لا تزال أوروبا خائفة من تكرار عمليات إرهابية تحصد المزيد من الأرواح مستهدفة مواطنينها، فلم تمر سوى ايام معدودة على ما شهدته فيينا واحداث اخرى بمدينة نيس في جنوب شرق فرنسا، الى جانب حادثة قطع رأس المدرس صامويل باتي، عقدت على خلفية تلك الاحداث قمة مصغرة بدعوة من باريس لمناقشة التهديداتِ الإرهابية ووضع استراتيجيات للحد من أعمال الدموية.

القمة تناولت جملة من الملفات المطروحة، واكدت على مسائل عدة، ابرزها الدفاع عن القيم الأوربية، وتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية في دول الاتحاد، معتقدين ان لهذه المؤتمرات أهمية قصوى للحد من الضربات التي تستهدف اجزاء من اوربا.

هذا النوع من الاجتماعات والمؤتمرات لم يكن الأول فمنذ عام 2015 تحصل الحوادث الإرهابية وتتصاعد موجة الغضب ضد الجهات التي توجه اليها وفي غالب تكون جهات تدعي الإسلام بصورة متطرفة، اذ تحصد تلك الهجمات ارواح مئات الأفراد، مما استدعى ان تدخل دول الاتحاد الأوربي مرحلة جديدة لمواجهة الخطر الذي يهدد أمنها المجتمعي والسلم الذي تعيشه البلدان الأوربية بصورة عامة.

الدول الأوربية تعتقد ان لها الحق في التضييق على الجالية المسلمة بعد تزايد الهجمات على بعض المؤسسات والأماكن العامة بالشكل الذي يثير الرعب في نفوس الاشخاص وعكس صورة سلبية حول من يعتنق الدين الإسلامي الحنيف، فقد أخذت بعض الدول تتعامل بأسلوب متطرف يمكن ان نعده ردة فعل تساوي التطرف الأول وتعاكسه بالاتجاه.

وهنا نقول ان حكومات الدول الأوربية أخطأت في التعامل مع هذا الملف، فبإمكانها ان تعمد الى أتباع أساليب اخرى، اكثر تقبلا من الآخر ولا تعمق الفجوة التي تحصل بين أفراد المجتمعات الإسلامية وغيرهم في المجتمعات الأوربية، الذين يرون البلدان الإسلامية على انها بلاد الإجرام وسفك الدماء.

ما ينقص المجتمع الأوربي ليس الافكار والمشاريع والقوانين وإنما الإرادة السياسية لتطبيق كل ذلك على ارض الواقع، وهذه الاجتماعات المتكررة تحمل قدرا كبيرا من الأهمية، لاسيما وان الشخصية الأوربية اصبحت تعي ان التهديد الأمني لازال جاثما على صدور الأوربيين.

ومن اجل تفعيل هذه الإرادة النسبية عمد الاتحاد الأوربي الى تشكيل مجلس امن داخلي، لم نعرف لحد الآن، اذا كان قادر على تجفيف منابع الإرهاب والعمليات المتكررة التي تطال بعض المدن الأوربية التي تزايدت في الايام القليلة المنصرمة، وقد تخفق هذه الجهود التي تبذلها الدول الأوربية، لمحاربة التطرف بكل صنوفه، والسبب وراء ذلك بسيط جدا.

هو ان اوربا بصورة عامة تربط الإرهاب بالدين الإسلامي، في حين ان الإرهاب ليس له دين ولا لون، واذا كان تعامل الدول الأوربية على أساس حماية الأفراد وتوفير الأمن لهم على اختلاف ألوانهم، فان من الممكن ان يحقق هذا الملف نجاحا ملموسا.

اما اذا كان الغرض منه هو لزيادة الهوة التي وجدت بين المجتمعين العربي والغربي، فمصيرها كما سابقاتها الفشل وعدم التوصل الى نتائج إيجابية تقوي اواصر الترابط بين المجتمعات الإنسانية على اختلاف مشاربها.

امام الدول الأوربية فرصة وحيدة وهي اللجوء لصيغة موحدة لوقف هذه العمليات، مستثمرة من اجل ذلك نقاط اللقاء والتوافق بين معظم الدول، والتي يأتي في مقدمتها رغبة أوربية في التوصل الى حلول جماعية، لوقف ظاهرة هددت ولا تزال تهدد المجتمعات الأوربية كافة، بنسب متفاوتة بحسب تأثير المدن على السياسة العامة ومكانتها في المجتمع الدولي.

سبعة وعشرين بلد أوربي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، وكل دولة تعمل على ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة بصورة منفردة، مما يشكل عائقا كبيرا امام تحقيق الاستقرار المطلوب والذي تفتقد اليه المنطقة منذ سنوات بعدما وجه الإرهاب ضرباته المتكررة للمدن الأوربية.

فالمجتمع الأوربي اليوم يحتاج الى وضع معايير وقوانين لتحديد مفهوم الإرهاب، بعد ذلك العمل على تعزيز مبدأ احترام الأديان جميعا.

بعض أشكال الإسلام المتطرف لا تتفق مبادئه مع مبادئ الاتحاد الأوربي وعندما يتحدث الزعماء الأوربيين عن الانفصالية الاسلاموية، لا يعنون الانفصال المناطقي، بل الانعزال الفكري والانطواء على الذات، بالاضافة الى التعامل بالمثل من قبل الطرفين، وجميع هذه المشاحنات كانت عامل نفور بين المجتمعات لا عامل تجاذب وقوة.

ويبقى امام الاتحاد الأوربي مهمة قد تكون من المهام الجسيمة، تتمثل في توحيد الصف لمحاربة التطرف الذي عصف بمجتمعاتهم، فهل تنجح هذه الجهود وتصبح كاليد الواحدة للتخلص من الأفعال التي ترفضها الإنسانية بجميع اشكالها؟ ام ستذهب كل الجهود الدولية مهب الريح دون التخلص من الصداع المزمن الذي تعاني منه منذ فترات طويلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10