في مثل هذه الايام، تمر علينا الذكرى السابعة لرحيل الفقيه المقدس، آية الله، السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي، (تغمَّده الله برحمته الواسعة)، تاركاً وراءه إرثا إنسانيا متميزا، يتوزع بين العلم، والمعرفة، والأخلاق، والتربية وسواها، ينعكس هذا الإرث الفريد، عن المَلَكات والصفات التي تتسم بها شخصيته، ويظهر ذلك جليا، في جوانب عديدة، ميّزتْ الفقيه الشيرازي عن غيره، تتمثل، بالقيم الأخلاقية التي تبثها شخصيته في عقلية الآخر (المتلقي)، كذلك يتميز الفقيه الشيرازي بعلميته، وقوة الإقناع لديه، وكيمياء التواصل مع الناس بمختلف مستوياتهم وانتماءاتهم ومشاربهم، والقدرة على التأثير بهم، لما يمتلكه من سريرة طيبة جاذبة للجميع من دون استثناء، كما اتضح ذلك في العدد الكبير من المتابعين والمتأثرين بمضامينه الفكرية ومزاياه الشخصية، في أدق التفاصيل وأعمقها، أو أكثرها سعةً وشمولاً.

فقد ترك الفقيه الشيرازي مؤلفات عديدة، توزعت على مضامين فكرية، دينية، تربوية، وأخلاقية، ومئات المحاضرات التي تمس حياة الناس بعمق، وتتصدى لمشكلاتهم في شتى المجالات، كما نلاحظ ذلك في التركيز على الجانب الأخلاقي، والسعي الحثيث نحو بناء منظومة أخلاقية تستمد جوهرها من جوهر التعاليم الإسلامية والسيرة النبوية الشريفة، وسيَر آل بيته عليهم السلام، فقد كان سماحته (رحمه الله)، يركّز على الجانب الأخلاقي بصورة قوية جدا، وهذا ما يفسّر تمسكه بالجانب الأخلاقي على المستوى الشخصي، والحرص على التأثير المباشر في الناس، من خلال القيم والسلوكيات المباشرة لشخصيته، حرصا منه على نقل هذه القيم والسلوكيات الأخلاقية للآخر، إسهاما منه في بناء الإنسان أخلاقيا، ومدى مساهمة هذا الجانب في بناء الأمة والدولة والمجتمع المتفرع من الأمة، وهو ما أثبتته التجارب والوقائع على حد سواء، بهذا المعنى فإن الفقيه الشيرازي على الرغم من عفويته الأخلاقية في الفكر والسلوك، لكنه كان يحرص على التأثير الفعلي المباشر بالآخر أخلاقيا.

وفي كل بحوثه وآرائه، كان الفقيه الشيرازي، يعتمد المعايير العلمية، حتى عندما يعالج او يتطرق لجوانب وامور ذات صبغة إنسانية، والعلمية هنا، درجة المعقولية، ومدى انطباق المنطق على الافكار المطروحة، فعندما كان الفقيه الشيرازي، يباشر في محاضرة عن الاجتماع، او الانسانيات عموما، كان حريصا على أن يجمع المنطق بين حيثيات الموضوع الذي يبحث فيه، وهذا الحرص منبعه شخصيته وجوهره العقلي والفكري القائم على المنطقية والمعقولية، بل حتى عندما يكون الكلام في الغيبيات، كان الجانب العلمي لا يغيب ولا يتم تهميشه أو إهماله في طروحات الفقيه الشيرازي، الامر الذي جعل منه محبّبا للمتلقين بغض النظر عن انتماءاتهم.

وهذا يقودنا الى قوة الاقناع التي يتميز بها الفقيه الشيرازي، وهي ملَكَة تنطوي عليها شخصيته المبنية أساسا على الإقناع، فقد تربّى الفقيه الشيرازي في حاضنة لا تعرف للإكراه طريقا، ولا تقترب من الإفراط في كل شيء، وعندما يتم الشروع في توصيل الأفكار وزرع القيم وما شابه، فإن عنصر الإقناع يتقدم أولا، ويتضاعف الجهد في التطابق بين ما هو مطروح وبين ما ينطبق مع الحقائق والوقائع، حرصا على النتيجة التي تعتمد سمة الإقناع، لذلك كانت شخصية الفقيه الشيرازي مقْنِعة للجميع، كونه يمتلك سجايا عفوية نقية، تميل الى الإنسانية في كل شيء، وهذا ما يقود الى ظاهرة تعلّق الجمهور به، من المواظبين على حضور خطبه ومحاضراته، فضلا عن الاستماع إليها عبر القنوات الفضائية والشاشة الصغيرة، بسبب قوة الإقناع التي تتميز بها شخصيته وأفكاره ورؤاه التي تتخللها المضامين المطروحة في مؤلّفاته ومحاضراته ومجالسه.

هذا الحرص على إقناع الآخر، يقودنا الى ما يُصطَلَح عليه بـ (كيمياء التواصل مع الآخر)، فمن البديهي عندما تتميز شخصية الفقيه الشيرازي بالقدرة على الإقناع، فإنها من باب أولى ستكون مؤثرة فيه، وبالتالي سوف تكون جاذبه له بسبب اعتمادها (المنطقية والإقناع)، وليس العكس، هنا تكمن ميزة شخصية الفقيه الشيرازي، لأن الوصول الى القدرة على الإقناع ليست سهلة المنال، ولا يتمكن منها كل من يدّعي او يرغب بذلك، إنها سلسلة من الأفكار والافعال المنسجمة مع بعضها والقائمة على أساس ديني أخلاقي، مكتسَب وتكويني، من الصعب الوصول إليه، إلا من لدن الشخصيات المتميزة بالإيمان المقترن بالإنسانية العميقة، والقدرة على مقارعة النفس، هذه المزايا كلها اجتمعت في شخصية الفقيه الشيرازي، فصار قدرته على إقناع الآخر (المؤيِّد والمضاد)، طريقا واسعا للتواصل مع الآخرين والتأثير بهم، وهذه إحدى الملًكات التي لا يتمكن من تحصيلها إلا الشخصيات ذات المزايا والقدرات الفريدة، كما هو الحال مع شخصية الفقيه الشيرازي رحمه الله، وكما يتضح لنا ذلك عندما نستغور حيثيات سيرته العلمية، الأخلاقية، الاجتماعية، وسواها.

ومحصلة هذه الملَكات والصفات، ستكون شخصية مؤثرة في الآخر، وقادرة على كسبه لرؤاها وأفكارها وما تؤمن به، وهو ما يوضّح لنا (ظاهرة) تعلّق جمهور المحبين بالسيد محمد رضا الشيرازي، خطيبا، متحدثا، وإنسانا نموذجيا، تمتلك شخصيته عناصر جذب، يتصدرها، سماحة الوجه، وجمال الحديث ودقته، وإنسانيته، وعمق الافكار وبساطتها في آن، والحرص التربوي الخلاق، وعذوبة الشخصية، وقربها العفوي من الآخر، الامر الذي يؤدي بالنتيجة، الى شخصية ذات ملامح ومزايا خاصة، محببة للآخرين، ومؤثرة فيهم، لاسيما أن مصدر التأثير هو التناغم بين مضامين الافكار، وفطرة الانسان (الجمهور المتلقي)، الامر الذي جعل من شخصية الفقيه الشيرازي، وجهةً لإقبال الآخرين عليه، والمتأثرين به فكراً و قِيَماً وسلوكاً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0