في عراق اليوم تحولت المناصب من استحقاقٍ إداري إلى أداة لترضية القوى السياسية وتوزيع الغنائم؛ مما أثقل كاهل الدولة ببيروقراطية عاجزة وفساد مُستشرٍ، وجعل الحكومة عبئاً مركبًا يُعطل الخدمات الأساسية للمواطنين، في وقتٍ يتطلب فيه تحصين البلاد الداخلي تقديم الخدمة العامة وإيقاف الصراع على المواقع...
وأنا أتابع موضوعة الخلاف بين الكتل السياسية على المناصب، وكيفية توزيعها بينها، حضرني مسلسل درامي سوري من بطولة الفنان دريد لحام، عرضه تلفزيون العراق أواخر سبعينات القرن الماضي، وقد عالج موضوعة الفساد والترهل الإداري بطريقة كوميدية هادفة.
فجأة تهبط الثروة على (غوار الطوشة) دريد لحام، ويصبح صاحب شركة، وبما أن لديه أصدقاء من الصعاليك والمعدمين أمثال (أبو عنتر) ناجي جبر، فإن طلبات التعيين صارت تأتي غوار مشفوعة بالقول إنهم من طرف أبو عنتر، فيردد غوار عبارة، أشعر كأني أسمعها الآن؛ (تكرم عينك وعين أبو عنتر)، ويوافق على الطلب فورًا.
الإدارة التي كانت عبارة عن غرفة طويلة جدًا، ازدحمت بسلسلة من الطاولات التي يجلس خلفها أشخاص مهمتهم فقط التوقيع على الأوراق التي تأتيهم، ليؤكدوا أنهم مسؤولون ومهمون أيضًا، فلا شيء يمر من دون أن تكتمل التواقيع.
في عراق اليوم صارت المناصب ليست استحقاقًا تفرضه حاجة المؤسسة للمسؤول أو صاحب المنصب، وإنما لترضية القوى الفائزة في الانتخابات، والتي لم تكن وفق معادلة (حكومة مسؤولة ومعارضة تراقب الأداء)، وإنما كل من يحصل على مقاعد في البرلمان، يأخذ حصة معينة وحسب الحجوم والأوزان، ما يعني أن الكل مشارك في الحكومة وله حصة في إدارة الدولة، بدءًا من الدرجات الخاصة والمدراء العامين والمستشارين الذين صارت أعدادهم هائلة وغيرهم، صعودًا إلى الوزراء ووكلائهم، وبما يرضي الجميع طبعًا، وبما أن هؤلاء ليسوا جميعًا فاعلين، لذا يصبح وجودهم في جهاز الدولة عبئًا مركبًا، أي أنهم يكلفون الدولة أموالًا طائلة ويتسببون في تدمير حيوية الجهاز الإداري والحكومي.
أن تقاس الأمور وفق هذا المبدأ، فإنه ظلم للشعب وللدولة التي ينبغي أن تكون في خدمته، وإن إرضاء الجميع من خلال منح المناصب أو استحداثها من دون الحاجة إليها، خيانة للعهد الذي يتعهد به أي مسؤول بأنه سيكون في خدمة الناس، وفي النتيجة البلاد تبقى تراوح في مكانها والخدمات المقدمة شبه معدومة، وإلا كيف نفسر تعطيل مشاريع حيوية تلامس حياة الناس اليومية مثل الشوارع المهملة والنظافة شبه المعدومة، مع وجود طاقم كامل لإدارة البلديات من موظفين وصولًا إلى المدراء الكبار، ولعلي أعيش شخصيًا هذه المعاناة في منطقتي التي خُرّبت شوارعها على أمل توسعتها وتعبيدها، لكنها صارت مكبًا للنفايات منذ أكثر من عامين، مع أن الأمر لا يحتاج إلى شهرين أو ثلاثة، أو قل نصف سنة في أسوأ احتمال.
كيف يثق المواطن بجهاز دولة تتصارع الكتل السياسية على المناصب فيه، وهو شبه عاجز عن تقديم الخدمات له، بل ويرى ويسمع أن الفساد وسرقة المال العام بلغ مراحل يصعب تخيلها حتى؟
أعتقد أننا نكتب في الشأن السياسي العام ونحاول أن نحلل الأحداث من حولنا، ونسمع ما تؤكده وسائل الإعلام بضرورة أن نحصّن أنفسنا من ارتدادات الزلازل التي تضرب منطقتنا، لكن يجب ألا ننسى شيئًا مهمًا، هو أن التحصين الحقيقي يبدأ من خدمة الناس وعدم التفريط بمصالحهم، وليست بالتصارع على مواقع ومناصب تثقل على دولتهم ماديًا وتثقل عليهم نفسيًا.. وهذا هو الأخطر.



اضف تعليق