إن إغلاق 158 مؤسسة تعليمية غير مجازة يكشف عن خلل بنيوي عميق في منظومة الرقابة والمتابعة؛ فالمؤسسة لا تظهر فجأة ولا تعمل في الخفاء. والحل لا يكتفي بمحاسبة المخالفين، بل يتطلب غلق البيئة التي سمحت بظهورهم، وحماية الطلبة الذين دفعوا ثمن أخطاء لم يرتكبوها...

إغلاق 158 مؤسسة تعليمية أهلية غير مجازة ليس خبرا عابرا يمكن أن يمر في صفحات الأخبار ثم يُطوى ملفه، الرقم كبير بما يكفي ليفتح سؤالا أكبر من قرار الإغلاق نفسه: كيف تمكنت هذه المؤسسات من العمل أصلا؟ ومنذ متى كانت تعمل؟ ومن كان يراقبها؟

إذا كانت هذه المؤسسات غير مجازة، فالمسألة لا تتعلق فقط بإدارات خالفت التعليمات، وإنما تكشف أيضا عن خلل في منظومة الرقابة والمتابعة، فالمؤسسة التعليمية لا تظهر فجأة في يوم واحد، ولا تستقبل الطلبة وتعلن عن خدماتها وتحصل الأموال من أولياء الأمور في الخفاء، هناك أبنية ولافتات وطلبة ومدرسون وموظفون، ونشاط يومي يمكن رصده بسهولة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: أين كانت الرقابة طوال السنوات أو الأشهر التي سبقت الإغلاق؟

من حق الوزارة أن تغلق المؤسسة التي تعمل من دون ترخيص، ومن واجبها أن تفرض القانون وتحمي العملية التعليمية من الفوضى، لكن تطبيق القانون في نهايته لا ينبغي أن يعفينا من البحث عن المسؤولية في بدايته، فإذا كانت المخالفة قد استمرت فترة طويلة قبل اكتشافها، فإن هناك سؤالا إداريا يستحق إجابة واضحة: لماذا لم تُكتشف في وقتها؟

الأخطر من ذلك أن القضية لا تتوقف عند الترخيص، فالطالب الذي جلس في صفوف تلك المؤسسات لم يكن طرفا في المخالفة، وولي الأمر الذي دفع المال لم يكن بالضرورة يعرف أن المؤسسة التي اختارها غير مجازة، كثير من الأهالي ينظرون إلى استمرار المؤسسة في العمل على أنه دليل ضمني على شرعيتها، خصوصا عندما يرون أعدادا من الطلبة والمدرسين وترويجا مستمرا لخدماتها.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: ماذا عن الطالب؟

هل جرى التأكد من أن الطلبة تلقوا تعليما بالمستوى المطلوب؟ هل كانت الكوادر التدريسية مؤهلة؟ هل كانت المناهج مطابقة للمعايير؟ هل كانت البيئة التعليمية مناسبة؟ وهل ستتحمل المؤسسات المخالفة مسؤولية أي آثار تعليمية ترتبت على عملها؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد إغلاق الأبواب.

فالخطر في المؤسسات غير المجازة ليس في غياب ورقة رسمية فقط، وإنما في احتمال وجود تعليم خارج إطار المعايير التي يفترض أن تحمي الطالب. التعليم ليس سلعة يمكن قياس جودتها من خلال واجهة المؤسسة أو عدد الطلبة المسجلين فيها، فجودة التعليم تحتاج إلى متابعة وتقييم مستمرين، وإلى معايير واضحة تطبق على الجميع دون استثناء.

وفي المقابل، فإن تشديد الرقابة لا ينبغي أن يتحول إلى حملة موسمية تبدأ بعد اكتشاف عدد كبير من المخالفات ثم تهدأ بعد فترة، فالرقابة الحقيقية هي التي تمنع المخالفة قبل انتشارها، وتكتشف المؤسسة غير المرخصة في بدايتها، لا بعد أن يصبح لديها طلبة وموظفون ومصالح مالية وسمعة في المجتمع.

ثم هناك جانب آخر لا يقل أهمية وهو المساءلة، فمن الطبيعي أن تتم محاسبة صاحب المؤسسة غير المجازة، لكن من حق المجتمع أيضا أن يعرف كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة، وإذا كانت هناك جهات مكلفة بالمتابعة والتفتيش، فما الذي فعلته؟ وإذا كانت هناك شكاوى سابقة، فهل تمت متابعتها؟ وإذا لم تكن هناك شكاوى، فلماذا لم تكن هناك زيارات رقابية دورية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بحثا عن شماعة، وإنما جزء من إصلاح الخلل، ذلك أن معالجة المخالفة من دون معالجة أسباب تأخر اكتشافها تعني احتمال تكرارها.

كما أن إغلاق المؤسسات دفعة واحدة يضع الوزارة أمام مسؤولية أخرى تتعلق بالطلبة الذين كانوا يدرسون فيها، هؤلاء لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم أمام فراغ تعليمي بسبب خطأ لم يرتكبوه، والمطلوب هو وضع آلية واضحة لنقلهم أو معالجة أوضاعهم التعليمية، مع مراعاة ما دفعته عائلاتهم وما بذلوه من وقت وجهد.

لا ينبغي أن يكون الرقم 158 مصدرا للاحتفاء بقدرة الرقابة على اكتشاف المخالفات فقط، وإنما مناسبة لمراجعة منظومة الرقابة بأكملها، فالرقابة التي تكتشف المخالفة بعد انتشارها تؤدي جزءا من واجبها، أما الرقابة التي تمنع المخالفة من الأساس فهي التي تحمي التعليم فعليا.

والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرا بعد إغلاق الأبواب هو: كم مؤسسة أخرى تعمل اليوم من دون أن يعرف أحد؟

إذا كانت الإجابة غير معروفة، فالمشكلة لم تنتهِ بإغلاق 158 مؤسسة، وإذا كانت الجهات الرقابية تعرف، فالمجتمع يستحق أن يعرف أيضا: أين هي؟ وما الإجراءات المتخذة بحقها؟

اضف تعليق