من المسائل المهمة التي دأب الإداريون على إدراجها في طرق المحافظة على الوقت وادارته، مسألة تفويض (القدرة).. (السلطة).. (الصلاحيات).. (الأعمال).. (القرارات)، وبعبارة أخرى توزيع المهام والمسؤوليات على المستويات الأدنى، والتعامل معهم وفق شروط واطر تفضي إلى ترقية العمل وتقدمه، واختزال الوقت وبرمجته، والاستفادة من فائض الوقت في تسريع ما تكدس من أعمال وبرامج أخرى.

والذي لا شك فيه أن الوقت عامل أساسي في جميع مجالات الحياة وتشعباتها، فقضايا الإنتاج، وبرامج التنمية، والخطط المرحلية والاستراتيجية هي في المقام الأول قضايا وقت لا يمكن التهاون فيها أو إغفالها، لان ذلك يعني الفشل في ما رسمناه، والتراجع والتخلف عما وصل إليه الآخرون، فالحاجة ملحة للتعامل مع الوقت على انه المورد الذي لابد من استثماره بصورة مطلوبة وصحيحة لتحقيق النتائج المرضية والوصول للغايات المنشودة.

فالوقت حقا هو (الحياة) بما تحمل الكلمة من معان، لذا حري بنا أن نحافظ على مادة ا لحياة ونكشف الأساليب والتقنيات الحديثة التي تعمل على توسعة الوقت، وتساعد على إنهاء الأعمال في اقصر زمن ممكن، وحري بنا أيضاً أن نتعامل معه كمورد شأن غيره من الموارد ـ بل اكثر أهمية منها ـ التي تساعد على التخطيط والتنظيم والرقابة.

فإذا أدركنا بان الوقت ليس له إمكانية الزيادة والإطالة، وليس بإمكانه العودة إلى الوراء، فيلزم حينئذ إيجاد مخرج واقعي يمنع بروز أية مشكلة، أو تخطي للوقت المتاح والمحدد لأي برنامج أو مشروع، وبتعبير أدق كيف نجعل من الوقت يعمل لصالحنا لا ضدنا؟ والإجابة تتلخص في عبارة واحدة فقط (يجب أن نعمل بطريقة أذكى، لا بمشقة أكثر)، فكثرة العمل وطول الوقت قد تكون مهلكة للعاملين وخسارة للأغراض والمعدّين، في حين تكون طريقة العمل وأسلوب إدارة الوقت هي الأولوية التي يجب أن ينظر إليها قبل كل شيء.

ومن جملة الأمور التي احتلت حيزاً لا يستهان به أخيرا في برامج المحافظة على الوقت السيطرة عليه، وأعطت ثمارها المطلوبة بأفضل صورة واحسن شكل، عملية (تفويض القدرة) أو الاعتماد على المساعدين في إدارة العمل وتنفيذه، فالتفويض أو الوكالة.. أو الحلول.. أو النيابة.. أو التوزيع في بعض الأحيان يعد من الحالات الحضارية الراقية التي تتصف بها اغلب الإدارات الناجحة والمتقدمة، ولا حدود أو خصوصية لأي إدارة، وانما العملية تشمل جميع القطاعات السياسية بفروعها والاقتصادية والاجتماعية و.. بتشعباتها بما في ذلك رأس السلطة ومراكز القيادات الدينية والدنيوية على اختلافها..

ومع كل هذا يبقى الوقت هو العمود الفقري لأي برنامج أو مشروع وعامل فاعل وضاغط لا يمكن إنكاره أو إغفاله، إلا أن عمليات التفويض والتحويل التي أخذت تجتاح بعض الإدارات لا تقتصر على المحافظة على الوقت فقط أو لتخزين فائض من الوقت يستفاد منه لمهام أخرى، وإنما هناك غايات واهداف لا يمكن حصرها في نقطة أو نقطتين، فهناك أهمية إنسانية نبيلة تقف وراء عمليات التفويض وتحويل القدرة أو القرارات، سنقف عندها في الصفحات اللاحقة.

صناعة البدائل

المعلن والظاهر من مجمل عمليات التفويض أنها إدارة للوقت والمحافظة عليه من الهدر المؤدي إلى فشل البرامج وخسران الثروة، ولكن الغائب عن أنظار من كتبوا في هذا المضمار أن تفويض القدرة أو تقسيم المسؤوليات، أو توزيع الأدوار، أو إناطة اتخاذ القرار إلى الآخرين ـ المضمون واحد ـ يعطي نتائج أخرى قد لا تقل أهمية، وربما في بعض الحالات تفوق مهمة المحافظة على الوقت من الضياع، فالذي يصرف من وقته ساعتين في الأسبوع لصناعة البديل أو البدائل (المساعدين) الذين يستطيعون أن ينطلقوا بالعمل في غياب الفرد الأول (الأصيل) لا يمكن أن ننظر إليه فقط من زاوية تربية الأنظار والأمثال لتوفير ساعات إضافية من الوقت، وانما النظرة إلى هذا السلوك والتصرف الخلاّق تظهر سعة الأفق البعيد والقدرة الإبداعية للمدير وحنكته في بقاء الشركة أو المشروع واستمراريته من خلال إيجاد اكثر من مساعد أو نائب لا يقل مقدرة أو مهارة عنه، وهذا العامل بحد ذاته يكفي لان يكون مهمة عظمى تحافظ على ديمومة المؤسسة وبقاءها لسنوات وربما قرون عديدة.

وإلى هذا العامل بالأساس يعزى فقدان العالم الإسلامي لمؤسسات عريقة راسخة في القدم، فاغلب ما عندنا قائم بالفرد وللفرد وعلى الفرد. فهناك نزعة حادة إلى الاستقلال الفردي في كل شيء ـ وهذا طبعاً نتيجة عوامل كثيرة لا نريد الخوض بها ـ وبغياب الفرد لأي سبب أو طارئ يتهاوى بسرعة كل ما بناه وكأن شيئاً لم يكن. ولو دققنا النظر بما حولنا حالياً لا نشاهد تلك الالتفاتة الجدية لهذا العامل الجوهري من مختلف الجهات والمستويات مع انهم يشاهدون يومياً تساقط المؤسسة بعد الأخرى! أليس حالنا أصبح كالفئران التي ما برحت تتقدم بخطى مطمئنة إلى جلادها (المصيدة) وهي تشاهد يومياً العشرات من جنسها يذهب ولا يعود وعلى نفس الطريقة والشكل؟

وليت المسألة منحصرة في جهة معينة أو نمط خاص من الناس حتى نقول إنها خاصة ووقتيه وعندنا غالبية خيره وواعية ومدركة نستطيع بواسطتها ستر ما ظهر من عيوبنا وتصحيح ما وقع في إداراتنا، ولكن المسألة اكبر مما نتصور، النزعة إلى التفرد لم تترك شيئاً إلا واتت عليه، واقل ما يقال عن مراكز قراراتنا وجوهر مؤسساتنا إنها (فردية) وهذا اللفظ يغني عن الكثير من المعاني.

نماذج من التفرد

لنأخذ مثلاً الأسلوب الفردي الذي اتبعه أنور السادات في إدارة المفاوضات بعد حرب أكتوبر، يصف ذلك محمد حسنين هيكل فيقول، كان هنري كيسنجر دائم الاعتراض على الوفد المصري لمواقفه المتشددة في المباحثات الثنائية، لهذا فقد اقنع السادات بتكثيف الجلسات الخاصة الفردية لإذابة الخلافات وتصفيتها، فكان السادات لا يتوانى في الموافقة على اغلب مقترحات كيسنجر دون الرجوع إلى مستشاريه أو مساعديه، في حين كان الإسرائيليون لا يوافقون على شيء إلا بعد الرجوع إلى القوى والتنظيمات الموالية والمخالفة لأخذ أراءها، وهم يعلمون كاملاً بان ما يأتي به كيسنجر لمصلحتهم. وحتى قرار الزيارة الشهير الذي أعلنه السادات من منصة مجلس الشعب كان مفاجئاً لجميع الأطراف المصرية المعنية ولم يعلم خبره حتى أقرب المقربين للسادات ـ تصريح أخير لأمين هويدي ـ.

نمط آخر لانعدام التفويض يذكره هيكل أيضاً ويتعلق بالمفاوضات العراقية الأمريكية التي سبقت عمليات تحرير الكويت يقول: لقد جاء جيمس بيكر إلى المفاوضات وهو مخول بكافة الصلاحيات، بينما طارق عزيز لا ينطق إلا بما يريده صدام فقط وبين حين وآخر يطلب وقف المفاوضات للاتصال ببغداد وأخذ تعليمات جديدة‍‍‍.

والمثال الأخير يكشف عن واقع مؤسف ما زال يجثم على اغلب مراكزنا ومؤسساتنا.

وزارة الخارجية

وزارات الخارجية عموماً تعد من أخمل الوزارات على الإطلاق فهي تقوم وتنطلق على تحركات شخص واحد فقط (وزير الخارجية) ودون ذلك أحجار ليس لها مهمة إلا مراقبة الوزير وإحصاء تنقلاته ورحلاته. غير أن التعديلات الجوهرية التي أدخلتها بعض الدول على هيكل هذه الوزارة استطاعت أن تخرجها من هذا الإطار الضيق وتنطلق بها نحو آفاق جديدة ومحاور عديدة، ومن جملة تلك التعديلات، تقسيم الدول ضمن مناطق ومجاميع جغرافية أو سياسية، وتحويل مهام كل واحدة منها إلى معاون أو نائب أو وكيل أو مساعد لوزير الخارجية يتمتع بكامل الصلاحيات ويتملك جميع التفويضات كالوزير الأصيل. فللقارة الأفريقية قسم خاص يدير شؤونها يرأسه معاون أو مساعد لوزير الخارجية وللدول الأمريكية أو السوق الأوروبية، أو جنوب شرق أسيا، ما يشابه ذلك ويماثله، وبهذا الشكل فوضت مناطق عمل وزير الخارجية إلى عدة أفراد، ولا شك بان نتائج عملهم ستكون دقيقة وشاملة وتفوق جهود وزير الخارجية (الواحد) وان كان هذا الواحد يحمل الكفاءات العالية والقدرات الخارقة ويلم بجميع الخبرات، وبواسطة تقسيم حقيقي وفعال للقدرة أو لنقل (تفويض) حولت وزارة كانت تعد من الأموات إلى خلية متحركة في مختلف الاتجاهات.

مفهوم التفويض

قبل الخوض في بحث (لماذا التفويض؟) أو أهمية التفويض الذي هو أساس مطلبنا في هذا الموضوع سنذكر بعض التعريفات التي ذكرها البعض توضيحاً للمفهوم وتحديدا له:

فهناك من قال: انه تعيين عمل معين لشخص آخر مع إبقاء الاتصال به وبالعمل.

ومن قال: إعطاء سلطة اتخاذ القرار إلى المستوى الإداري الأدنى في التنظيم.

ومن قال: نقل حق التصرف واتخاذ القرارات إلى المرؤوسين.

ومن قال: قيام صاحب اختصاص بنقل بعض صلاحياته باختصاصاته إلى أحد معاونيه والتصرف دون الرجوع إليه، على أن تبقى المسؤولية على عاتق صاحب الاختصاص الأصلي.

ومن قال: هو منح الآخر الموافق حرية التصرف بالأمر.

ومن قال: أن يعهد الرئيس ببعض مهامه إلى أحد معاونيه ويعطيه سلطة اتخاذ القرارات اللازمة للنهوض بهذه المهام على وجه مرضٍ.

ومن قال: أن يعهد صاحب السلطة الشرعية إلى من يقوم مقامه ويمثله بالنسبة إلى الصلاحيات الممنوحة في إجراء مفاوضات أو تحرير معاهدات والتوقيع عليها.

وبما أن الإدارة هي فن تنفيذ المهام وتحقيق النتائج من خلال الآخرين، فيحق لنا أن نقول بان غالبية التعريفات تقوم على تحفيز الآخرين والاستفادة من قدراتهم لتحقيق أفضل النتائج وأسرعها، ومن يستطيع إدارة وقته وتفويض أعماله للآخرين يكون قد حقق افضل أساليب الإدارة وأنجحها. ومن لا يستطيع إدارة وقته وتحويل مهامه فهو لا يستطيع إدارة شيء.

ويأخذ التفويض أشكالا متعددة منها: الوكالة.. الحلول.. النيابة، ومنه ما هو إداري وهو ضرورة تفرض نفسها في كثير من الأحيان، ومنها ما هو تشريعي بمعنى تفويض الهيئة التشريعية للهيئة التنفيذية القيام بأمر هو من اختصاص الهيئة الأولى.

غير أن التفويض الأخير أثار ردود فعل عديدة منذ انتشاره أثناء الحرب العالمية الأولى فقد عارضه الفقهاء الدستوريون واعتبروه غير جائز، لأنه لا يجوز للبرلمان أن يتنازل عن وظيفته التشريعية ـ التي عهد إليه بها الدستور ـ إلى السلطة التنفيذية مما يجعل هذا التفويض مخالفاً للدستور، ولكن الدساتير الحديثة تنص اغلبها على جواز هذا التفويض بشروط وفي حدود معينة، أهمها أن تكون هناك ظروف استثنائية تستدعي التفويض كحالة الحرب أو الأزمات الاقتصادية أو السياسية، وأن يكون التفويض متعلقاً بموضوعات معينة، وأن يكون لمدة محددة.

لماذا التفويض؟

والإجابة على ذلك تتشكل في نقاط عدة:

1ـ استحالة الإلمام بجميع الموضوعات أو السيطرة على مختلف المواقع من قبل المدير أو المسؤول وهذه حقيقة واقعة لابد أن يعتقد بها الرئيس ويؤمن بها أيمانا مطلقاً، حتى تصبح لديه رغبة واقعية بضرورة التعاون مع الآخرين وتوكيل بعض المسؤوليات إليه، وأن تطلب ذلك في بداية الأمر ضياع بعض الساعات التي سيربح أضعافها في المستقبل القريب.

إن البعض ممن يشتكي من ضيق الوقت وتزاحم الأعمال يؤمن بفكرة اشتراك الآخرين وتفويض القدرات إليهم، ولكنه عمليا لا يلتزم بما يؤمن خوفاً من فشل الآخرين في المهمة أو ضياع الوقت، أو أن يبقى بدون عمل.

2ـ قبول الاختلاف والاعتراف بتعدد الآراء، فالبعض من المدراء والمسؤولين يبحثون عن شخص رديف أو مماثل لهم (نسخة كاربونية) يمكنه تنفيذ العمل وإنهاءه وفق تصوراتهم الخاصة فقط، وهذا الخيار ليس متاحاً دائماً وربما لم نحصل عليه لسنوات قد تطول كثيراً، لان الطبيعة البشرية جبلت على الاختلاف ومن الصعب الحصول على النسخة المشابهة المطلوبة.

فحسبنا قيام الفرد بالمهمة وإنجازها وفق الشروط المطلوبة أو المحددة التي رسمناها له، وإن كانت لم تنجز بنفس الطريقة التي يمكن أن ننجزها نحن، المهم النتائج طالما كانت جيدة وكافية ومقبولة إجمالا فهذا هو الفوز الحقيقي الذي نبغيه.

3ـ كسب ثقة الآخرين والاعتماد عليهم من خلال تفويض جزء من سلطتك وسيطرتك والسماح لهم بالاطلاع على المعلومات المستجدة وفعل الأشياء على طريقتهم الخاصة وان ظهرت منهم بعض النواقص والعيوب الجزئية.

إن الثقة بالآخرين لتنفيذ مهمة أو عمل ما لا تأتي بسهولة فهي تحتاج إلى صبر وتحمل من نوع خاص يمنعك من التدخل أو التلاعب بالمهمة التي أوكلتها إلى غيرك أن ظهرت بعض الأخطاء أثناء العمل، بل يفترض منك التشجيع عند انتهاء كل مرحلة أو إنجاز كل برنامج وإن كانت نتائجه لا ترضيك كاملاً، كما أن التفاؤل يجب أن يسيطر على عقلك الباطني لتتكون لديك قناعة تامة بان من أوكلته أو أحللته مكانك سينجح لا محالة وان فشل مرة أو مرات.

4ـ الحصول على التزام الآخرين بالعمل وكسب حماستهم ودفاعهم عن المشروع أو المهمة، فإذا شعر الفرد أو الموظف واصبحت لديه قناعة تامة بان ما حوّل إليه مهمة ومسؤولية لا تقبل التفريط أو اللامبالاة، ويرجع نفعها وضررها عليه، فانه سيلتزم بها خير التزام ويطبق بنودها ودقائقها على أكمل وجه.

ويحبذ تفويض القدرة والسلطة إلى الأشخاص المتطوعين، لان المتطوع يندفع بروحية عالية تفوق أي التزام، أما المجبرون أو أولئك الذين وقع عليهم الاختيار فيحتاجون إلى وقت إضافي وربما طويل لزرع روح الإحساس والالتزام عندهم.

5ـ تدريب العناصر على تحمل مسؤولية واجبات عليا، وبالتالي تكوين أطر قيادية احتياطية للمستقبل، بحيث تعاونه بكفاءة، وتستطيع العمل ببداهة واستقلالية حين تنفرد بمهمة، أو تخلفه حين يترك العمل في الوحدة، ولعل في هذه الناحية الأخيرة نوعا من سعة الأفق وبُعد النظر التي يجب أن يتحلى بها الإداري أو القيادي المخلص، إذ يفكر في مستقبل الوحدة بعد أن يتركها، فتستمر بعده على أداء مهامها على وجه جيد، وإلا يكون قد زرع بذور الفشل، وعلينا أن لا ننسى بأن المجتمع مستمر، لم يبدأ بأي منا ولن ينتهي معه، وكذلك أدواته مستمرة ومنها الوحدات والمؤسسات الإدارية، فعلينا التفكير في مستقبلها بعدنا.

6ـ من السنن الكونية والثوابت الإدارية التي لا يمكن إغفالها بأي صورة من الصور هي أن الأفراد والموظفين في تقدم مستمر وتحول دائم في سلم الصعود الإداري والنبوغ الفكري، فمن المستحيل بقاء هذه الشريحة معزولة عن المهام العظام والمسؤوليات الجسام، ما لم نحول إليها القدرة تدريجياً لتنهض بها وتتقدم نحو الأمام إلى أن تصل إلى المراتب العليا.

وإذا لم ندرك هذه الخصيصة والسنة الثابتة فلابد أن يأتي اليوم الذي يتمردون فيه علينا ويضربون بآراءنا عرض الحائط، ولعل ما يحدث في بعض التنظيمات من انشقاق وتمزق تعود جذوره إلى هذا العامل الذي لم تدركه بعد القيادات الحزبية والى اليوم المشاكل قائمة عند البعض فلا يرضى بالتنازل عن شئ من مهامه للخط الثاني أو الثالث ولا يرضى بأن يدرك أيضا نمو الأفراد وتقدمهم واحتياجهم الملح إلى تسنم بعض المسؤوليات وتفويض بعض القدرات تبعاً لتطور الكادر التنظيمي والحزبي.

7ـ تبسيط الإجراءات وتسريعها، وذلك باختصار إحدى حلقاتها، فالوكيل أو المستويات الإدارية الأدنى أكثر قرباً من مديرهم أو رئيسهم لمواقع التنفيذ، مما يتيح لهؤلاء سرعة البت في الأمور واتخاذ القرارات اللازمة والضرورية دون الرجوع إلى المستويات العليا، وبذلك يتم التخلص من كثير من التعقيدات الروتينية والهامشية التي تعمل على تعطيل الإجراءات أو بطئها.

وإذا كان التفويض مهماً ومؤكداً عليه في الحالات العادية فإنه يصبح أكثر أهمية في المسائل العاجلة والطارئة أو الظروف الاستثنائية التي لا تسمح بالتأخير والتأجيل. وكذلك تتأكد أهميته (التفويض) للتقسيمات والوحدات الإدارية المتفرقة أو البعيدة، فهي بحاجة إلى تفويض كامل يرفع عنها مسائل بعث الرسائل وتلقي التعليمات الجامدة القاتلة لكل معاني الإبداع والابتكار.

8ـ توفير وربح لوقت الرئيس نفسه، فالمهمة الأساسية للمدير أو القائد، الإدارة والأشراف والتوجيه عن بُعد، بعيداً عن أي تدخل مباشر أو غير مباشر في المسائل الشكلية والهامشية، فهو بأمس الحاجة إلى توفير وقت كافي للقيام بمهامه الأساسية والاستراتيجية من إبداع وتجديد وتخطيط وتنظيم ورقابة وتحفيز للعمل والعاملين، أما دون ذلك من أعمال فهي الضياع بعينه ولا غير.

ثم أن ضغوط العمل وثقل المهام وهمومها تمنع الرئيس أو المدير من التوجه إلى نفسه لمراقبتها ومحاسبتها أو إعادة النظر في ما مضى لرفع النواقص وإضافة اللوازم الغائبة، والتفويض يتكفل برفع كل ذلك ويسهل عملية تشخيص الخلل والعيوب لتفاديها في المراحل اللاحقة.

9ـ تلافي الأخطاء، والخلاص من التكرار، فالتفويض يوسع آفاق المدير ويفتح له أبواب جديدة من العمل والفكر لا يمكن أن يحصل عليها بدون ذلك، وان امتلك مهارات عالية وقدرات خارقة وعمل بكل ساعات اليوم يبقى فرداً بحاجة إلى آخرين يرفعون عنه مشكلة الوقوع في التكرار التي تصاحب وتلازم اغلب المتفردين بالقرار والإدارة، ويرفعون عنه أيضاً كثرة الوقوع في الخطأ. لان العين الواحدة لا تبصر كل ما حولها، يلزمها عيون أخرى لأبعادها عن مواقع الخطر والزلل.

ثم أن التغيير مطلوب في كل الأحوال، والأجهزة الإدارية أحق من غيرها في البحث والتقصي عن كل جديد وحديث يزيد من فاعليتها ويرفع مكانتها، وهل يستطيع فرد أن يستوعب معدلات التغيير بمفرده بدون التعاون مع الآخرين؟

10ـ تبقى نقطة أخيره غاية في الأهمية وهي أن التفويض يعطي للفرد روحية عظيمة تجعله يغض الطرف عن الكثير من القضايا المرتبطة بشخصه وذاته، وتضفي عليه نزعة السماح والتسامح مع الآخرين، واكثر حبا لمهامه ووطنه، واشد وعياً وحساً بان العمل وظيفة شرعية يجب إنجازها بأكمل وجه وافضل أسلوب ولا فرق عنده من ينجز هذا العمل هو أو غيره في هذا المنصب والمكان أو في تلك البقعة والزمان، فالعمل مطلوب منه بطريقة أذكى وعليه تحمل سهام النقد والتجريح ما دام العمل يسير بالصورة المطلوبة وباتجاه الغاية المنشودة التي ترضي الله والأمة.

كلمة أخيرة

إننا نعيش في عالم تتحكم فيه تكتلات عملاقة وتحالفات دقيقة جداً لم تترك مجالاً لمن يريد العيش بمفرده وبعيداً عن تعاون الآخرين وإرشاداتهم، كما أن بيئة العمل بمختلف أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية آخذة بالتعقد والترابط والتشابك، ومن يريد خوض غمارها عليه أن يمتلك مهارات عالية جداً تمكنه الثبات بقوة على أرض الواقع واستغلال الفرص واقتناصها والمحافظة عليها من الضياع والتيه.

والقناعة الراسخة بحتمية تفويض القدرة والسلطة قد تكون نقطة عبور مضمونة نحو عالم اللافردية..

* مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 44 -محرم 1421/نيسان 2000

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0