أعلنت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، انطلاق عمليات تحرير مدينة الرقة السورية من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، والتي تعد بحسب بعض المصادر، أهم هدف عسكري بعد مدينة الموصل ، وأول المدن الكبرى التي سيطر عليها تنظيم داعش قبل ان تتحول الى عاصمة له، هذه العملية المهمة التي انطلقت قبل أيام أصبحت محط اهتما إعلامي واسع، حيث اكد بعض الخبراء ان التوقيت والمعطيات المتوافرة لمعركة تحرير الرقة التي تنفذها بشكل مباشر قوات سوريا الديموقراطية، ربما تكون ورقة دعم انتخابيّة، تقدمها الإدارة الأميركية للمرشّحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، خصوصا وإنها بدأت في توقيت انتخابي بامتياز، يضاف الى ذلك ان معركة غضب الفرات ستستمر لفترة طويلة بسبب الخلافات و تعدد أطراف الصراع في سوريا، وهو ما اكده وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر الذي قال أن هذه المعركة لن تكون سهلة. يضاف الى ذلك متانة تحصينات داعش في الرقة والعداء التركي الكردي وغيرها من التحديات الاخرى.

وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف فقد اعلن مسؤول اميركي بدء عملية عزل مدينة الرقة في شمال سوريا تمهيدا لتنفيذ هجوم عليها لتحريرها من سيطرة تنظيم داعش. وقال المسؤول الذي رفض الكشف عن هويته "سنسعى أولا الى عزل الرقة للتمهيد لهجوم محتمل على المدينة بالتحديد لتحريرها". وأعلنت قوات سوريا الديموقراطية، وهي تحالف فصائل عربية وكردية سورية مدعومة من واشنطن، بدء "معركة تحرير الرقة"، المعقل الابرز للتنظيم في سوريا، التي اطلقت عليها اسم "غضب الفرات".

وقال المسؤول الاميركي ان قوات سوريا الديموقراطية "هي الشريك المؤهل أكثر من سواه للقيام بعملية عزل الرقة بسرعة". وتابع "نواصل العمل مع شركائنا وحلفائنا لاتخاذ القرار في ما يتعلق بمن سيبقى في الرقة بعد تحريرها لمنع عودة تنظيم داعش". وقال المسؤول "نبذل جهدا من أجل تعزيز الضغط على تنظيم داعش في الرقة، بموازاة عملية مماثلة في العراق"، في اشارة الى الهجوم على الموصل، معقل الجهاديين في العراق، الذي بدأته القوات الحكومية العراقية قبل ثلاثة اسابيع. وشهد التخطيط لهجوم الرقة تعقيدات بسبب عوامل منها المخاوف التركية بشأن ازدياد نفوذ الأكراد في شمال سوريا ومخاوف العرب بشأن الوجود الكردي في المدينة التي تسكنها أغلبية من العرب.

تقدم ملموس

الى جانب ذلك وفي الأيام الأولى من حملتها العسكرية ضد تنظيم داعش تمكنت "قوات سوريا الديمقراطية" من بسط سيطرتها على مجموعة من القرى في محيط مدينة الرقة. لكن هذه القوات تواجه شراسة الجهاديين وتسللهم بسيارات ملغومة، لذلك تسعى إلى تحصين مواقعها الجديدة. وفي قرية أبو علاج التي تشكل خطوط الجبهة الخلفية في معركة الرقة، يستخدم عناصر من "قوات سوريا الديمقراطية" جرافات لحفر الخنادق في حين يعمل آخرون على إقامة سواتر ترابية لحماية قرى سيطروا عليها من السيارات المفخخة.

ويشرح أحد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية "نقوم بحفر الخنادق في المناطق التي تتقدم فيها قواتنا منعا لتسلل عناصر "داعش" بسياراتهم المفخخة". ومنذ بدء عملية الرقة حققت "قوات سوريا الديمقراطية" التي تشمل فصائل عربية وكردية تقدما على حساب الجهاديين بغطاء جوي من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. وتقدمت "قوات سوريا الديمقراطية"، حسب جيهان شيخ أحمد المتحدثة باسم حملة "غضب الفرات" 12 كلم من محور بلدة سلوك (80 كلم شمال الرقة) و11 كلم من محور بلدة عين عيسى (50 كلم شمال الرقة). وتبعد أبوعلاج عدة كيلومترات جنوب بلدة عين عيسى. بحسب فرانس برس.

واعتاد تنظيم داعش على اللجوء إلى استراتيجية السيارات المفخخة والألغام لإعاقة تقدم خصومه بدلا من خوض معارك مباشرة. ويشرح المتحدث باسم "قوات سوريا الديمقراطية "طلال سلو "جميعنا يعرف الأسلوب الذي يتبعه تنظيم "داعش" الإرهابي، لذلك من المؤكد أن يكون هناك حفر خنادق بشكل مستمر لتحصين الأماكن التي يتم تحريرها". ويضيف "بعد كل عملية تحرير للقرى والمزارع، تتخذ قواتنا إجراءات احترازية من ضمنها حفر الخنادق تجنبا لاستهدافها من قبل السيارات المفخخة". وفي غضون 24 ساعة، أحصت حملة "غضب الفرات" إرسال الجهاديين سبع عربات مفخخة على الأقل دون أن تبلغ أهدافها.

وقالت قوات سوريا الديمقراطية ميس إنها رفضت أي مشاركة تركية في حملة الرقة. وتوجد مشاعر عدائية بين المعارضين المنضوين تحت لواء الجيش السوري الحر الذين تدعمهم تركيا وبين وحدات حماية الشعب وحلفائها ووقعت بينهم اشتباكات متكررة. وقالت تركيا إنها ستستهدف الرقة في عمليتها الخاصة ضد تنظيم داعش في شمال سوريا التي تشنها مع مقاتلين عرب من المعارضة السورية.

معركة طويلة

على صعيد متصل بعد استعادة القوات العراقية الموصل، سيبقى تنظيم داعش مسيطرا على الرقة في سوريا المجاورة بعد ان يكون الجزء الاكبر من "دولة الخلافة" قد زال. ويشن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضربات على التنظيم الجهادي في العراق وسوريا منذ سنتين واضعا استعادة الرقة نصب عينيه لتكون هزيمة التنظيم فيها نهاية للحملة.

لكن وزير الدفاع الاميركي اشتون كارتر فاجأ القادة العسكريين عندما صرح ان الهجوم الفعلي على الرقة يمكن ان يبدأ "في الاسابيع القليلة المقبلة"، بعد تصريحات مماثلة ادلى بها وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون. وفي الجلسات الخاصة، قال عدد من كبار الضباط الاميركيين انهم فوجئوا بالأمر معربين عن شكوكهم في امكانية البدء قريبا بمعركة الرقة نظرا لتعقيد النزاع السوري.

وقال مسؤول في وزارة الدفاع طالبا عدم كشف هويته، بعد انتقاء كلماته بدقة ان برنامج كارتر الزمني "متقدم قليلا على ما سمعته حتى الآن". واكد مسؤول آخر في الدفاع ان توقعات العسكريين بشأن الرقة -- المدينة التي كان يبلغ عدد سكانها حوالى 220 الف نسمة قبل النزاع -- لا تتطابق مع ما قاله كارتر. واضاف مسؤول عسكري ثالث ان الهجوم على الرقة يمكن ان يبدأ نظريا خلال اسابيع، لكنه "قد يستغرق بضعة اشهر (...) تسعة اشهر او اقل". وتابع ان الهجوم يمكن ان يبدأ قبل 2017 "لكنه قد يستمر لفترة اطول لاسباب لا نستطيع السيطرة عليها". وقال "الامر متوقف على القوات المحلية. اذا كانوا مستعدين فنحن مستعدون".

وقبل بدء هجوم بري سيجري على الارجح وفق الخطوط نفسها المعتمدة في الموصل حاليا، سيكون على طائرات التحالف استكمال "عزل" و"رسم حدود" الرقة و"تغطيتها". وهذا يتطلب ضربات جوية متواصلة على المواقع القتالية للتنظيم الجهادي وقطع طرق الامدادات الى المدينة ومنها. قال الناطق باسم التحالف الكولونيل جون دوريان ان هذه العمليات نجحت جزئيا حتى الآن وقطعت الطرق من الرقة الى اوروبا وبالعكس. واضاف "ما نتحدث عنه هو درجة متقدمة من العزل تقلص الى حد كبير حرية تنقل داعش الى خارج والى داخل المدينة".

تحذير تركي

في السياق ذاته حضت تركيا الولايات المتحدة على ضمان ان الهجوم الجاري حاليا ضد الرقة، معقل تنظيم داعش في سوريا، لن يؤدي الى تغيير ديموغرافي في هذه المدينة التي تعد غالبية سنية عربية. وهذا التحذير الذي وجهه نائب رئيس الوزراء التركي نعمان كورتلموش يعكس مخاوف انقرة من رؤية الفصائل الكردية التي تعتبرها "ارهابية" تجد موطىء قدم في الرقة بفضل هذا الهجوم الذي اطلقته قوات سوريا الديموقراطية، وهي تحالف فصائل عربية وكردية سورية تدعمها واشنطن.

واكدت واشنطن انها على "اتصال وثيق" مع انقرة بخصوص هذا الهجوم لكن تركيا تبدو مستبعدة عنه على الارض رغم انها ابدت عدة مرات رغبتها بالمشاركة فيه. واكد كورتلموش في تصريحات صحافية ان الرقة مثل حلب في سوريا والموصل في العراق "تنتمي الى السكان" الذين كانوا يقيمون فيها قبل بدء النزاع في اشارة الى العرب السنة الذين يشكلون غالبية في هذه المدن الثلاث. واضاف ان "تغيير الهيكلية الديموغرافية لن يساهم باي شكل في احلال السلام".

واطلقت قوات سوريا الديموقراطية الهجوم لاستعادة الرقة من ايدي الجهاديين. وتؤكد هذه القوات ان واشنطن كانت موافقة على الا تلعب تركيا اي دور في العملية. وتبدي تركيا قلقا ايضا من تصاعد نفوذ قوات سوريا الديموقراطية التي تضم وحدات حماية الشعب الكردي والتي تعتبرها انقرة "ارهابية" والمقربة من حزب العمال الكردستاني الذي يخوض نزاعا مسلحا ضد انقرة منذ 1984. وابدت تركيا عدة مرات معارضتها لمشاركة وحدات حماية الشعب الكردي في الهجوم على الرقة.

من جانب اخر اعلن المبعوث الخاص لقوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بريت ماكغورك ان واشنطن على اتصال "وثيق جدا" بحليفها التركي بشأن معركة تحرير الرقة السورية التي اعلنت قوات سوريا الديموقراطية بدءها. وقال ماكغورك "ندعم قوات سوريا الديموقراطية التي بدأت التحرك في الرقة (...) ونحن على اتصال وثيق جدا بحلفائنا في تركيا.

واضاف ماكغورك "أقل ما يمكن ان يقال هو ان ظروف العمل في سوريا معقدة، لكننا على تواصل بشكل مستمر مع جميع الاطراف". وتابع "نود ان يكون هناك تنسيق قدر الامكان مع علمنا بأن هناك خليطا من القوى في الميدان والعديد من تلك القوى لا تلتقي وجها لوجه لكنها تشترك في كون عدوها واحدا ولا يزال مميتا". بحسب فرانس برس.

وجددت قوات سوريا الديموقراطية تأكيد عدم وجود اي دور تركي في الهجوم على الرقة. وقال المتحدث العسكري باسم هذه القوات طلال سلو "اتفقنا بشكل نهائي مع التحالف الدولي على عدم وجود اي دور لتركيا او للفصائل المسلحة المتعاونة معها في عملية تحرير الرقة". وتعتبر انقرة "وحدات حماية الشعب الكردي" التي تشارك بفاعلية في قوات سوريا الديموقراطية فرعا لحزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردا ضد انقرة منذ اكثر من ثلاثة عقود.

معركة إعلامية

من جهة اخرى اعتبرت صحيفة الوطن السورية القريبة من دمشق ان الحملة التي اطلقتها قوات سوريا الديموقراطية بدعم اميركي لطرد تنظيم داعش من الرقة، هي معركة "اعلامية". وذكرت في تقرير ان الإعلان عن معركة الرقة هو "لإشغال الرأي العام الأميركي بالحرب على الإرهاب وإظهار جدية الإدارة الحالية في مكافحة داعش". ونقلت الصحيفة عما وصفته "مصدر دبلوماسي غربي في باريس"، انه "لا قدرة لدى قوات سوريا الديموقراطية على مقاتلة التنظيم الإرهابي ولو ساندته واشنطن وباريس بكل ما لديهما من قوة"، واوردت الصحيفة في تقريرها ان "الإعلان المفاجئ" للمعركة جاء "للتغطية على عدم تمكن الولايات المتحدة الأميركية من إحراز تقدم سريع ونوعي بالتعاون مع الجيش العراقي في مدينة الموصل". واضافت ان الاعلان ياتي "قبل ساعات" من الانتخابات الرئاسية الاميركية "والفضائح التي تحيط بمرشحة الحزب الديمقراطي والرئيس باراك أوباما هيلاري كلينتون". بحسب فرانس برس.

ومنذ تشكيلها في تشرين الاول/اكتوبر 2015، نجحت قوات سوريا الديموقراطية التي تضم نحو ثلاثين الف مقاتل، ثلثاهما اكراد، بدعم من التحالف الدولي، في طرد التنظيم المتطرف من مناطق عدة. ويعتبر النظام السوري ان التحالف الدولي بقيادة اميركية، اخفق في مهمته باستهداف تنظيم داعش، ويتهم واشنطن وحلفاءها بدعم "الارهابيين" في سوريا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1