ولد الإمام محمد الجواد (ع) في 10 رجب ‏سنة 195 هـ في المدينة المنورة

مقدمة

الحديث عن الإمام محمد الجواد (ع) هو حديث عن معجزة أهل البيت (ع)، ومعجزة الولاية في الأمة الإسلامية، وذلك لأن الإمام محمد الجواد (ع) هو ابن ووحيد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) عالم آل محمد (ص) الذي كان شاغل الدنيا وحديث المجالس والنوادي في الدولة الإسلامية المترامية الأطراف.

لا سيما بعدما بويع له بولاية العهد لعبد الله المأمون الذي استقدمه من المدينة المنورة إلى مرو ثم خراسان ليُبايع له كما أشاع – كذبا ومراوغة – الحاكم نفسه، لأنه لم يصل إلى الخلافة إلا بعد حرب دامت خمس سنوات بينه وبين أخاه محمد الأمين حتى انتصر على أخيه وبني أبيه العباسيين جميعاً فكان مكروهاً ومنبوذاً منهم فأراد أن يُشعرهم بالخطر بانتقال الخلافة والحكم إلى البيت العلوي الشريف، فاستقدم الإمام علي بن موسى الرضا (ع) لأنه الإمام الذي يُشار إليه باليد والبنان في ذلك البيت الطاهر..

كما أنه أراد أن يحتوي ويُخمد ثورات الشيعة المختلفة لأنه يرون إمامهم الرضا (ع) ولياً للعهد لا سيما بعد أن ضُربت السكة ذهبية وفضية باسمه الشريف، وصار الدعاء له على جميع منابر المسلمين في كل جمعة ومناسبة وفي كل محفل من محافل الدين، فكانت خطة أموية محكمة لم تكن السلطة والحكم يستقر له لولا الإمام علي بن موسى الرضا (ع) فكانت تلك الفكرة والبدعة مع ما رافقها من إبعاد الإمام الرضا (ع) عن بيته وأهله ومدينة جده ومسقط رأسه الشريف والأهم من ذلك كله إبعاده عن ولده الوحيد ووريثه الإمام محمد الجواد الذي كان يبلغ من العمر أربع سنوات فقط، وانتقل والده إلى جنان الخلد وهو في السادسة فاعتلى منصب الخلافة وهو في تلك السن المبكرة، وفي بُعد عن والده من الرابعة فمن أين كان له ذاك البحر القمقام، من العلم في كل شيء، فمَنْ الذي علَّمه، وأعطاه كل ذاك العلم وهو في ذلك السن؟

وذلك لأنه من أهل البيت الأطهار الذين (كبيرهم لا يُقاس وصغيرهم جمرة لا تُداس)، فقد روى في إرشاد القلوب بالإسناد إلى حمد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك من نوره الأعظم، ثم رشَّ من نورنا على جميع الأنوار من بعد خلقه لها، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى إلينا، ومن أخطأه ذلك النور ضلَّ عنا، ثم قرأ: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور: 40)، يهتدي إلى نورنا وروى مسنداً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: (نحن أهل بيت لا يُقاس بنا أحد من عباد الله، ومَنْ والانا وإئتم بنا، وقَبل منا ما أوحي إلينا، وعلمناه إياه، وأطاع الله فينا، فقد والى الله، ونحن خير البرية، ووُلدنا منا، ومن أنفسنا، وشيعتنا منا مَنْ آذاهم آذانا ومَنْ أكرمهم أكرمنا، ومَنْ أكرمنا كان من أهل الجنة). (بحار الأنوار: ج 65 ص45، وإرشاد الديلمي: ج2ص301)

والإمام الجواد (ع) هو من أولئك الأطهار الأبرار من آل محمد (ص) الذين جعلهم الله حُججاً على خلقه وبريته، لما أعطاهم من علمه وفهمه وفقه القرآن والسنة وأصول العلم والحكم.

الإمام الجواد (ع) وصغر سنِّه

يقول سماحة الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) في هذه المسألة: "النبوة والإمامة منصبان إلهيان، يعطيهما الباري لمن أراد ممن اجتمعت فيه الشروط، ولا يتفاوت في ذلك السن، فقد قال عز وجل في حق النبي عيسى (عليه السلام): (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْـمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (مريم: 31)، وقال في حق النبي يحيى (عليه السلام): (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْـحُكْمَ صَبِيًّا). (مريم: 12)

وهكذا كان الإمام محمد الجواد (عليه السلام) حيث اختاره الله إماماً وهو في صغر سنه، وربما كان ذلك تمهيداً لإمامة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) حيث أصبح إماماً في صغر سنه، مضافاً إلى غيبته عن الأنظار". (من حياة الإمام محمد الجواد (ع): ص14)

نعم؛ إنه عطاء من الله تعالى ولذا نقول بأن علم الإمام الجواد (ع) كان لدنِّي أي من عند الله كما قال عن العبد الصالح الذي تعلم موسى الكليم ووصيه منه بقوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (الكهف: 65)، فقد رُوي عن ابن أسباط، قال: خرج عليَّ أبو جعفر(الجواد) (عليه السلام)، فجعلت أنظر إليه، وإلى رأسه ورجليه؛ لأصف قامته بمصر، فلما جلس قال: (يا علي، إن الله احتجَّ في الإمامة بمثل ما احتج في النبوة، قال الله تعالى: ‏(وَآتَيْنَاهُ الْـحُكْمَ صَبِيًّا)، و(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ)، و(وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)، فقد يجوز أن يُعطى الحكم صبياً، ويجوز أن يُعطى وهو ابن أربعين سنةً). (بحار الأنوار: ج50 ص20)

فهو الجواد الذي جاد عليه الباري سبحانه بالعلم والفهم صبياً كما فعل بعباده المخلّصين كالسيد المسيح (ع) ويحيى بن زكريا (ع)، فأمر الله لا يتوقف على العمر الزمني للشخص، ولا على أي شيء من أمور الدنيا لأنه أمر الله بين الكاف والنون إذا أراد للشيء أن يكون أمره فكان.

يقول سماحة السيد المرجع المدرسي (حفظه الله): "والعمر وإن كان مقياساً للناس في الأغلب ولكنه ليس بمقياس عند الله، فليس الأكبر سناً أعظم عند الله دائماً، وربَّ شيخ بغيض عند ربه ولربَّ شاب أو طفل محبوب عند بارئه..". (الإمام الجواد (ع) قدوة وأسوة: ص6)

والإمام الجواد (ع) من آل محمد (ص) الذين أعطاهم الله سبحانه العلم والفهم وهو في تلك السن المبكرة من عمره، ولكن المشكلة في الأمة الإسلامية أنهم آمنوا برسول الله محمد (ص) ولكنهم جحدوا وأنكروا أهل بيته الأطهار (ع) حسداً من عند أنفسهم على ما آتاهم الله ولذا قال سبحانه: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: 14)، كان منهم ذلك في زمن النبي وعصره (ص)، حيث قال الرجل القرشي في رزية يوم الخميس: (إن نبيكم ليهجر حسبنا كتاب الله)، فما رأيك بعد قرنين من الزمن أي في زمن الإمام محمد الجواد (ع) وعصر المأمون العباسي أي فهل سيؤمنون بإمامته وأنه أعلم أهل الأرض وهو في ذلك العمر الصغير والجسم النحيف؟

اختبار عبد الله المأمون للإمام (ع)

وكان المأمون يعرف الحق جلياً ولكنه كان منافقاً ومعانداً وطاغياً وجباراً شقياً، أكثر من غيره فكان يقول: (بأن أهل هذا البيت قد ورثوا العلم من آبائهم كما ورثوا المكارم والخُلق الرفيع)، يقول الإمام الشيرازي الراحل: "المأمون العباسي بعد أن فضحه الله تعالى، وعرف الناس بأنه هو القاتل للإمام الرضا (عليه السلام)، أراد أن يمتصَّ ذلك الغضب بإظهار حبه للإمام محمد الجواد (عليه السلام)، وبتزويج ابنته أم الفضل من الإمام (صلوات الله عليه)، مضافاً إلى خطته الخبيثة حيث كان يُريد أن يجعل عيناً على الإمام (عليه السلام) حتى في بيته وأسرته، وأخذ المأمون يتظاهر باحترام الإمام، فلما خرج المأمون من خراسان إلى بغداد كتب رسالة جميلة إلى الإمام الجواد (عليه السلام)، وأراد منه (عليه السلام) أن يهاجر إلى بغداد، ثم هناك قام بتزويج ابنته للإمام الجواد (عليه السلام). (من حياة الإمام الجواد (ع): ص133)

قصة زواج الإمام الجواد (ع) من بنت المأمون

روى الريان بن شبيب قالَ: لمّا أَرادَ المأمونُ أَن يُزوِّج ابْنَتَه أمَّ الْفَضْل أَبا جعفر محمد بن عليّ (عليهما السلام) بَلَغَ ذلك العباسيّين فغَلُظَ عليهم واسْتَكْبَروه، وخافُوا أَنْ يَنْتَهِيَ الأمرُ معه إِلى ما انتَهى مع الرضا (عليه السَّلام) فخاضوا في ذلك، واجْتَمَعَ منهم أَهلُ بيته الأدْنَونَ منه.

فقالوا له: ننشدُك اللّهَ - يا أَميرَ (المواطنين) - أَنْ تُقيمَ على هذا الأمرِ الذي قد عَزَمْتَ عليه من تزويج ابن الرضا، فإنّا نخَافُ أَن يَخْرُجَ به عنّا أَمرٌ قد ملَّكَنَاهُ اللّهُ، ويُنْزَعَ مِنّا عزٌّ قد أَلبَسَناه اللهُّ، وقد عَرَفْتَ ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاءُ الراشدون قَبْلَكَ من تبعيدهم والتصغيرِ بهم، وقد كُنّا في وَهْلةٍ من عَمَلِك مع الرضا ما عَمِلْتَ، حتى كَفانَا اللّهُ المهمَّ من ذلك، فاللّهَ اللّهَ أَنْ تَرُدَّنا إِلى غمٍّ قد انْحَسَرَ عنّا، واصْرِفْ رَأْيَك عن ابن الرضا واعْدِلْ إِلى مَنْ تراه من أَهل بيتك يَصْلَحً لذلك دونَ غيره.

فقالَ لهم المأمونُ: أَمّا ما بينكم وبينَ آل أَبي طالب فأَنتُمُ السَبَبُ فيه، ولو أَنْصَفْتُمُ القَوْمَ لكانَ أَولى بكم، وأَمّا ما كان يَفْعَله مَنْ كانَ قبلي بهم فقد كانَ قاطِعاً للرحِم، أَعوذ باللهِّ من ذلك، وواللّهِ ما نَدِمْتُ على ما كانَ منّي من استخلافِ الرضا، ولقد سَألته أنْ يَقوُمَ بالأمْرِ وانزَعُه عن نفسي فأَبى، وكانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ، وأَمّا أَبو جعفر محمّدُ بن عليّ فقد اخْترْته لتبريزه على كافةِ أَهْلِ الْفَضْلِ في العلمِ والْفَضْلِ مع صِغَرِ سِنِّه، والأعجُوبة فيه بذلك، وأَنا أَرْجُو أَنْ يَظْهَرَ للناسِ ما قد عَرَفْتُه منه فيَعْلَموا أَنّ الرأيَ ما رَأَيْتُ فيه.

فقالوُا: إِنَ هذا الصبي وإنْ راقَكَ منه هَدْيُه، فإِنّه صبي لا معرفةَ له ولا فِقْهَ، فأَمْهِلْه ليتأَدَّبَ ويَتَفَقَّهَ في الدِّين، ثم اصْنَعْ ما تراه بعد ذلك.

فقالَ لهم: ويحْكُم إِنّني أَعْرَفُ بهذا الفتى منكم، وِإنّ هذا من أَهل بَيْتٍ عِلْمُهم من اللّه ومَوادِّه وإلهامه، لم يَزَلْ آباؤه أَغنياءَ في علمِ الدِّينِ والأدبِ عن الرعايا الناقصةِ عن حدِّ الكمالِ، فإنْ شِئْتُمْ فامْتَحِنُوا أَبا جعفرٍ بما يَتَبَيٌنُ لكم به ما وَصَفْتُ من حالِه.

قالوا له: قد رَضِيْنا لك يا أَميرَ (المواطنين) ولأنفُسِنا بامْتِحانِه، فخلِّ بيننا وبينه لنَنْصِبَ مَنْ يَسْأله بحَضْرَتِك عن شيءٍ من فِقْه الشريعة، فإِنْ أَصابَ في الجواب عنه لم يَكُنْ لنا اعتراض في أَمْرِه وظَهَرَ للخاصةِ والعامةِ سَديد رَأْي أَميرِ (المواطنين)، وإنْ عَجَزَ عن ذلك فقد كُفْينا الخَطْبَ في معناه.

فقالَ لهم المأمونُ: شأنَكم وذاك متى أَرَدْتُم.

فخَرجوا من عنده وأَجْمَعَ رَأيهُم على مسألةِ يحيى بن أَكْثَم وهو يومئذٍ قاضي القضاة على أَنْ يَسْألَه مسألةً لا يَعْرِفُ الجوابَ فيها، ووَعَدوهُ بأَمْوالٍ نفيسةٍ على ذلك، وعادُوا إلى المأمونِ فَسَأَلوه أَنْ يَخْتارَ لهم يوماً للاجتماع، فأَجابَهُم إلى ذلك.

واجْتَمَعُوا في اليوم الذي اتفَقوا عليه... فقالَ يحيى بن أَكثم للمأمونِ: يَأذَنُ لي أَمير (المواطنينَ) أَنْ أَسْأَلَ أَبا جعفر؟

فقالَ له المأمونُ: اسْتَأْذِنْه في ذلك، فاَقْبَلَ عليه يحيى بن أَكثم.

فقالَ: أَتَاْذَنُ لي - جُعِلْتُ فداك - في مَسْألَةٍ؟

فقالَ له أَبو جعفر (عليه السَّلام): (سَلْ إِنْ شِئْتَ).

قالَ يحيى: ما تَقولُ -جُعِلْتُ فداك- في مُحرِمِ قَتَلَ صَيْداً؟

فقال له أَبو جعفر: (قَتَلَه في حِلٍّ أَو حَرَم؟ عالماً كانَ المُحْرِمُ أَم جاهلاً؟ قَتَلَه عَمْداً أَو خَطَأ؟ حُراً كانَ المُحْرِمُ أَم عَبْدا؟ صَغيراً كانَ أَم كبيراً؟ مُبْتَدِئاً بالقتلِ أَمْ مُعيداً؟ مِنْ ذَواتِ الطيرِ كانَ الصيدُ أَمْ من غيرِها؟ مِنْ صِغارِ الصيد كانَ أَم كِبارِها مصُرّاً على ما فَعَلَ أَو نادِماً؟ في الليلِ كانَ قَتْلَهُ للصيدِ أَم نَهاراً؟ مُحْرِماً كانَ بالعُمْرةِ إذْ قَتَلَه أَو بالحجِّ كانَ مُحْرِماً؟).

فتَحَيَّرَ يحيى بن أَكثم وبانَ في وجهه الْعَجْزُ والانقطاعُ ولَجْلَجَ حتى عَرَفَ جمَاعَةُ أَهْلِ المجلس أمْرَه.. فقالَ المأمونُ: الحمدُ لله على هذه النعمة والتوفيقِ لي في الرأْي، ثم نَظَرَ إِلى أَهْلِ بَيْتِه وقالَ لهم: أَعَرَفتمُ الآنَ ما كُنْتُم تُنْكِرُونَه؟ ثم أَقْبَلَ على أَبي جعفر (عليه السَّلام) فقالَ له: أَتَخْطُب يا أَبا جعفر؟

قالَ: (نعم يا أميرَ المؤمنين).. فقالَ له المأمونُ: أُخْطُبْ -جُعِلْتُ فداكَ- لِنَفْسِكَ، فقد رَضيتُكَ لِنَفْسي وأَنا مُزَوِّجُكَ أُمَّ الفَضْل ابَنتي وِإن رَغَمَ قومٌ لذلك.

فقال أَبو جعفر (عليه السَّلام): (الحمد للهّ إِقراراً بنعمتِه، ولا إِلهَ إلا اللّه إِخْلاصاً لوَحْدانِيتهِ، وصَلىّ اللّهُ على محمّدٍ سيِّدِ بَرِيَّتِه والأصْفياءِ من عترتهِ.

أَمّا بَعْدُ: فقد كانَ من فَضْل اللّه على الأنام أَنْ أَغناهُم بالحلالِ عن الحَرامِ، فقالَ سُبْحانَه : (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، ثمَّ إِنَّ محمّد بن عليّ بن موسى يَخْطُبُ أُمَّ الفَضْلِ بنْتَ عبد اللهِّ المأمونِ، وقد بَذَلَ لها من الصَّداقِ مَهْرَ جَدَّتِه فاطمة بنت محمّد (عليهما السلام) وهو خمسمائة درهم جياداً، فهَلْ زَوَّجْتَه يا أَميرَ المؤمنين بها على هذا الصَّداقِ المذكور؟).

قالَ المأمونُ: نعم، قد زَوَجْتُك أَبا جعفر أُم الفضل ابْنَتي على هذا الصَّداق المذكور، فهل قَبِلْتَ النكاحَ؟

قالَ أًبو جعفر (عليه السَّلام): (قد قَبِلْتُ ذلك ورَضِيتُ به).

فاَمَرَ المأمونُ أَنْ يَقْعُدَ الناسُ على مَراتِبهِم في الخاصّةِ والعامةِ.

قالَ الريان: ولم نَلْبثْ أَنْ سَمِعْنا أَصْواتاً تُشْبِهُ أَصْواتَ المَلاحينَ في مُحاوَراتهم، فإذا الخدم يَجُرُّون سفينةً مَصْنُوعةً من فِضَةٍ مَشْدُودةٍ بالحِبالِ من الإبريسم على عَجلٍ مملؤةً من الغاليةِ، فأمَرَ المأمونُ أنْ تُخْضَبَ لِحَى الخاصّة من تلك الغاليةِ، ثُمَّ مُدَّت إِلى دارِ العامّة فطُيِّبوا منها، ووُضِعَتِ الموائدُ فأكَلَ الناسُ، وخَرَجَتِ الجوائزُ إِلى كُلِّ قوم على قدرهم، فلما تَفَرَّقَ الناسُ وبَقِيَ من الخاصةِ مَنْ بَقي، قالَ المأمونُ لأبي جعفر: إِنْ رَأيتَ - جُعِلْتُ فداك - أنْ تَذْكُرَ الفِقْهَ فيما فَصلْته من وُجُوه قَتْلِ المُحْرمِ الصيدَ لِنَعْلَمَه ونَسْتَفيدَه.

فقالَ أَبو جعفر (عليه السَّلام): (نعم ، إِنَ المُحرمَ إذا قَتَلَ صَيْداً في الحِل وكانَ الصَيْدُ من ذواتِ الطَيْرِ وكانَ من كِبارِها فعليه شاةٌ، فإِنْ كانَ أَصابَه في الحَرَم فعليه الجزاءُ مُضاعَفاً، وإذا قَتَلَ فَرْخاً في الحِلِّ فعليه حَمْل قد فُطِمَ منَ اللبن، وإذا قَتَله في الحرم فعليه الحمْلُ وقيمةُ الفَرْخِ، وإن كانَ من الوحْشِ وكانَ حمارَ وَحْشٍ فعليَه بَقَرَةٌ، وِإن كانَ نَعامةً فعليه بدنة، وإن كانَ ظَبْياً فعليه شاةٌ، فإِن قَتَلَ شَيئاً من ذلك في الحَرَمِ فعليه الجزاءُ مُضاعَفاً هَدْياً بالغَ الكعبةِ، وِاذا أَصابَ المُحْرِمُ ما يجب عليه الهَدْي فيه وكانَ إِحْرامُه للحجِّ نَحَرَه بمنى، وإن كانَ إِحرامُه للعُمْرة نَحَرَه بمكّةَ، وجزاءُ الصَيْدِ على العالِم والجاهِل سواء، وفي العَمْدِ له المأثَمُ، وهو موضوعٌ عنه في الخَطَأ، والكفّارةُ على الحرِّ في نفسه، وعلى السيد في عبدِه، والصغيرُ لا كفّارةَ عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادِمُ يَسْقُطُ بنَدمِه عنه عقابُ الآخِرَة، والمُصِرُّ يجب عليه العقابُ في الآخِرَةِ).

فقالَ له المأمونُ: أَحْسَنْتَ -أَبا جعفر- أحْسَنَ اللهُ إِليك، فإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَسْألَ يحيى عن مسألةٍ كما سَأَلك.. فقالَ أَبو جعفر ليحيى: (أَسْأَلُك؟).

قالَ: ذلك إِليك -جُعِلْتُ فداك- فإِنْ عَرَفْتُ جوابَ ما تَسْأَلُني عنه وإلا اسْتَفَدْتُه منك.

فقالَ له أَبو جعفر (عليه السَّلام): (خَبِّرْني عن رجل نَظَرَ إِلى امْرأةٍ في أَوّل النهارِ فكانَ نَظَرُه إِليها حراماً عليه، فلمّا ارْتَفَعَ النهارُ حَلَتْ له، فلمّا زالَتِ الشمسُ حَرُمَتْ عليه، فلمّا كانَ وَقْتَ العصرِ حَلَّتْ له، فلما غَربتَ الشمسُ حرُمتْ عليه، فلما دَخَلَ عليه وَقْتُ العشاءِ الآخرةِ حَلَّتْ له، فلمّا كانَ انْتِصاف الليلِ حَرُمَتْ عليه، فلما طَلَعَ الفجرُ حَلَّتْ له، ما حالُ هذه المرأة وبماذا حلَتْ له وحَرُمَتْ عليه)؟.

فقالَ له يحيى بن أكثم: لا واللهِ ما أَهْتَدي إِلى جواب هذا السؤالِ، ولا أعَرِفُ الوجهَ فيه، فإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُفيدَناه.

فقالَ له أَبو جعفر (عليه السَّلام): (هذه أمَةٌ لرجلٍ من الناسِ نَظَرَ إِليها أجنبيٌّ في أَوّل النهارِ فكانَ نَظَرُه إِليها حراماً عليه، فلمّا ارْتَفَعَ النهار ابْتاعَها من مولاها فحلَّتْ له، فلمّا كانَ الظهرُ أَعْتَقَها فحَرُمَتْ عليه، فلمّا كانَ وَقْتُ العصرِ تَزوَّجَها فحَلَّتْ له، فلمّا كانَ وَقْتُ المغرب ظاهَرَ منها فَحرُمَتْ عليه، فلمّا كانَ وَقْتُ العشاءِ الآخرةِ كَفَّرَ عن الظِهارِ فَحلَتْ له، فلمّا كانَ نصفُ الليل طَلَّقها واحدةً فَحرُمَتْ عليه، فلمّا كانَ عند الفَجْرِ راجَعَها فحلَتْ له).

قالَ: فأَقْبَل المأمونُ على مَنْ حَضَرَه من أَهْل بيته فقالَ لهم: هل فيكم أحدٌ يجُيبُ عن هذه المسألةِ بمِثْل هذا الجواب، أَو يَعْرفُ القولَ فيما تَقَدَّم من السؤالِ؟!

قالوُا: لا واللهِ، إن أَميرَ (المواطنين) أعْلَمُ وما رَأى.

فقالَ لهم: ويَحْكم، إِنَّ أَهْلَ هذا البيتِ خُصُّوا من الخَلْقِ بما تَرَوْنَ من الْفَضلِ، وإن صِغَرَ السِنِّ فيهم لا يَمْنَعُهُمْ من الكَمالِ، أَما عَلِمْتمْ أَنَّ رسولَ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ) افْتَتَحَ دَعْوَتَه بدعاءِ أَميرِ المؤمنين عليِّ بن أَبي طالب (عليه السلامُ) وهو ابن عَشْرِ سنينَ، وقَبِلَ منه الإسلامَ وحَكَمَ له به، ولم يَدْعُ أَحَداً في سنِّه غيره، وبايَعَ الحسنَ والحسينَ (عليهما السلام) وهما ابنا دونَ الستّ سنين ولم يبايِعْ صبيّاً غيْرَهما، أَفلا تَعْلَمونَ الأن ما اخْتَصَّ اللهُ به هؤلاءِ القومَ، وأَنهُم ذريّةٌ بَعْضُها من بعضٍ، يَجْري لآخِرِهم ما يَجْري لأوَلِهم؟!

قالوُا: صَدَقْتَ يا أَميرَ (المواطنين)، ثمَّ نَهَضَ القَوْمُ). (من حياة الإمام الجواد (ع): ص135)

نعم؛ هكذا هم أئمة المسلمين من آل محمد (ص) والمأمون وأهل بيته العباسيين كانوا يعرفون ذلك جيداً ولكن كانوا جبناء ويخافون أن يخسروا الخلافة والحكم من بيتهم، ولكن أهل البيت (ع) هم حكام على القلوب والأرواح كما قال لهارونهم الإمام موسى الكاظم (ع).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3