ليست خطبة الزهراء عليها السلام مجرّد كلمات وداع أو مظلومية شخصية، بل هي وثيقة خالدة كشفت فيها عن رؤيتها لخطورة إقصاء أهل البيت. وقد مثلت هذه الصرخة الجذور الفكرية لنهضة الإمام الحسين عليه السلام، وامتداداً مبدئياً لحفظ الدين وإقامة العدل ورفض الظلم مهما بلغت التضحيات...

ليست خطبةُ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في مرضها الأخير مجرّد كلمات وداع، بل هي ـ في الرؤية الإمامية ـ وثيقةٌ خالدةٌ في الفكر الإسلامي، كشفت فيها عن رؤيتها لما جرى بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحذّرت من النتائج التي ستترتب على إقصاء أهل البيت (عليهم السلام) عن موقعهم الذي يرون أن الله ورسوله جعلاه لهم. وقد نقل هذه الخطبة عددٌ من علماء الإمامية؛ منهم السيد محسن الأمين في كتاب (أعيان الشيعة، ج1)، كما وردت بألفاظ متقاربة في (الاحتجاج) للطبرسي، و*(بلاغات النساء)* لابن طيفور، و*(بحار الأنوار)* للعلامة المجلسي.

لما مرضت فاطمة الزّهراء (ع) المرضة التي توفيت فيها واشتدت علّتها، اجتمعت إليها نساء المهاجرين والأنصار ليعدنها، فسلمن عليها وقلن لها: كيف أصبحت من علتك من ليلتك يا بنت رسول الله (ص)؟ فحمدت الله تعالى وصلّت على أبيها ثم قالت: 

"أصبحت والله عائفةً لدنياكنّ، قاليةً لرجالكنّ، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحدّ واللّعب بعد الجدّ، وقرع الصّفاة وصدع القناة، وخطل الآراء وزلل الأهواء، ولبئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. لا جرم والله لقد قلّدتهم ربقتها، وحملتهم أوقتها، وشنّت عليهم غارتها، فجدعاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين. 

ويحهم، أنَّى زعزعوها عن رواسي الرّسالة، وقواعد النبوَّة والدلالة، ومهبط الرّوح الأمين، والطّبين بأمور الدّنيا والدّين، ألا ذلك هو الخسران المبين. وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا منه والله نكير سيفه، وقلّة مبالاته بحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله عزّ وجلّ. وتالله، لو مالوا عن المحجّة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة، لردّهم إليها، وحملهم عليها، وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله (ص)، لاعتقله، ولسار بهم سجحاً، لا يكلم خشاشه، ولا يكلّ سائره، ولا يملّ راكبه، ولأوردهم منهلاً نميراً صافياً رويّاً فضفاضاً تطفح ضفّتاه، ولا يترنّق جانباه، ولأصدرهم بطاناً، ونصح لهم سراً وإعلاناً... {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الزّمر: 51]... 

ليت شعري إلى أيّ لجا لجأوا، وإلى أيّ سناد استندوا، وعلى أيّ عماد اعتمدوا، وبأيّ عروة تمسّكوا... استبدلوا والله الذنابي بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 19]. ويحهم {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35]. 

أمّا لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملء العقب دماً عبيطاً وذعافاً، واطمأنوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم، وسطوة معتد غاشم، وبهرج دائم شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيأكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لكم، وإني بكم وقد عميت عليكم: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟!" 

فأعادت النساء قولها على رجالهنّ، فجاء إليها قوم من المهاجرين والأنصار معتذرين، وقالوا: يا سيّدة النّساء، لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن يبرم العهد ويحكم العقد، لما عدلنا عنه إلى غيره. فقالت (ع): "إليكم عني، فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم." (أعيان الشيعة، ج1). 

من الدفاع عن الرسالة إلى استشراف المستقبل

ليست هذه الخطبة ـ بحسب الفهم الإمامي ـ خطابَ مظلوميةٍ شخصية، ولا اعتراضًا على فقدان مالٍ أو جاه، وإنما هي صرخةٌ لحماية الرسالة قبل أن تكون دفاعًا عن أهل البيت (عليهم السلام). فقد كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ترى أن قضية فدك لم تكن أرضًا زراعيةً فحسب، وإنما أصبحت رمزًا للحق الذي ينبغي أن يُصان، كما رأت أن قضية الخلافة تمثل امتدادًا لقيادة الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن هنا جاء خطابها يحمل تحذيرًا من المستقبل، لا بكاءً على الماضي، وكأنها كانت تستشرف ما ستؤول إليه الأمة إذا ابتعدت عن أهل بيت النبوة، الذين وصفهم القرآن الكريم بقوله:

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب: 33).

ولذلك قالت في خطبتها: «ويحهم، أنى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة...»، وهي عبارة تؤكد أن القضية لم تكن قضية أفراد، بل قضية الرسالة نفسها. وقد ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله:

فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني.» (صحيح البخاري: 3714، وصحيح مسلم: 2449).

إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي.» (صحيح مسلم، سنن الترمذي: 3788).

الامتداد الحسيني: الإصلاح في أمة الجدّ

يرى علماء الإمامية أن ما وقع بعد رحيل النبي (ص) من أحداث كان بداية سلسلةٍ طويلةٍ انتهت بفاجعة كربلاء، حتى أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) صرخته الخالدة:

«إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.» (بحار الأنوار، ج44).

فنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن منفصلةً عن موقف أمه الزهراء (عليها السلام)، بل كانت امتدادًا للمبادئ نفسها: حفظ الدين، وإقامة العدل، ورفض الظلم. ومن هنا يُفهم توجيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام):

«كونوا للظالم خصمًا، وللمظلوم عونًا.» (نهج البلاغة، الكتاب 47).

فالزهراء (عليها السلام) دافعت بالكلمة، وعليٌّ (عليه السلام) صبر حفاظًا على وحدة الأمة، والحسين (عليه السلام) قدّم دمه ليبقى الإسلام حيًّا؛ فاجتمعت مواقفهم على أصلٍ واحد، هو نصرة الحق مهما بلغت التضحيات.

اضف تعليق