ذكر العلامة المحقق المرحوم السيد محمد كاظم القزويني(قدس سره) في موسوعته القيمة – الإمام الصادق (ع) – أسماء أكثر من خمسة آلاف من الرواة ممن تتلمذوا في مدرسته المباركة، وهذا إن دل فإنما يدل على أن الإمام (ع) كرس جل اهتمامه لهذا المحور و صرف نظره عن جميع القضايا الأخرى –وتحديدا الخلافة –وركز جل اهتمامه للثورة العلمية فقط، في حين كانت هناك فرص مؤاتية كثيرة لاستلام الحكومة والخلافة لم تتح لغيره من الأئمة(ع).

فلماذا رفض الإمام (ع) عرض أبي سلمه الخلال وذلك الخراساني الذي دعاه إلى القيام، لوجود المناصرين له؟ ألم يكن العرض فرصة فريدة لاستلام الحكم واعادة الحق إلى نصابه وتطبيق أحكام السماء؟!.

ولماذا اتخذ الإمام (ع) مواقف سلبية من بعض الانتفاضات الشيعية، ألم تكن هذه الثورات تحمل نفس الشعارات والأهداف التي ينادي بها أهل البيت (ع)؟.

ثم هل إن معيار الأفضلية بين إمام وإمام - كما يحلو للبعض هذا التعبير – ينحصر بين القائم منهم والقاعد؟ حتى يتجاسر البعض ويتطاول على مقام الإمامة والولاية ويقول بأن بعض زعماء الثورات (ويحدد أسماء معينة) لهم فضل كبير على الإسلام وهو يعلو على فضل بعض الأئمة (ع)، فالذي يتمكن من تأسيس دولة أفضل من ذلك الذي لا يتمكن أو يفشل – حسب تعبيره -، ويضيف بأن الإمام الصادق (ع) لم يقدم للإسلام غير حوزة علمية لا يزيد طلابها على الأربعة آلاف شخص، في حين أن بعض الثورات استطاعت أن تؤسس دولة عظيمة، فمن هو الأفضل يا ترى؟!.

وكم كنا نحبذ أن نسمع الرد على هذا الشخص من بعض الأقلام المعروفة بولائها لأهل البيت (ع) ليحفظه التاريخ بفخر ويكون درسا لكل من تسول له نفسه التطاول على بيت العصمة والطهارة، ومع الأسف الأيام تسري وليس من صوت يعلو على ذلك الصوت المتجاسر - ظلماً وجهلاً - على أهل البيت (ع).

ونحن بهذا المقال المتواضع قد نؤدي بعض الواجب وإلا فحقوق أهل البيت (ع) علينا كثيرة لا يمكن أداؤها وان طال بنا الزمان.

عدم واقعية العرض..

1- إن العروض التي قدمتها بعض الاطراف لم تكن واقعية ولاجدية من بدايتها، فالخلال مثلا رجل سياسي غير موالي ولا يحمل ذرة إخلاص في عرضه، ولا يعير للموازين الشرعية أي اهتمام، ولو كان صادقا في عرضه لاختصر اتصالاته مع الإمام فقط ولم يراسل عبد الله بن الحسن المعروف بالمحض، وشخص كالخلال الذي أجرى الأمور لصالح بني العباس وهو يعلم انهم طلاب سلطة وسطوة لا يؤمن جانبه، لذلك أراد أن يتخذ من الإمام أداة لتمرير سياسته والحفاظ على مركزه ومصالحه ولا غير(1).

الأمور غير مهيأة

2- القائد هو من يشخص وقت التحرك وساعة الصفر وليس الآخرون، والإمام (ع) كان يرى أن الأمور لم تكن مهيأة للعمل السياسي والعسكري لا من الجوانب المعنوية ولا من الجوانب المادية، لذلك حرق الإمام رسالة الخلال قبل أن يقرأها، ولو تحرك الإمام في ذلك الوقت لكانت نتائج تحركه وفائدتها من نصيب الآخرين أي بني العباس، ولكان مصيره كمصير الخلال والخراساني حيث قتلا بعد أن استتب الأمر للعباسيين، فكانا جسرا لغيرهم والإمام لا يريد ذلك لانه كان يعرف النتيجة وما تؤول إليه الأحداث، وقد أفصح عنها قبل حصولها عندما تمثل بشعر للكميت بن زيد بحضور رسول الخلال :

أيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها ويا حاطبا في غير حبلك تحطب(2).

خدعة ومؤامرة..

3- كثيرة هي المؤامرات التي حيكت للإمام الصادق ولغيره من الأئمة (ع) ولا يستبعد أن تكون هذه واحدة من مؤامراتهم وخدعهم لتوريط الإمام وزجه في مسائل سياسية هو في غنى عنها -في ظروفها– أو انها جس نبض لموقف الإمام والعلويين لمعرفة نواياهم وخططهم الحالية والمستقبلية ليسهل عليهم احتواؤها أو ضربها في وقت ما، كما لا يستبعد أن تكون جميع الرسائل التي وصلت إلى الإمام سرا وعلنا، والوفود التي قدمت إليه ضمن مخطط دقيق حيك في الغرف والكواليس العباسية، وإلا كيف يعلم بالرسالة ومحتواها أبو مسلم الخراساني وهو البعيد عن الأحداث – في إيران – ولا يعلمها من كان قريبا في الكوفة أو بغداد. ثم لماذا يقتل رسول الخلال ولا يقتل الخلال نفسه، أليس هناك عناية خاصة من قبل العباسيين على الراسل والمرسول؟.

فقدان الناصر الحقيقي

4- من الناحية الكيفية : لنقل أن الذين راسلوا الإمام وقابلوه يحملون بغضا وحقدا لبني أمية جراء ما أصابهم من اضطهاد وتعسف وظلم، ولكن هذا لا يعني بان يكون هؤلاء جميعهم وحتى بعضهم أداة طيعة بيد الإمام ليبدأ تحركه، فالغالبية منهم إذا لم نقل كلهم لهم مصالح وغايات ذاتية ودنيوية لايمكن أن يتنازلوا عنها أو يضحوا لغيرهم، ولو أراد الإمام حقا القيام ودعاهم لخالفوه وعارضوه وربما حاربوه بدل أن يحاربوا الأمويين، وقصة ذلك الخراساني الذي طلب منه الإمام الجلوس في التنور خير ما يدعم هذا الرأي.

ومن الناحية الكمية : العدد المطلوب للتحرك والقيام بالثورة المسلحة لم يكن متكاملا ولا حتى متوفرا بأدنى درجاته، وقد أشار الإمام (ع) إلى ذلك في جملة من الأحاديث وفي غير مناسبة.

فلتان أمني وهيجان عاطفي..

5- الفترة التي سبقت وصول العباسيين إلى الحكم فترة فلتان أمني وسياسي وهيجان عاطفي لايمكن السيطرة عليه بسهولة، فالكل لهم أحقاد وثارات على بني أمية وأعوانهم ويريدون استيفاءها منهم بأي صورة كانت بغض النظر عن الموازين الشرعية، والإمام بهذا الجو الملبد بالفوضى وعدم الاستقرار والانتهاكات المستمرة إن قام أو تحرك لكانت جميع السلبيات والمثالب التي يقوم بها الآخرون تحسب عليه، ولأصبحت تلك الحالة سنة يتخذها أصحاب النفوس الضعيفة وسيلة لتمرير غاياتهم الدنيئة، فعدم قيام الإمام (ع) بالثورة الدموية قد أغلق الباب أمام انتهاكات ومحرمات أراد البعض تسجيلها في حساب أهل البيت (ع).

والملفت للنظر أن البعض ممن قام بثورة أو اشترك بانقلاب لم يول هذا الجانب أي اهتمام يذكر، فانتهكت في زمنه وبعده مختلف المحرمات بحجج وأعذار واهية، وليت البعض سكت وأعلن عدم علمه بما جرى ويجري لتكون المصيبة أقل هوناً، بل العكس بعضهم مجد وبارك تلك المحرمات واعتبرها أموراً لابد وأن تحدث في كل ثورة ولا يمكن تحاشيها، اعتمادا على ما قاله زعماء الانقلابات الثورية في القرن الأخير، ولو كان عندهم مثال واحد من أهل بيت العصمة والطهارة (ع) لقالوا: ولنا في الإمام الصادق أسوة حسنة، وببعد نظر الإمام أغلقت كل منافذ التجري عليهم صلوات الله عليهم أجمعين.

الناس مع الباطل..

6- مع قلة الأعوان وفقدان الناصر لا يستطيع الإمام مهما أوتي من قوة وقدرة أن ينهض لوحده ويستمر بالمهمة بمفرده، في الطرف المقابل هناك تخطيط دقيق يقوم به (الأخوة الثلاثة) (إبراهيم الإمام، أبو العباس السفاح، وأبو جعفر المنصور) وبمساعدة (أبو سلمه الخلال) في العراق و(أبو مسلم الخراساني) في إيران للاستحواذ على السلطة بأي ثمن كان وبأي وسيلة كانت وان أدت إلى هتك الأعراض وإزهاق النفوس، ومن الطبيعي أن من لا يتورع في أي شيء ويستخدم كل وسيلة وأداة لتحقيق غاياته سوف يصل قبل غيره، بينما الذي يراعي الموازين الإلهية ولا يحيد عنها قيد أنملة ربما يصل متأخرا باعتبار أن الناس يميلون إلى الباطل غالبا وخصوصا في ذلك الزمان، لذلك امتنع الإمام عن الدخول في هكذا متاهات لان فائدتها ستكون في النهاية إلى غيره، ويكون (ع) قد أعان الظالم في ظلمه وحاشاه وهو المنادي بمقاطعة الظلمة وعدم القرب منهم.

لا يطلب النصر بالجور..

7- الإمام (ع) لا يطلب النصر بالجور، ولا يريد الحكم على حساب المبادئ، وهذا طريق قد خطه أهل البيت (ع) والتزموا به على طول الخط، ومن غير الممكن أن يتعاون الإمام (ع) مع من تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء، لذلك كان جواب الإمام لرسول الخلال واضحاً لا لبس فيه، فرجل مثل هذا النمط لا يستحق أي اهتمام ولا حتى مطالعة رسالته فقطع (ع) بذلك أي محاولة أخرى للاتصال به ثانية

الظروف مع الثورة العلمية..

8- ليس كل الطرق منحصرة في الثورة الدموية أو المطالبة بالحكم فقط، فالطرق الأخرى قد لا تقل أهمية في بعض الظروف، وقد تعطي نتائج مشابهة وربما اكثر استراتيجية على المدى البعيد وخصوصا إذا كان هناك أكثر من عدو حيث يكون التأني لازما لمقارعة المتربصين بالإسلام وكسر شوكتهم، فالثورة العلمية التي أطلقها الإمام الصادق (ع) لا يمكن مقايستها مع ثورة الإمام الحسين (ع) فلكل ثورة ظروفها الخاصة بها ولو كان الإمام الحسين (ع) في زمن الإمام الصادق لانتهج نفس الأسلوب ولكانت كتبنا وحوزاتنا تقول: قال الحسين... قال الحسين (ع)...

مواجهة الزنادقة والملاحدة..

9- عرفت الفترة التي عايشها الإمام الصادق (ع) بفترة ازدهار موجات الإلحاد والتصوف، والفرق الضالة، والتضليل الإعلامي المدروس الذي تبنته المدرسة العباسية للوقوف أمام الخط الأصيل للإسلام والمتمثل في أهل البيت (ع)، يضاف إلى ذلك ظهور مدارس الرأي والقياس التي تحولت فيما بعد إلى مذاهب وفرق، وفي هذا الجو الصاخب من الموجات المتضاربة والحركات المتعارضة وظهور طاغي وظاهر للزنادقة والملاحدة، لو تفرغ الإمام (ع) لبناء التشكيلات الخاصة للقيام بالثورة المسلحة، أو التفرغ للعمل السياسي والمطالبة بالخلافة والحكومة، ربما تنعدم كل فرصة للوقوف أمام ذلك المد الرهيب من الأفكار المنحرفة والشاذة، ولربما طغت تلك الهجمة العلمية الشرسة وانتشرت، وربما قضت على كل الثوابت والعقائد الحقة.

ومن غير المستبعد أن يكون الإمام (ع) قد أعطى الأولوية لمواجهة هذا الخطر المحدق بالإسلام على غيره من المسائل الأخرى، لاعتبارات استراتيجية بعيدة المدى لا يعرف خطرها غيره (ع) وهو سيد العارفين بجميع القضايا.

وهل يحق لنا أن نتهم الإمام (ع) بترك الأولى وهو الوحيد القادر على تحديد الأولى رغم تشابك مختلف الظروف عليه؟

ترسيم معالم النظام الإسلامي..

10- قيل بدل أن تعطي الجائع سمكة علمه الصيد، والإمام الصادق (ع) بدل أن يعطينا دولة وحكومة قد لا تستمر طوال حياته الشريفة، أعطانا منهاجا متكاملا للحكومة، ورسم لنا معالم النظام السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي و...لكل دولة يراد إقامتها، ومن الطرف الأخر بيّن لنا ولاة الجور والظلمة وكيفية التعامل معهم أو مواجهتهم، وهو بعمله هذا فضح النظام العباسي القائم في ذلك الوقت واعتبره ليس شرعيا ولايمت إلى الإسلام بصلة، واعتبر أي نقطة تواصل مع الأنظمة المستبدة اشتراكاً معها في الظلم والعذاب، كما اعتبر أي نظام يأتي للحكم ولا يطبق المعالم التي رسمها (ع) وحددها، خروجاً عن الإسلام وتعدياً على الحقوق الخاصة والعامة.

وما يلاقيه شيعة أهل البيت (ع) اليوم من ظلم وتعسف، مردّه تمسكهم بالتعاليم التي نادى بها الإمام الصادق (ع)، وطالب بالأخذ بها عند الحكم على أي نظام سياسي أو التعامل مع أية حكومة.

ثم إن الإمام (ع) عندما لم يطلب الحكم لظروف يراها دون غيره فانه بيّن معالم الحكم والحكومة لغيره، عله يستطيع في وقت ما أن يأخذ بها أو يعمل على هداها، وهذا ما يشاهد جليا في بعض الدول الشيعية التي قامت في فترات مختلفة من التاريخ.

يدعو للتغيير الشامل..

11- مع قلة الأعوان والأتباع وانعدام الكوادر الكفوءة والمخلصة التي تستطيع تمشية الأمور وادارة الأعمال، فان الحصول على الحكم والاستمرار به يكون بحكم المستحيل، وإذا أراد الإمام أن يقوم والحالة هذه يقع بين محذورين، إما الدخول إلى ساحة العمل بمفرده ونتيجته إلقاء النفس بالتهلكة، أو الاستعانة بالكوادر السابقة ورجالات العهد القديم، وبهذا العمل يكون الإمام قد غير رأس السلطة فقط ولم يحصل على التغيير الذي يريده ويطلبه؛ لذلك فضل (ع) الاستغناء عن السبيلين لمعرفته بنتيجتهما النهائية، والاعتماد على السبيل الأسلم والذي تكون نتائجه مضمونة وآثاره مشهودة إلى يومنا الحاضر.

تعرية العباسيين..

12- الإمام (ع) قد يتفق مع اؤلئك الذين ثاروا وتحركوا ضد الظلم والاستبداد الأموي، ولكنه (ع) يختلف معهم في الغايات، فهو لا يريد الحكم لأجله وإنما لتطبيق منهاج السماء، وإذا أراد أن يقوم ضد العباسيين وهم لم يصلوا بعد إلى الحكم لربما ثارت ثائرة الناس ضده باعتبار أن هؤلاء عناصر الحكم الجديد رجال حق وطلاب عدالة يريدون رفع الظلم واعادة الحق إلى نصابه – الرضا من آل محمد – ولم تظهر عليهم بوادر المطالبة بالحكم لأنفسهم، وهذا ما يجعل الناس تنحو نحوهم وترفض الأحكام المسبقة عليهم وان كانت صادرة عن الإمام الصادق (ع)، فكيف يريد الإمام أن يؤلب الناس عليهم ومثالبهم لم تطفوا بعد على السطح؟، أليس هناك من يقول بان الإمام تعجل في الحكم عليهم قبل أن يشاهد منهم بادرة سوء؟.

مقاومة مستمرة..

13- الأئمة (ع) والإمام الصادق تحديداً وفي أحلك الظروف وأدقها إرهاباً وتجبراً، لم يتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتراهم يستغلون كل فرصة لفضح الحكام وإظهار معايبهم ومثالبهم للعامة والخاصة، ولم يتركوا أي دليل يحسب عليهم، ومع ذلك لم يخلصوا من جور الظلمة وبطشهم فما منهم إلا مقتول أو مسموم، لذلك يحار المنصور العباسي كيف يتعامل مع الإمام وهو لم يجد بعد أي مستمسك يشير إليه لا من قريب ولا من بعيد، فيقول عنه : (هذا – إشارة إلى الإمام الصادق (ع) – قد أحالني على بحر مواج، لا يدرك طرفه، ولا يبلغ عمقه، تحار فيه العلماء، ويغرق فيه السبحاء، ويضيق بالسابح عرض الفضاء، هذا الشجى المعترض في حلوق الخلفاء، الذي لا يجوز نفيه، ولا يحل قتله...)(3).

فالإمام (ع) إذا لم يتحرك عسكريا لظروف هو أعرف بها فهو لم يبتعد عن ساحة العمل السياسي غير المباشر، ولم يختر طريق الانزواء، ولم يضع نفسه في صفوف الحكومات الظالمة أو المتعاونين معهم، وإنما بقي شوكة في عيونهم وشجى معترضا في حلوقهم إلى أن قتل مظلوما

دعم الحركات النهضوية..

14- عدم تحرك الإمام عسكريا، وعلمه بفشل الانتفاضات التي ستقوم ضد النظامين الاموي والعباسي، لايعني بأي حال انه (ع) كان يفضل الراحة والجلوس وتثبيط عزائم الآخرين أو منعهم من الاعتراض والنهوض، بل كان (ع) يعطي الدعم المعنوي اللازم سرا لبعض الجهات المعارضة والمناهضة للحكمين الأموي والعباسي، وكان يدعو بعضها للالتزام بالموازين الشرعية، ويعتبر أي تحرك ضد حكام الجور هو بمثابة حائل يقف دون تجبرهم ومانعا أمام اتخاذ المزيد من القرارات الخاطئة، وعاملا لاضعاف الظلمة وسقوطهم، كما هو شغل شاغل لهم يمنع تحركهم على كل الجبهات، ويعطي الإمام وغيره فسحة للعمل والتحرك بدون إزعاج أو مراقبة.

أما أولئك الذين يدّعون بأن الإمام (ع) وقف حائلا أمام الانتفاضات الشيعية والحركات الثورية وثبّط عزائمها، ولم يعطها الدعم المطلوب والشرعية اللازمة، فهو كلام لا يستند إلى دليل أو حجة، بل هناك ما يثبت عكس ذلك، فقد أولى الإمام عناية خاصة لثورة زيد رضوان الله عليه وافرد لها عدة عناوين :

منها : تشجيع زيد على التحرك والقيام، وعندما استشاره قال : ويل لمن سمع واعيته فلم يجب(4).

ومنها : حث الناس ودفعهم لنصرته والوقوف معه في ثورته ضد الحكومة الاموية(5).

ومنها : ترحمه (ع) على زيد وأتباعه عندما سمع بمقتلهم.

ومنها : تقديم المساعدات لعوائل الذين استشهدوا مع زيد.

ومنها : دفاعه عن زيد وتبرئته من تهمة الدعوة إلى نفسه، فقد حدث العيص بن قاسم فقال : سمعت أبا عبد الله يقول : إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد، فإن زيداً كان عالما وكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه(6).

نعم؛ الإمام (ع) لم يعط الشرعية لبعض الحركات لانه كان يرى ظواهر غريبة لا تمت إلى الإسلام بصلة وغايات مشوبة بالمصالح الذاتية والأهداف الخاصة، فلم يتهاون في الوقوف أمامها لكي لا تكون ذريعة لمن يأتي بعده ويتمسك بها لتمرير خططه وأهدافه فهو (ع) لم يؤيد أو يدعم زعماء الكيسانية ولا عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب(7) لأنهم دعوا إلى أنفسهم، وكذلك لم يساند أو يبايع محمد ذي النفس الزكية لأنه قام بثورته على أساس أنه صاحب الحق، ودعا الناس إلى نفسه(8).

أهمية المحاور الأخرى..

15- عند مجيء الأمويين كانت الخلافة والحكومة كل شيء، لذلك كان القيام هو العنصر الراجح والمطلوب، ولكن في زمن الإمام الصادق (ع) كانت الخلافة والولاية – أو العمل المسلح تحديدا - جزءاً ومحورا من محاور عدة تختلف نسبها وأهميتها وأولويتها نظرا لتعاظم الأخطار الأخرى المحدقة بأصل الإسلام، ومن الطبيعي أن تكون المحاور الأخرى مجتمعة مقدمة على محور العمل المسلح، لظروف ذلك الزمان ومتطلباته.

ربما يرى البعض أن العمل المسلح والوصول إلى القدرة السياسية هو الباب الوسيع الذي يوصل إلى باقي الأهداف والمحاور الأخرى، فنقول أنه طريق غير مضمون دائما، وفيه محاذير شرعية كثيرة، بينما المحاور الأخرى طرقها مفتوحة وسالكة وتعطي ثماراً استراتيجية بعيدة المدى لكل الأجيال القادمة

منهل لجميع الثورات..

16- جميع الثورات والدول الشيعية التي قامت قديماً وحديثاً استمدت أصولها ومناهجها وأساليبها من فكر وعلوم الإمام الصادق (ع)، باعتباره الإمام الوحيد الذي عاش أطول فترة زمنية، وأعطى كماً هائلاً من الفكر والثقافة والعلم يفوق ما جاء من بعض الأئمة (ع) مجتمعين، ولولاه ربما لم نشهد أي نموذج لدولة شيعية على طول التاريخ – بغض النظر عن الاشكالات التي تقال عن هذا النموذج أو ذاك -.

أما أن يأتي من يدعي أنه ينتمي لمدرسة الإمام الصادق (ع) ويتجاسر عليه، لأن آخرين وصلوا إلى الحكم ولم يصل هو، فهذا عدم فهم وعدم معرفة بتاريخ الإمام والتأثيرات العميقة التي أوجدها على مختلف المسارات الشيعية وعلى طول التاريخ. ثم كيف ينكر فضل الإمام الصادق (ع) من تغذى بفكره ونهجه ووصل إلى ما وصل بفضل مدرسته؟.

ولماذا هذا التطرف والتعصب لأشخاص لا يتمتعون بالنزاهة، وعليهم ما عليهم من الاشكالات السياسية والفكرية؟، ولماذا نحن دائما نقارن الأشخاص العاديين بأئمة الطهر والنزاهة والعصمة؟..

البعد التاريخي لثورة الطف..

17- لاشك بأن الإمام الحسين (ع) أحيا أمة جده بنهضته، وأن اخته زينب سلام الله عليها أطلقت صوت الثورة وأوصلته إلى مختلف البقاع، ولكن الذي بيّن الثورة وأوضح أهميتها وكشف قيمها الواقعية، وآثارها المستقبلية على مختلف الصعد، هو الإمام الصادق (ع)، فالأخبار التي وصلتنا عن واقعة الطف، وما جرى في كربلاء قد يكون معظمه ورد عنه (ع)، وبمعنى آخر أن الإمام الصادق (ع) هو الذي أعطى لنهضة الإمام الحسين (ع) بعدها التاريخي وعمقها المعنوي في نفوس المسلمين.

إن بني أمية استطاعوا خلال السنوات التي تلت واقعة كربلاء بناء سياج تعتيمي رهيب على النهضة الحسينية، فحاصروا كل صوت يشير إليها، وأماتوا كل عمل يمكن أن يحافظ على حرارتها واستمراريتها، ولولا الإمام الصادق (ع) لكانت صورة نهضة عاشوراء وما جرى في كربلاء ربما غير ما عندنا اليوم من شعائر حسينية وممارسات نهضوية.

بلورة الفكر الشيعي..

18- يتفق الجميع على أن النبي(ص) هو الذي أرسى دعائم التشيع، وهو الذي أفرز خطوط الموالاة لأهل البيت (ع)، وأول من استخدم اصطلاح التشيع في الكثير من أحاديثه التي تشيد بعلي واتباعه، وقد أوردتها مختلف كتب المسلمين.

أما الذي ثبّت أصول التشيع، وبلور أفكاره، وأوضح مناهجه، وبيّن خصوصياته، فهو الإمام الصادق (ع)، وإلى هذه النقطة تحديدا يعود سبب طبع المذهب الشيعي بطابعه (ع)، فيقال هذا جعفري نسبة إلى جعفر الصادق (ع) الذي استطاع أن يترك آثاره على جميع الخطوط والمنحنيات الشيعية.

ولا نبالغ إذا قلنا أن ما لدينا من علوم اليوم يرجع الفضل بها إلى الإمام الصادق (ع) لأنه المنبع الأصيل لجميع العلوم والثقافات والذي تغذت منه مختلف الخطوط والاتجاهات.

القوانين التفصيلية..

19- وكذلك استطاع الإمام (ع) أن يضع التفاصيل الدقيقة، والخطوط العريضة لكليات الإسلام وأساسياته، ومراجعة سريعة لكتاب الوسائل فقط تكشف لنا الكم الهائل من الأحاديث (القوانين) التي جاءت عنه (ع).

استغلال الفرصة..

20- يعبر أسد حيدر عن الفترة التي عاشها الإمام الصادق (ع) بـ(فترة الشيخوخة الأموية والطفولة العباسية) وهي فرصة طويلة نوعاً ما لا يجب أن تذهب سدى، فاستغلها الإمام بدقة وحذر، واستطاع من خلالها أن يعطي من العلوم ويوضح من الأحكام والشرائع ما لم يستطع غيره من الأئمة (ع) تبيانه في حياتهم التي تميزت بمراقبة ومحاربة وتشدد رهيب من حكام زمانهم.

فكان من الطبيعي أن يستغل الإمام (ع) هذا الظرف الاستثنائي وينطلق بثورته العلمية تاركا الثورة المسلحة لمن يأتي بعده أو للآخرين الذين يستهويهم هذا النمط من العمل فقط وفقط..

واستغلال ما تركه الآخرون..

21- من غير المعقول أن يدلي الإمام بدلوه ويدخل ساحة المعركة السياسية والعسكرية والصراعات المسلحة بين مختلف الاتجاهات القائمة على قدم وساق، المنطق والحكمة تقتضيان بأن يستغل الإمام الساحات الأخرى التي ابتعد عنها الآخرون ويوظفها جيدا لتحقيق ما يصبو إليه.

ومن هذا المنطلق ولأجل إيقاف الإمام عند حده، حيث ذاع صيته في الآفاق وانتشرت علومه في الأصقاع، عملت السلطات الحاكمة على تشجيع وإسناد الفرق والمذاهب المخالفة لأهل البيت (ع) علها تتمكن من أن تفعل شيئا أمام الانتشار السريع للفكر الشيعي. ولم يحدثنا التاريخ عن فرصة كهذه وصل فيها عدد الطلاب في دورة واحدة إلى اكثر من 4000 شخص.

غياب السرّية..

ليس هناك أي دليل قاطع على عدم وجود مخطط عند الإمام للتحرك العسكري، ربما في بعض الفترات أخِّر، ولكن في ظروف كثيرة وصل إلى ذروة الانفجار، غير ان البعض لم يتمالك نفسه عن إعلانه، ولعلّ وجود عدد كبير من الاحاديث التي تحث على السرية والتقية في العمل يعود إلى إخلال أصحابه ببعض الأسرار وإفشائهم ما لا يجب إفشاؤه.

وفي كلامه لابن النعمان ما يشير صراحة إلى هذا المطلب فيقول (ع) : فلا تعجلوا فوالله لقد قرب هذا الأمر ثلاث مرات فاذعتموه، فأخره الله. والله مالكم سرّ إلا وعدوكم اعلم به منكم(9)

وأخـيرا:

نقول: ما أوردناه هنا ربما يكون جزءاً من العلة التي جعلت الإمام الصادق (ع) ينحو هذا النحو، وإلا فهو إمام معصوم لا يفكر أو يعمل إلا بما يرضي الله سبحانه، أما ما يقول عنه الآخرون ومسائل الربح والخسارة فقد لا تخطر في ذهنه وإذا مرت فليس لها مرتبة إلا المؤخرة.

ومشكلة البعض منا هي أنه عندما يقدم على عمل ما لا يفكر إلا بمسائل الربح والخسارة المادية ويعتبرها من أولويات العمل متناسيا أن هناك خالقا مطلوبا رضاه أولا وأخيرا.

* مقال منشور في مجلة النبأ-ربيع الأول 1422/حزيران 2001

.............................
الهوامش:
(1) ذكر المسعودي أن الإمام الصادق (ع) قال لرسول الخلال محمد بن عبد الرحمن (ما أنا وأبو سلمه؟ وأبو سلمه شيعة لغيري) مروج الذهب ج 3 ص 254، كما إنه (ع) رفض عرض الخراساني قائلا له: (ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني) الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 154.
(2) أنظر مروج الذهب ج 3 ص 254.
(3) أمالي الصدوق 491.
(4) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 226.
(5) انظر تاريخ الطبري ج 7 ص 181.
(6) روضة الكافي ج 8 ص 220.
(7) انظر الكامل في التاريخ ج 5 ص 5 – 7.
(8) أصول الكافي ج 1 ص 362.
(9) تحف العقول ص 229.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0