الأوضاع الأمنية في افريقيا الوسطى وعلى الرغم من الجهود الدولية الكبيرة التي اسهمت بتحجيم عمليات العنف و التطهير العرقي بين الاطراف المتصارعة، لاتزال تشكل مصدر قلق لدى العديد من الاطراف والمنظمات خصوصا مع استمرار بعض الاعمال الانتقامية، يضاف اليها الاعتداءات والجرائم المستمرة التي يقوم بها بعض عناصر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المكلفة بحماية المدنيين ودعم جهود السلام والمصالحة الوطنية وتحسين الوضع الأمني. واندلع العام الماضي وكما تشير بعض المصادر صراع على السلطة في أفريقيا الوسطى، الغنية بالثروات المعدنية، وتطور إلى اقتتال طائفي بين عناصر سيليكا مليشيات مسلحة مسلمة وأنتي بالاكا مليشيات مسلحة مسيحية، أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف، بحسب الأمم المتحدة.

واستدعت الأزمة تدخّل فرنسا عسكريا، كما نشر الاتحاد الأفريقي بعثة لدعم أفريقيا الوسطى باسم ميسكا، ثم قرر مجلس الأمن الدولي، في العاشر من مايو/ آيار الماضي، نشر قوة حفظ سلام، تحت اسم مينوسكا التي تواجه اليوم جملة من الانتقادات بسبب بعض الاعتداءات والجرائم ضد المواطنين والاطفال، ويرى بعض المراقبين ان علمية السلام في هذا البلد ربما لن تطول ولأسباب مختلفة اهمها التدخلات والمصالح الخارجية، يضاف اليها عدم الاستقرار الامني الذي تشهده المنطقة بشكل عام وهو ما قد يساعد في تأجيج الصراع من جديد.

وفيما يخص جهود السلام فقد وافقت الجماعات المسلحة المتناحرة في جمهورية افريقيا الوسطى على اتفاق يقضي بنزع سلاحها. ويهدف الاتفاق الذي وقع مع وزارة الدفاع خلال منتدى للسلام في العاصمة بانجي إلى إنهاء صراع أودى بحياة آلاف الأشخاص وشرد ما يقرب من مليون شخص في المستعمرة الفرنسية السابقة الفقيرة. ولا تزال البلاد تشهد عمليات قتل متفرقة رغم وجود حكومة انتقالية بقيادة كاثرين سامبا بانزا وعودة قدر من النظام.

وجاء في نص الاتفاق أن "مقاتلي كل الجماعات المسلحة قبلوا وتعهدوا بانهاء الصراعات المسلحة في جمهورية افريقيا الوسطى." وأضاف "إنهم ملتزمون بالتخلص من أسلحتهم والتخلي عن القتال المسلح كوسيلة لتحقيق مطالب سياسية والدخول في عملية نزع السلاح." وستدعم هذه العملية قوة حفظ سلام من الأمم المتحدة قوامها عشرة الاف فرد تنتشر هناك. وتتصور العملية انضمام بعض أعضاء الفصائل المسلحة الى الجيش.

معضلة الاطفال المجندين

في السياق ذاته تعهد زعماء ثماني مجموعات مسلحة في افريقيا الوسطى بالافراج عن الاف الاطفال المجندين والتوقف عن تجنيدهم، ووقع الاتفاق على هامش منتدى بانغي الذي يضم قرابة 600 مشارك بهدف تحقيق المصالحة الوطنية ومناقشة مستقبل البلاد. وقال ممثل منظمة الامم المتحدة للطفولة (يونيسيف) محمد مالك فال في بيان انها "خطوة مهمة لحماية الاطفال في هذا البلد". واضاف "هذا البلد من اسوأ بلدان العالم بالنسبة للاطفال بعد سنتين من النزاع واليونيسيف تأمل العمل مع السلطات المحلية لمساعدتها على جمع شمل هؤلاء الاطفال باهلهم".

ويقدر عدد الاطفال المجندين لدى مختلف المجموعات المسلحة والمتمردة بما بين 6 الى 10 الاف في البلد الذي يشهد نزاعات منذ سنوات عدة.

وقال بيان اليونيسيف ان هذا العدد يشمل المقاتلين وكذلك "الاطفال الذين تعرضوا للاستغلال بطرق اخرى سواء لغايات جنسية او للخدمة في مجال الطبخ او كمراسلين". وقالت اليونيسيف ان قادة الفصائل المسلحة وافقوا كذلك على تمكين المنظمة وشركائها من الدخول بشكل فوري ودون اي قيود على المناطق التي يسيطرون عليها. ولم يتم اعتماد خطة زمنية للافراج عن الاطفال المجندين. وقال المتحدث باسم يونيسيف في جنيف كريستوف بوليراك "هذه ليست سوى نقطة البداية. الشروط متوفرة لكي تعطينا الامل"، موضحا ان غالبية المجموعات المسلحة وقعت على الاتفاق.

من جانب اخر قال صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن ميليشيا في جمهورية افريقيا الوسطى أطلقت سراح 163 طفلا كانت تشغلهم في أعمال سخرة منفذة بشكل جزئي تعهدا قطعته على نفسها في إطار اتفاق توسطت فيه الأمم المتحدة. وهؤلاء الأطفال الذين أطلقت سراحهم ميليشيا الدفاع الذاتي (أنتي بالاكا) التي يغلب عليها المسيحيون جزء من أكثر من ستة آلاف طفل يُعتقد أن جماعات مسلحة تُشغلهم في أعمال مثل الطهي أو التنظيف أو كمقاتلين.

ويُعتقد أن ميليشيا (أنتي بالاكا) نفسها مازالت تحتجز عددا أكبر من الأطفال مثل جماعات أخرى من طرفي الصراع ذي الصبغة الدينية. وقال محمد مالك فال من اليونيسيف الذي سهل إطلاق سراح الأطفال في بلدة باتانجافو في شمال افريقيا الوسطى "هذا الافراج علامة على أن عملية تنفيذ التعهد الذي أعلنه زعماء تلك الجماعات في إطار عملية السلام والمصالحة تسير في طريقها." وأضاف أن من المتوقع إطلاق سراح مئات الأطفال الآخرين قبل نهاية العام. وأطلقت جماعات مسلحة سراح أكثر من 350 طفلا في مايو أيار. وفي مناطق أخرى في الأيام الأخيرة بعد فترة من الهدوء النسبي منذ اتفاقية السلام التي توسطت فيها الأمم المتحدة في مايو أيار. بحسب رويترز.

واندلعت اشتباكات بين ميليشيات متناحرة في منطقة بامباري بوسط جمهورية افريقيا الوسطى مما أدى إلى سقوط نحو عشرة قتلى بعد ذبح ميليشيا (أنتي بالاكا) شابا مسلما. وقالت وكالة الأمم المتحدة للاجئين إن عدة آلاف اضطروا للنزوح من منازلهم بسبب تجدد أعمال العنف. وقال ممثل للوكالة إنه يشعر بقلق من مواجهة لاجئين سودانيين محاصرين في مخيم قريب "لخطر التعرض لهجمات بشكل كبير."

دستور جديد لحكومة جديدة

الى جانب ذلك قال مسؤولون إن المجلس الانتقالي في جمهورية افريقيا الوسطى وافق على دستور جديد مصمم لأن يكون قاعدة لحكومة جديدة فيما تحاول البلاد طي صفحة سنوات من العنف. ويجب إجراء استفتاء على الدستور الذي وافق عليه المجلس الانتقالي الوطني بأغلبية كبيرة لإقراره بشكل نهائي. وتحدد الخامس من أكتوبر تشرين الأول موعدا للاستفتاء وتعقبه انتخابات تشريعية ورئاسية في 18 أكتوبر على أن تجرى الجولة الثانية للانتخابات في 22 أكتوبر.

وقال ألكسندر فرديناند نجيوندت رئيس المجلس الوطني الانتقالي "الشعب صاحب السيادة سيقرر في الاستفتاء الدستوري ما إذا كانت الحريات والحقوق الأساسية... (في هذه الوثيقة) تسمح بإعادة تأسيس الجمهورية." وتشكل المجلس الانتقالي تحت قيادة الرئيسة المؤقتة كاثرين سامبا بانزا لقيادة البلاد الي انتخابات جديدة. ويلزم الدستور الوزراء بالتوقيع على القرارات التي يصدرها الرئيس ورئيس الوزراء. بحسب رويترز.

وقال نائب رئيس اللجنة القانونية في المجلس الانتقالي برونو جبيجبا "ستكون الحكومة ملزمة أيضا بإبلاغ البرلمان في كل مرة توقع فيها عقدا يتعلق بالموارد الطبيعية في البلاد." وأضاف أن الدستور يشمل أيضا مجلسا للشيوخ وسلطة وطنية للانتخابات وهيئة مكرسة للحكم الرشيد. وشهدت جمهورية افريقيا الوسطى ستة دساتير منذ استقلالها عن فرنسا في عام 1960 وهو ما يتطابق مع الرؤساء الستة الذين حكموا البلاد.

جنود الاغتصاب والقتل

على صعيد متصل فتحت قوة الامم المتحدة في افريقيا الوسطى (مينوسكا) تحقيقا حول اتهامات وجهتها منظمة العفو الدولية لجنود امميين لحفظ السلام بشأن "اغتصاب فتاة" و"قتل فتى في ال16 ووالده" اثناء عملية عسكرية في بانغي مطلع اب/اغسطس. واكدت العفو الدولية في بيان "ان العناصر التي بحوزتنا تبعث على الاعتقاد بان جنديا من القبعات الزرق اغتصب فتاة صغيرة وان اخرين قتلوا مدنيين اثنين بشكل عشوائي".

واعلنت قوة الامم المتحدة في افريقيا الوسطى التي تأخذ هذه الاتهامات "على محمل الجد" انها "ليست على علم بهذه الوقائع". وصرح المتحدث باسمها حمدون توريه من بانغي "اننا بحاجة لوقائع مؤكدة يمكن التحقق من صحتها، وقد فتحنا تحقيقا" في الامر. وفي نيويورك صرح ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الامين العام للامم المتحدة بان كي مون "لا يمكن التساهل مع اي سلوك سيء من هذه الطبيعة"، مؤكدا "انه امر غير مقبول والامين العام ينظر الى الوضع بجدية بالغة".

وقتل خمسة اشخاص على الاقل بينهم جندي كاميروني في مينوسكا كما اصيب عشرات اخرون خلال هذه العملية التي جرت في الثاني والثالث من اب/اغسطس بهدف توقيف زعيم سابق لحركة التمرد سيليكا في الجيب المسلم بي كيه5 في بانغي. وطالبت العفو الدولية ب"وجوب اجراء تحقيق مستقل بشكل عاجل من قبل القضاء المدني وبتوقيف المسؤولين المفترضين عن هذه الجرائم بدون تأخير".

وقالت المنظمة غير الحكومية انها "تحدثت مع 15 شاهدا مباشرة بعد الوقائع وكذلك مع الفتاة المعنية وافراد عائلتها". وجاء في بيان العفو الدولية "اثناء عملية دهم منزل حوالى الساعة الثانية فجرا اختبأت الفتاة في الحمام. فاقتادها رجل يعتمر على ما يبدو خوذة زرقاء ويرتدي سترة لقوات الامم المتحدة لحفظ السلام الى الخارج واغتصبها خلف شاحنة". وروت الفتاة لمنظمة العفو الدولية "بدأت ابكي فصفعني ووضع يده على فمي".

وفي ما يتعلق بقتل والد وابنه اوضحت العفو الدولية "ان بالا حاجي (61 عاما) وابنه سليمان حاجي (16 عاما) اصيبا باطلاق نار امام منزلهما". وقال احد الجيران الذي شاهد ما حصل "انهم (القبعات الزرق) اطلقوا النار على كل ما كان يتحرك". واوضح المتحدث باسم مينوسكا ان القوة فتحت تحقيقا "حول كل العملية" في حي بي كيه5 الذي يصعب الدخول اليه والمفتوح امام تهريب السلاح. وقال "اننا نمارس (سياسة) عدم التسامح في مجال الاستغلال الجنسي".

وفي خصوص تهمة القتل قال المتحدث ان القبعات الزرق استقبلوا ب"اطلاق صواريخ وقنابل يدوية. من الصعب معرفة من قتل وسط هذه الظروف". واكد "لقد فتحنا تحقيقات، ولا نتعامل بخفة مع الامر". وفتح القضاء الفرنسي من جهته تحقيقا بخصوص اربعة عشر عسكريا فرنسيا في عملية سنغاريس في افريقيا الوسطى متهمين باغتصاب ستة اولاد بين اواخر 2013 ومطلع حزيران/يونيو2014. بحسب فرانس برس.

وقد شنت عملية سنغاريس الفرنسية في كانون الاول/ديسمبر 2013 لوضع حد لاعمال العنف التي تقوم بها سيليكا بحق المدنيين. لكن اذا كانت عاصمة افريقيا الوسطى شهدت عودة بعض الهدوء منذ اشهر، فان سنغاريس ومينوسكا لم تتوصلا الى توفير الاستقرار في كل مناطق البلاد التي لا تزال "مناطق رمادية" عديدة فيها عرضة لجماعات مسلحة وعصابات اللصوص.

من جانب اخر اكد المفوض الاعلى لحقوق الانسان في الامم المتحدة انه حض دولا عدة على تكثيف جهودها للتحقيق حول اتهام جنودها المنتشرين في جمهورية افريقيا الوسطى بارتكاب جرائم. ولفت زيد رعد الحسين خصوصا في بيان الى "قتل مدنيين واعدامات تعسفية وعمليات خطف واستغلال جنسي للنساء المحليات". واعتبر ان "هذه المزاعم تثير قلقا كبيرا"، مشيرا الى ان "سكان افريقيا الوسطى يحتاجون الى حماية والدور الذي اضطلعت به القوات الدولية في وقف المعارك والمجازر الطائفية الاكثر خطورة في جمهورية افريقيا الوسطى يحظى بتقدير كبير، ووجودها انقذ من دون شك عددا كبيرا من الارواح". وتدارك "ولكن في بعض الحالات فان من يتولون الحماية تحولوا الى معتدين". وتحدث زيد الذي سبق ان اعد في نيويورك تقريرا عن الانتهاكات المرتكبة في اطار بعثات السلام الاممية، عن "مشكلة تتكرر"، مطالبا ببذل مزيد من الجهد لوضع حد لها. ولاحظ انه تمت معاقبة "العديد من الضباط الكبار في بعثة الامم المتحدة" من جانب سلطات بلدانهم الام، مع اعادة هؤلاء في شكل مبكر الى هذه البلدان.

على صعيد متصل أعلنت بعثة الأمم المتحدة في افريقيا الوسطى (مينوسكا) عن مقتل مدنيين اثنين في بانجي جراء إطلاق قنابل يدوية من قبل مسلحين مجهولين في اثنين من أحياء العاصمة. وأوضحت "مينوسكا" في بيان لها أن "مسلحين مجهولين" أطلقوا قنبلتين يدويتين على الأقل في حي بيتيفو وحي فاطيما مما أسفر عن سقوط قتيلين وعدة جرحى. وأعربت البعثة الأممية عن أسفها لهذه الهجمات التي تأتي في وقت نلاحظ فيه تحسنًا للوضع الأمني في بناجي وكذلك استئناف الأنشطة الاقتصادية"، مستنكرة "الأعمال البشعة والجبانة". وأضاف البيان: "يقوم محققون حالياً بتحديد مرتكبي هذه الجرائم لكي يحاسبوا على جرائمهم أمام القضاء في افريقيا الوسطى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2