ملفات - مجلة النبأ

افتعال الأزمات

صناعة تمتهنها الحكومات المستبدة

القرن الجديد يشق طريقه بدون توقف.. والآخرون - حكومات - بعض استطاع أن يحفر له أخدودا على جدار هذا الزمن، فتبنى عقائد وأفكارا متوازنة، وسلوكيات وممارسات متميزة أرضى بها نفسه وشعبه ومعارضيه، وبعض آخر تحرك نحو ما يصبو إليه بتأني وتروي ـ ومع أن تحركه ربما جاء متأخراً ـ الا انه يبقى اكثر شجاعة من أولئك الذين فضلوا التريث أو التوقع في زمن لا يرحم من تأخر عنه مهما كانت الأسباب.

ولكن الذي يحز في القلب أن (منظوماتنا الحكومية) بما تحمل من موروث استبدادي قل نظيره، وسلوكيات شاذة وظالمة، بقيت تراوح مكانها، ولا تحرك ساكنا، وكأنها تعيش عالماً لا يقبل التغيير أو انه يعود إلى الوراء‍‍‍!!

أن ما تعانيه حكوماتنا لا يتحدد في نمط معين من السلبيات، أو أنها لا تؤمن بالحوار، ولا تصغي للآخر، وترفض الانفتاح فقط، وانما تتركز المعاناة في أن الصنف الحالي من الحكام لا يحمل أية آلية للتفكير والإبداع. فعقله في إجازة أو مختوم عليه بالشمع الأحمر ـ مغلق حتى إشعار آخر ـ والذي استطاع منهم أن يتغلب على هذه المرحلة ويعمل عقله ويجهد تفكيره ويضغط على أعصابه ومشاعره فان جل اهتمامه لا يخرج عن تصفية ما تبقى من فكر ومفكرين، أو توزيع المناصب بين الأقرباء والمحسوبين.

ويجب أن لا نتوقع من هكذا حكام أن يكونوا اكبر من ذلك أو يعرضوا بديلاً آخر أو صورة غير التي عهدناها عنهم، لان مرجعيتهم الأساسية لا تحتوي غير مخزون سيئ لمختلف معاني الاستبداد والتسلط والتجبر، ومن غير الممكن تبنيهم لأفكار فطموا على محاربتها واقسموا على إبادتها.

أن تاريخ الحكومات الإسلامية قد أثقلته المؤامرات، والخيانات، والأزمات المفتعلة، فالطابع العام لهذه الأنظمة أنها باقية مادام هناك ليل تنسج به المؤامرات، وكواليس تصنع خلفها الأزمات، فهي تأكل وتشرب وتتنفس على الشاذ والنادر من الأحداث والمواقف، وتفعل المحرم وغير المعقول للحفاظ على الحكم والحكومة ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواح الملايين!

صناعة الأزمات

من العادات والتقاليد المعروفة عند ختان الأولاد في بعض مناطق العراق هو أن الطفل الذي يراد ختانه يوضع في ساحة أو غرفة كبيرة، تحيط به مجموعة من الأقرباء والغرباء، بعض يردد الأشعار والأذكار، وبعض يضرب على الطبول أو يصفق بقوة، وفي هذا الجو الهائج الهادر يقوم الخاتن بإجراء العمل اللازم وهو مطمئن البال بان أنظار الطفل متوجهة إلى ما يدور حوله وليس إلى ما يجري له.

وما يجري حولنا قد لا يختلف عن ما يجري لهؤلاء الأولاد المساكين، مع فارق بسيط وهو أن الطـــفل ضحية للخاتن فقط فيما مضى، واليوم الشعب هو الضحية الكومبارس الممارس للتطبيل والتمويه في نفس الوقت. وعلى هذا الحال والمنوال ما أن يقوم الشعب من أزمة مفتعلة الا ويقع في أزمة أخرى اقل ما فيها أنها تهمش العقول وتدعو للخمول وتعود بالبلاد أعواما أخرى إلى الوراء وهذا بالتحديد ما يطلبه السلطان لبقاء سيطرته على الأوطان.

إذن البقاء بالأزمات، صناعة تعتمدها اغلب الحكومات الدكتاتورية والمطلقة، وتقوم هذه السياسة على التخطيط لخلق أزمة بصورة حقيقية أو بصورة مفتعلة، وتغذيتها، وتصعيدها واستقطاب عوامل مؤيده لها ثم استثمارها أو استثمار الفرص التي يمكن أن تنتج عنها، واجبار الكيان ـ الآخر المختلف ـ المستهدف على الخضوع لتأثيرها، أو لتحقيق بعض الأهداف التي كان يصعب تحققها في الظروف العادية.

ولإخفاء معالم الخطة وتشتيت الأنظار عن خطوطها ورموزها الفاعلة تعمد الدكتاتوريات إلى:

إشراك أكبر عدد من الرموز المحلية وربما الخارجية بصورة غير مباشرة في أداء أدوار الأزمة وتمثيل فصولها.

أن يصحب الأزمة ضجيج شديد وتهويل مريب يخطف الأنظار ويمنعها من التحول إلى جهة أخرى.

لا مانع من كشف بعض المعلومات والأسرار الهامة وحتى التضحية ببعض الرؤوس والأفراد، وذلك لإضفاء أكبر قدر من المصداقية على الأزمة.

ماذا.. وراء الأزمات؟

تتنوع الخطط وتختلف الأساليب تبعاً لطبيعة الهدف المراد تحقيقه والغايات المرجوة منه، فكلما كان الهدف كبيراً، كانت الأزمة اكبر منه أو مساوية له والعكس صيح، لذا ما سنورده من أهداف لا يمكن تحققها جميعاً في أزمة منفردة أو مجموعة أزمات، فلكل هدف أزمته الخاصة به والمناسبة له، فتصفية المعارضة لا تحصل من أزمة سكن مفتعلة أو أزمة خبر أو أزمة مياه لان مثل هذه الأزمات خير وسيلة للتشهير بالحكم والحكومة، في حين تكون لعبة التفجيرات واغتيال بعض الموالين للحاكم الطريق الأفضل لإلقاء اللوم على المعارضة وتصفيتها وربما جني بعض التأكيد والتعاطف من أطراف محايدة. وعلى هذا يمكن ذكر الأهداف على النحو التالي:

1ـ الخروج من الأزمات الحقيقية المزمنة:

نتيجة للسياسات الخاطئة التي قامت عليها كيانات الأنظمة الدكتاتورية، فان الأزمات الحقيقية باطراد مستمر، وحتى لو وجدت إرادة حقيقية للقضاء على هذه الأزمات فان الحلول غير الواقعية والهامشية هي التي ستقدّم على غيرها، ولنفرض حصلت معجزة وزالت أزمة من الأزمات من السطح فان المشاكل لا تنتهي ما دام أساس الحكم منحرفاً، لذا تلجأ بعض الحكومات المستبدة للحلول التكتيكية التي تضفي ضلالا رمادية على صورة الواقع المزري لنظامها، فتوجه الطاقات والقدرات نحو افتعال، أزمات غير واقعية وتغذيتها بصورة جيدة بكل عوامل التصديق لستر الواقع ولو لفترة محدودة، وهي محاولة فاشلة استراتيجياً للمحافظة على نظام الحكم.

2ـ وسيلة للتمويه واخفاء المشاكل الموجودة بالفعل:

عموماً الجديد هو الغالب والمسيطرة على مسرح الأحداث، يستوعبها كاملاً ولا يبقى مجالاً لغيره الا إذا كان الآخر الآتي دويه أكبر واوسع مما مضى، وعلى هذا تكون الأزمة المفتعلة خير شاغل للشعب لكي ينهمك فيها ويخصص كامل وقته وتفكيره للتعامل معها أو كيفية عبورها بأمن وسلام، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، وما من حاكم طاغي وحكومة مستبدة الا واستفادت من افتعال الأزمات لإخفاء مشاكلها الموجودة.

3ـ تصريف المنتجات أو السلع أو الأشياء الأخرى:

وذلك عن طريق افتعال اختناقات وهمية تزيد من إقبال الناس على شراء الأشياء والحاجيات وتخزينها، أو إلهاءهم في البحث عن أشياء كمالية لمواجهة الظروف والأزمات المستقبلية، وهم لا يعلمون انهم في أزمة مفتعلة حيكت بعناية لتصريف الفائض من المواد والمنتجات.

4ـ الهيمنة على أهداف جديدة:

خلق أزمة مفتعلة وسيلة فضلى للتقدم نحو مواقع ومناطق استراتيجية مهمة لا يمكن السيطرة عليها في الظروف العادية أو الطبيعية، فتحت عنوان الحماية من هجمات متوقعة أو حفاظاً على الأمن القومي أو استباقاً لهجمات متوقعة يقوم بها المتطرفون تلجأ الحكومات المستبدة تحت هذه الأعذار والأوهام للسيطرة والاحتلال لمناطق غاية في الأهمية.

5ـ تحويل الآخر المختلف من الهجوم إلى الدفاع:

في الكثير من الأحيان وسائل الحكومات لا تجدي نفعاً أمام هجمات الآخر المختلف ـ أفراد، جماعات، كيانات ـ وحتى الهجوم المباشر الذي هو أفضل وسائل الدفاع لا يعطي للحكومات ذلك المردود الإيجابي للحد من هجمات الآخر، أما الأزمات غير الواقعية التي تحتوي على نسب عليا من التصعيد الأفقي والعمودي، ربما تثمر عن إيقاف الآخر عند الحدود التي وصل إليها أو تلزمه على الرجوع من حيث أتى.

6ـ إقامة الروابط المحرمة والعلاقات المشبوهة أو عقد الاتفاقات المذلة:

إبعاد أنظار الرأي العام المحلي أو أل إقليمي عن قضايا ملحة يراد إيجادها أو نفيها لا يمكن أن تحصل بسهولة ما لم تكن هناك مسائل أخرى مثارة تهمه وتضغط على جوارحه ومشاعره بكل قوة، ولعل أزمات السكن أو المواد التموينية من الأولويات التي تسترعي انتباه أفراد المجتمع، ومن هنا نشاهد في خضم الأزمات الداخلية المفتعلة حصول اتفاقات وصفقات خارجية تعقدها الدولة المعنية مع دول قد تكون محسوبة على محور الأعداء أو الضد.

7ـ جمع اكبر عدد من الأموال:

للسيطرة على عجز الميزانية، وخواء البنوك الحكومية من العملات الصعبة كل شيء يصبح مسموحاً به وكل وسيلة مباحة للسيطرة على الوضع المالي ورفد بنوك الدولة بالمال اللازم، ولعل الأزمات الكاذبة والحوادث المفتعلة كالتعدي على الممتلكات الخاصة وسرقة المحلات والبيوت من أولى المهام التي توليها السلطات المستبدة لزرع عدم الثقة عند الناس والخوف من المصير المجهول على أموالهم وأعراضهم فتلجأ إلى تحويل ما ادخرته في بنوك الدولة وإنقاذ الحكومة من ورطة محققة.

8ـ توجيه الأنظار لقضية معينة:

الرأي العام الداخلي والخارجي، الموافق والمعارض لا يمكن حشره بسهولة بجانب قضية معينة ما لم تكن هناك أزمة أو حدث يأخذ العقل بكامله ويقذفه في متاهات تلك الأزمة والحدث، وهذه النقطة تحديداً لا تنفرد بها حكوماتنا فقط وانما هي وسيلة تأخذ بها اغلب دول العالم عندما تريد إحياء مسالة قديمة وفكرة خاملة.

9ـ إيقاف النجاحات المستمرة للآخر المختلف:

عندما تفلس الأنظمة الدكتاتورية، ويبدأ الآخر بحصد نجاحاته الواحد تلو الأخر، لا يبقى أمام الأنظمة المطلقة الا اتباع اسهل الطرق واخبثها لمنع هذا الآخر ـ أفرادا ومجاميع ـ من إضافة نقاط أخرى إلى نقاطه السابقة، فتثار أزمة هنا وحدث هناك يعطي صورة أخرى للحاكم المستبد، تظهره بأنه مظلوم، رحيم، محب للأمن والسلام، لا يريد الخير الا لشعبه ووطنه، فيتعاطف أو يؤيد البعض هذه الصورة الجديدة للحاكم، وتوجه السهام للآخر ليكف عن معارضته ويتراجع أو يقف عند حدوده لان هناك قضايا أهم تمس جوهر القضايا الوطنية والقومية!!

10ـ حياكة المؤامرات:

حياكة المؤامرات وصناعتها تحتاج إلى أجواء هادئة وابتعاد كامل عن أعين المراقبين وعدسات الملاحقين، وهذا لا يتحقق الا بوجود أزمة أو حدث نوعي يبعد الأنظار والتوجهات عن صناع المؤامرة وخطوطها الحقيقية ويجعلهم في مأمن عن أي خطر أو فضيحة مستقبلية.

11ـ تأخير الانتخابات أو تعطيل الدستور:

عندما تصل الاستحقاقات الانتخابية إلى مرحلة مصيرية، وتظهر نتائج مقدماتها الأولية حتمية خسارة الحاكم أو حزبه، يبدأ العمل الفوري على خلق أزمة واقعية أو مفتعلة داخل الحدود أو خارجها ترتفع خلالها درجة التصعيد إلى أعلى مستوياتها لتكون مقدمة لإعلان حالة الطوارئ والاستنفار العام، وبهذا الوضع يمكن إلغاء الانتخابات أو تعليق الدستور أو تعطيله.

سبل الوقاية

من جملة ما يتميز به عالم اليوم انه عالم فكر وأيديولوجيا وعقائد تقوم على الطرح الإيجابي الذي يخاطب العقل بالحوار المنطقي والدليل المقنع، أما الأساليب البدائية من فرض وقسر وعنف فلا مكان لها في العالم الحر، وإذا وجدت فهي معزولة في زوايا متخلفة بعيدة كل البعد عن التقدم والحضارة والمدنية، وقد تكون بعض دولنا الإسلامية ممن ينطبق عليها هذا الوضع من التردي والضيـــاع، وإذا أريد تغيير هذه الوضعية بصورة جذرية فالعمل يستدعي تحركاً سريعاً وتفاعلاً جدياً من المجموع للعبور من هذا النفق إلى مسرح الحياة والتقاط الدور المميز الذي يحفظ عنوان الأمة ويحفره في وجدان التاريخ الإنساني وإلا فان الصورة الحالية كما نحن فيه تنبئ عن وصولنا إلى منزلق رهيب ومأساة عظمى لا تقوم لنا بعدها قائمة.

أن العد التنازلي لأي أمة أو حضارة لا يتحقق الا حينما تبتعد هذه الأمة عن قيمها المعنوية ومبادئها الأساسية التي ثبتت فاعليتها قديماً وعند الغير، كما أن التقوقع على الذات والانعزال عن العالم وعدم الأخذ بسنن التطور والتقدم، والخوف من مواجهة الآخر المختلف هو الآخر انتحار واندثار.

وأن مسؤولية مواجهة هذا الخطر لا تقتصر على فئة أو شخص دون آخر، الجميع محاسبون عن النتيجة هذه، والكل معنيون بالخطاب وعليهم الحفاظ على السفينة من الغرق وإيصالها إلى شاطئ الأمان، ويجب أن نكون أكثر واقعية ولا نلقي اللوم على غيرنا وحكامنا، فالقرار بأيدينا أن أردنا الإصلاح والتغيير حقيقة.

ولعل من جملة الأمور اللازم اتباعها للحيلولة دون وصول الحكام المستبدين ومنعهم من ممارسة هذه الأساليب وامثالها هي:

ــ إعطاء الوعي العام والسياسي منه بالتحديد لكافة أفراد وطبقات المجتمع، وزرع الثقة عندها للمطالبة بالمعلومات عندما تريد وقبل طرح أي مشروع أو برنامج.

ــ إعطاء حقوق الآخر المختلف والسماح له بتشكيل التنظيمات والأحزاب، وإبداء آراءه المخالفة، ونشر أفكاره المعترضة بدون قيود وإرهاب.

العمل على إيجاد إعلام حر مستقل يأخذ على عاتقه حماية حقوق الأمة ورعاية مصالحها، وكشف ما أخفاه الساسة، وما تسترت عليه الأنظمة.

ــ إيجاد مؤسسات دستورية واقعية تمنع الحكم والحكومة من الانفراد باتخاذ القرار أو ممارسة أعمال غير قانونية، وهذه النقطة من الركائز الأساسية التي يقوم عليها بناء الكيان السياسي السليم، لان وعي الأمة والأحزاب الحرة والإعلام الملتزم قد لا تكفي للحد من تدخلات الحاكم وتعسفه ما لم يكمل ذلك مؤسسات دستورية متنوعة تحمي البلاد من السقوط في قبضة المستبد.

قد تكون (حكومة الظل) وسيلة متقدمة لمراقبة الحكام والمسؤولين، كما إنها تعبر عن استعداد الآخر المعارض لتحمل المسؤولية ومواجهة الانحرافات والتسيبات.

على المجالس النيابية والتشريعية ممارسة حقوقها القانونية وعدم السماح بعبور أي أطروحة أو برنامج للحكومة ما لم تناقشه بحرية وتؤيده باطمئنان تام.

التريث وعدم الانجرار وراء الأزمات المفتعلة التي تثيرها الحكومة أو الحكم، والسعي الحثيث لمنع وسائل الاعلام المخالف من الدخول في مهاترات جانبية أو شخصية يستفاد منها المستبد والطاغي.

وعلى ضوء تحقق هذه المعطيات وما يترتب عليه سير العمل من سرعة أو بطء، يحق لنا أن نقول بعدها وصلنا أم لم نصل بعد؟

* مقال نشر في مجلة النبأ-العدد42-شباط 2000/ذو القعدة 1420

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0