المطبخ الفكري، مكان أشبه بالواحة الفكرية، يلتقي فيه عدد من المفكرين والباحثين والمثقفين، من ذوي التخصصات العلمية المختلفة، بشكل دوري، ويتم في هذا المطبخ إعداد أوراق وأفكار معينة، في مجال معين، تتم مناقشة الورقة وتداول الآراء والنقاشات بصدد الافكار المطروحة فيها، وتشتمل على تحليلات قد تختلف او تقترب من بعضها، لكنها بالنتيجة، تصوغ جملة من الحلول والبدائل بصدد الظاهرة او المشكلة او الموضوع الذي تمت مناقشته في المطبخ الفكري، بعد ذلك تكون الافكار والمقترحات والحلول الناتجة عن الحوار الفكري للمطبخ المذكور، بين يدي المسؤولين المعنيين بالموضوع، ومنهم اصحاب القرار بطبيعة الحال، حتى يكون بمقدورهم الاستفادة من الآراء والافكار التي ترد على شكل مقترحات وحلول.

إذاً تهدف مطابخ الافكار الى صناعة (العصف الذهني)، من خلال تأجيج الحوار، وإظهار وجهات نظر متعددة حول موضوع واحد، فتعدد الآراء والحلول والبدائل، يمنح المسؤول المعني عن التطبيق فرصا اكثر وأفضل للاستفادة من نتائج العصف الذهني الذي ينتج دائما عن الحوارات التي يعقدها المطبخ الفكري.

وعندما نسأل عن عدد المؤسسات التي تعنى بهذا النوع من المطابخ الفكرية، وتقيمها، وتستخلص نتائجها الفكرية الثرية، كما هو الحال مع المطبخ الفكري الاسبوعي لمؤسسة (النبا للثقافة والاعلام)، فإننا في حقيقة الامر نلمس قصورا وتقصيرا في هذا المجال من لدن المؤسسات المعنية بصناعة الافكار، لاسيما اننا نعيش في مجتمعات لا تزال تحبو نحو التقدم، ولكنها تواجه الكثير من المشاكل في هذا المجال، وتعترض طريقها نحو التقدم والتطور كثير من المعوقات التي ينبغي للمطابخ الفكرية ان تتصدى لها وتعثر على الحلول اللازمة لها.

إن (مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام) يمكن أن تُتَّخَذ كنموذج للمؤسسات التي تعمل في هذا الاتجاه، فهناك مطبخ فكري اسبوعي تقيمه هذه المؤسسة، يستقبل عددا من خيرة الشخصيات المثقفة، منها الاكاديميين والمفكرين والمثقفين والسياسيين والقانونيين والاقتصاديين، واعضاء في مجلس النواب او في مجالس المحافظات، فعندما يجتمع صانع القرار مع المفكر، تكون الحلول والمقترحات الناتجة عن المطبخ الفكري اكثر فهما وقبولا من لدن المعنيين، الامر الذي يجعلها عاملا مساعدا لهم في حل المشكلات القائمة، وهذا هو الهدف الأهم للمطابخ الفكرية، وهذا هو الذي يتم التوصل اليه فعلا في المطبخ الفكري الذي تقيمه مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام اسبوعيا ومن دون توقف، علما أن هذه المؤسسة تضم عددا من مراكز البحوث والدراسات التي تعنى بالفكر والدين والتربية والحقوق وسواها، وجميع هذه المراكز لديها نشاطات دورية تناقش فيها الازمات والاشكالات السياسية والاجتماعية والعقائدية وغيرها.

هذا الامر يدفعنا لمطالبة المؤسسات الاخرى للسير في هذا المسار، فلا بد من أن تسهم في إقامة المطابخ الفكرية، ورعايتها حث المختصين بمختلف علومهم ومعارفهم على المشاركة فيها، وتوفير الاجواء المساعدة على عقدها، لاسيما أنها لا تكلّف الكثير من الجهود، سواءً على الصعيد المادي او من حيث الإعداد والمتابعة لإقامتها، لكن النتائج التي تنتهي إليها هذه المطابخ غالبا ما تكون مهمة، خاصة اذا وصلت الى المعنيين من اصحاب القرار والمسؤولين وغيرهم، وتم الأخذ بها كما ينبغي، وتم وضع الافكار والبدائل موضع التنفيذ، فلابد أن يسهم ذلك بدرجة كبيرة، في الارتقاء بالمجتمع ومؤسسات الدولة كافة الى مرتبة افضل.

إذاً نحن نفهم الآن اين تكمن أهمية المطابخ الفكرية، وما هو دورها، لاسيما أن مجتمعاتنا تعاني من ضآلة الافكار، ولا تعتني بأساليب العصف الذهني، على الرغم من حاجتها القصوى له، لكننا نحتاج الى الافكار المجددة حاجة قصوى، في ظل الظرف الحالية التي يعيشها العالم، والمستجدات التي تعيشها الدول والمجتمعات المتقدمة، لذلك لا يمكن أن نبقى على وضعنا الراهن الذي يمكن أن نصفه بأنه واقع خالٍ من الافكار والطموح نحو التغيير إلا في حالات نادرة، مع العلم أننا مقتنعون بأن المجتمع - أي مجتمع- اذا كان بلا تفكير، فإنه يكون كالجسد بلا رأس!!، ولنا أن نتصور ما هي قيمة الجسد من دون رأس مفكّر.

كذلك لابد أن نتقصى ماهيّة وقيمة الافكار التي تتم مناقشتها في العصف الذهني للمطبخ الفكري، إذ ينبغي أن تبتعد تلك الافكار عن السطحية والآنية، وأن لا تسير مع الموجة الراهنة تحت ضغط الاهداف الوقتية والفردية الضيقة، كذلك ينبغي أن لا تعتمد اثارة العاطفة والحماسة الآنية لتحقيق هدف آني سياسي او سواه، لأننا بصريح العبارة بحاجة كبيرة الى الافكار العميقة التي تنطوي على رؤى بعيدة المدى، يمكنها أن تسهم في البناء الاستراتيجي للدولة والمجتمع.

وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق او يتم تطبيقه سياسيا واجتماعيا، من دون مساهمة المؤسسات الثقافية الفكرية والدينية والمعنية جميعا، في تحريك الافكار وصناعة العواصف الذهنية في المطابخ الفكرية بصورة دائمة، ولابد أن تعتمد هذه الصناعة نوعا من التنظيم الاداري، والنظام الانتاجي الذي يجعلها راسخة الحضور بين المؤسسات المختلفة في الدولة والمجتمع، ولا شك أن هذا الرسوخ سيأتي من درجة تأثيرها وقدرتها على مساعدة وتوجيه المسؤولين نحو القرار الأنسب والأفضل، والمشاركة الفاعلة والناجحة في تحديد مسارات صناعة القرار، وهذا يمكن أن يتحقق من خلال ترسيخ شعور المسؤولين من صناع القرار والمعنيين الاخرين، بحاجتهم الفعلية الى المساعدة التي تقدمها لهم الافكار المصنّعة في مطابخ الافكار والمؤسسات التي ترعاها بصورة دورية منتظمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0