زحف تنظيم داعش إلى ليبيا بهدف تحويلها إلى موقع جديد، بعد ان مُني بخسائر فادحة وفقد العديد من المناطق التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، اصبح اليوم وبحسب بعض المراقبين خطر كبير يهدد ليبيا و جميع الدول المجاورة، هذا بالإضافة الى الدول الاخرى وخصوصا دول أوروبا، التي تعيش اليوم حالة من القلق والخوف بسبب هذه القضية خصوصا وان البعض يرى سيطر تنظيم داعش على بعض المدن، يمكن ان تكون مقدمة لتمدد هذا التنظيم الإرهابي في ليبيا، مستغلاً حالة الفوضى التي تعيشها البلاد. وقد اكدت بعض التقارير الاستخبارية، أن ليبيا أصبحت منطقة جذب لأفراد ليسوا فقط من داخل ليبيا، بل قادمين من دول أخرى سواء من داخل قارة أفريقيا أومن خارجها .

وبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فان تنظيم داعش في ليبيا هو الأن أخطر المنظمات الثماني التابعة لداعش، وذلك طبقا لما يقوله مسئولو مكافحة الإرهاب فى الولايات المتحدة. وهناك أيضا تصريح لمبعوث أوباما في التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة، بريت ماكجورك، قال فيه أن داعش تحاول إقامة كيان على مستوى الدولة الليبية، كما أن التنظيم بدأ في دفع أفراد من أفريقيا نحو ليبيا، لإيجاد مصدر جديد لتجنيد إرهابيين وضمهم إليه. وتأمل الدول الغربية أن تتمكن حكومة الوفاق من توحيد الفصائل الليبية المتناحرة لإلحاق الهزيمة بداعش رغم أن الحكومة الجديدة تواجه صعوبات في حشد التأييد لها خارج قاعدة نفوذها في غرب البلاد.

وبحسب قائد القوات الأمريكية في أفريقيا فان عدد مسلحي تنظيم داعش تضاعف في ليبيا إلى ما بين 4000 و6000 مسلح خلال فترة تتراوح بين عام وعام ونصف. وقال الجنرال ديفيد رودريجيز قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا في إفادة صحفية إن معقل داعش في ليبيا هو مدينة سرت لكن التنظيم له وجود أيضا في درنة وبنغازي في الشرق وصبراتة في الغرب.

وقال "في بنغازي ودرنة حاربت (الجماعات المسلحة الليبية) ضد داعش وجعلت من الأصعب لهم العمل وكذلك في صبراتة." وأضاف رودريجيز مستشهدا بتقييمات المخابرات الأمريكية لنمو التنظيم "أنهم يواجهون نمو داعش في عدة مناطق في أنحاء ليبيا." وأثار نمو التنظيم في ليبيا قلق الحكومات الغربية التي تخشى من أن يستغل التنظيم الفوضى السياسية المستمرة لتكرار نجاحه في السيطرة على أراض في العراق وسوريا. ومنذ 2014 دعمت تحالفات هشة لكتائب مسلحة حكومتين متنافستين في طرابلس وفي الشرق. وتدعم الحكومات الغربية حكومة الوحدة الوطنية لأسباب من بينها أنها قد تكون أفضل فرصة لتوحيد الجماعات المسلحة ضد داعش.

تحرير سرت

وفي هذا الشأن تتسابق السلطتان الليبيتان في الشرق والغرب على خوض معركة تحرير مدينة سرت بشكل منفرد، واعلنت كل منهما حلول "ساعة الصفر"، في خطوة قد تهدد نتائج اي عمل عسكري ضد تنظيم داعش. في هذا الوقت، نجح التنظيم الجهادي في التوسع الى غرب سرت (شمال) التي يسيطر عليها منذ حزيران/يونيو 2015، ودخل منطقة ابو قرين الواقعة على طريق رئيسي يربط الغرب الليبي بشرقه.

وتخضع القوات العسكرية في الغرب الليبي الى سلطة حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الامم المتحدة، بينما يقود الفريق اول ركن خليفة حفتر مدعوما من البرلمان، القوات في الشرق والموالية لحكومة لم يعد يعترف بها المجتمع الدولي. ويسيطر تنظيم داعش على سرت الواقعة على بعد نحو 450 كلم شرق طرابلس، مقر حكومة الوفاق، وعلى بعد حوالى 550 كلم غرب مدينة بنغازي (الف كلم شرق طرابلس) حيث مقر القوات الموالية للبرلمان.

ويقول الباحث في المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية ماتيا توالدو ان الانقسام في ليبيا "لا يمثل مشكلة سياسة فقط تمنع قيام حكومة موحدة، بل انه يشكل ايضا معضلة عسكرية". ويضيف "اذا انطلقت (الحملتان العسكريتان) من دون تنسيق للجهود، فان تنظيم داعش قد يجد نفسه في موقع افضل للتصدي" لاي هجوم. وترفض السلطات المستقرة في الشرق تسليم السلطة الى حكومة الوفاق الوطني، مطالبة بوجوب ان تحصل هذه الاخيرة على ثقة البرلمان الذي فشل مرات عدة في التصويت على الثقة.

ودخلت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج طرابلس في 30 آذار/مارس ولم تلق مقاومة تذكر، وحصلت تباعا على تاييد المجموعات العسكرية التي كانت تسيطر على العاصمة، وتسلمت الوزارات والمؤسسات الرسمية. وبدا واضحا انها تحظى بدعم دولي كبير، اذ شهدت طرابلس زيارات عدد كبير من وزراء الخارجية والمسؤولين الغربيين. ويعول المجتمع الدولي على حكومة الوفاق لمكافحة تنظيم داعش الذي بدا بتجذر في مناطق ليبية عدة على بعد مئات الكيلومترات من اوروبا.

وشكلت حكومة الوفاق الوطني في طرابلس اخيرا "غرفة عمليات" عسكرية خاصة ضد التنظيم تقوم مهمتها على تنسيق انشطة مكافحة التنظيم في منطقة تمتد بين مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) وسرت. وقال مسؤول في الغرفة "اكتملت الاستعدادات لاستعادة سرت والمناطق الاخرى، وتوقيت الانطلاق في عمليتنا العسكرية بات قريبا". وكانت الغرفة اعلنت في اول بياناتها انها "شرعت في الاعداد للدفاع عن الدين والوطن ضد خوارج العصر والتكفيريين"، داعية "كافة شباب الوطن وشرفائه من عسكريين ومدنيين، إلى نبذ الفرقة والوقوف صفا في وجه العدو الغاشم، وانتظار ساعة الصفر لبدء العمليات القتالية". بحسب فرانس برس.

وفي الشرق، قال مسؤول في المكتب الاعلامي لقوات حفتر "تم اتخاذ قرار تحرير سرت، وتم وضع كافة الخطط العسكرية للاقتحام، على ان يشارك في تحرير المدينة كافة صنوف الاركان البرية والبحرية والجوية". وتابع المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته "ستنطلق قواتنا من منطقة البمبة (على بعد نحو 120 كلم شرق بنغازي) التي وصلت اليها قوات من الجنوب ايضا. لدينا القدرة والتجهيزات، لكن لا يمكن الاعلان عن ساعة الصفر ولا عن عديد القوات المسلحة" التي ستشارك في هذه العملية.

السيطرة على ابو قرين

من جانب اخر أكد مسؤول ليبي أن تنظيم داعش نجح إثر هجمات شنها على تجمعات لقوات حكومة الوفاق الوطني في السيطرة على منطقة استراتيجية في غرب ليبيا تقع على طريق رئيسي يربط الغرب الليبي بشرقه. وقال المسؤول في غرفة العمليات المشتركة ضد تنظيم داعش في مدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) إن التنظيم سيطر على منطقة أبو قرين، وبالتالي على الطريق التي تمر بها".

وأضاف المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته أن "التنظيم خرج من قاعدته في سرت وتمدد غربا، ونحن نستعد لمهاجمته لاستعادة المناطق التي سيطر عليها"، وشن التنظيم الجهادي هجوما على أبو قرين التي تبعد حوالى 130 كلم غرب مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) الخاضعة لسيطرته منذ حزيران/يونيو 2015. وبحسب شهود في أبو قرين، اندلعت اشتباكات بين عناصر التنظيم والقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني في المنطقة، قبل أن تنسحب هذه القوات من المعركة.

وهي المرة الأولى التي ينجح فيها تنظيم داعش في السيطرة على منطقة تقع إلى الغرب من قواعده في سرت، علما أنه يسيطر أيضا على مناطق شرق المدينة. وتقع أبو قرين التي تشهد عملية نزوح كبيرة منذ أسبوع، في منطقة استراتيجية قرب الساحل عند الطريق الرئيسي الذي يربط الشرق الليبي بغربه، ومدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) بمدينة سرت وبالجنوب الليبي أيضا.

ويأتي نجاح التنظيم في التمدد غربا في وقت تعلن قوات حكومة الوفاق الوطني وقوات الحكومة الموازية غير المعترف بها دوليا في الشرق عن قرب مهاجمة قواعد التنظيم لاستعادة سرت في حملتين عسكريتين منفردتين. وفي وقت سابق قتل أربعة عناصر في القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني في هجوم شمل تفجيرين انتحاريين شنه التنظيم، واستهدف نقطة تجمع لهذه القوات على بعد نحو 50 كلم شرق منطقة أبو قرين. وقال مسؤول في المركز الإعلامي لـ"غرفة العمليات" المشتركة إن الهجوم استهدف "تجمعا لقواتنا في السدادة" جنوب مصراتة. وأضاف "هاجم في البداية انتحاريان أحدهما يقود سيارة مفخخة والثاني دراجة نارية التجمع العسكري، ثم اندلعت اشتباكات في المنطقة بين عناصر التنظيم وقواتنا". وتابع "سقط لنا أربعة شهداء وأصيب 24 عنصرا آخر بجروح".

ودفع الهجوم على ابو قرين مئات العائلات الى مغادرتها خوفا من بطش التنظيم الذي فرض على سرت قواعد صارمة منذ سيطرته عليها، وحيث قام بقطع الايادي واعدام اشخاص بشكل علني. وفي بني وليد (150 كلم جنوب شرق طرابلس)، توزعت العائلات النازحة على مدارس المدينة بعدما وصلتها محملة بالفرش والملابس فقط. وقالت رجا سليمان وهي تتحدث في غرفة في مدرسة والى جانبها والدتها واخوتها الثلاثة "كنت في المدرسة حين دخلوا، ثم خرجت مع زملائي وكنت اتوقع الا اصل الى منزلي حية. بدانا في المنزل نسمع اصوات الاشتباكات، وشعرنا بالرعب، قبل ان نسمع ان الناس بداوا بالمغادرة. لم نعرف ماذا نفعل، فقررنا ان نغادر ايضا". بحسب فرانس برس.

وبحسب رئيس لجنة شؤون النازحين في بني وليد عبد الرحمن الهميل، يعيش نحو عشرين الف نازح من سرت وابو قرين حاليا في مدارس المدينة وفي مقرات عامة اخرى فيها. ووقف رجل عجوز في باحة مدرسة يرحب بوصول نازحين جدد اليها، وقد نزح هو مع عائلته الى بني وليد اتيا من سرت قبل سبعة اشهر. وقال ان الجهاديين "مجموعة من الكفار، لكن بعون الله والكريم سنعود، فنحن لا نخاف الا الله". وسأله صديقه عما يمكن ان يطلبه من الحكومة، فاجاب "حكومة؟ اية حكومة؟".

بريطانيا وتهديد داعش

من جانب اخر قال وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند إنه لا يرى أي تهديد وشيك لأوروبا من قواعد تنظيم داعش في ليبيا ولا يتوقع من الحكومة الليبية الجديدة أن تطلب قوات أجنبية في أي وقت قريب. وانزلقت ليبيا إلى هاوية الفوضى منذ أطاح معارضون مسلحون دعمهم الغرب بحكم معمر القذافي عام 2011.

وتأمل دول غربية أن تتمكن حكومة الوفاق الليبية التي وصلت إلى طرابلس من دفع الفصائل المسلحة في البلاد للعمل معا ضد تنظيم داعش وسبق أن عبرت تلك القوى عن استعدادها لتوفير خدمات التدريب للقوات الليبية إذا طلبت ذلك حكومة الوفاق. وشنت الولايات المتحدة بالفعل غارات جوية على مواقع التنظيم في ليبيا. وقال هاموند لا أتوقع أن تطلب الحكومة الليبية قريبا قوات أجنبية سواء قتالية أو للعب دور في مجال التدريب." وأضاف "لكننا أوضحنا أننا سندعم هذه الحكومة الجديدة." بحسب رويترز.

وكان هاموند قال لصحيفة تيليجراف قبل أيام إنه لا يستبعد إرسال قوات بريطانية إلى ليبيا لقتال تنظيم داعش. وكرر هاموند هذا الموقف قائلا إن بريطانيا لا تستبعد عملا عسكريا في ليبيا في حالة وجود "تهديد حقيقي وملموس يأتي من القواعد الإرهابية." وقال الوزير البريطاني "لا أعتقد أننا نرى تهديدا من هذا النوع في الوقت الحالي.. لكني ببساطة أردت أن أكون واضحا بأننا لا نستبعد استخدام قدراتنا للدفاع عن بلدنا وحماية شعبنا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0