسوة لحمل قيم الرسالة تقتدي بها الأمم كما هي مسيرة رسول الله (ص).

والمخوف في عصرنا الحاضر هو تحريف الـموازين مع حفظ إطارها الظاهري وتلبيس الباطل باسم الحق والجهل باسم العلم والظلمة باسم النور والظلم باسم العدل والكفر باسم الإيمان وتردّى الجائرين والمنحرفين رداء الصالحين والمتقين والعمل بالأهواء تحت لواء سيّد المرسلين (ص) وأوصيائه المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام.

* مقال نشر في مجلـة النبأ-العدد 35-ربيع الثاني 1420

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0