تحدث باستمرار صدامات بين مؤسسة أمنية حكومية غير مرتبطة بكيان أو حزب سياسي وفصيل يرتبط بحركة سياسية أو دينية سواء كان يعمل ضمن قرارات حكومية أو فرض نفسه على الأرض من خلال برامجه ونشاطه، الحالة العراقية يمكننا أن نصفها تلك المشكلة السياسية التي تواجه بناء حكومة ديمقراطية مدنية، وبسببها تتأجج الصراعات وترتبط بصراع ايديولوجي حول طبيعة الدولة نفسها.

كما يمكننا القول إن العراق ليس فيه أغلبية سياسية تقرر مصيرها وبوضعها السياسي بحيث تكون هي صاحبة القرار تجاه تكون أو لا تكون بل بقيت المؤسسات الحكومية عالقة بمحاصصة وتوزيع القوة السياسية وبالتالي أصبح العنف خطرا يهدد الجماعات بالانهيار من الداخل قبل الخارج. وحتى مع امتلاك تلك الجماعات أساليبها الخاصة في حل النزاعات لكن هذا لا يكفي بالنسبة للدولة الحديثة إذا لم تجد سبيلا لتقييد العنف وإبعاد مخاطره.

السؤال المحير هل قادة المؤسسة العسكرية يعتقدون أن الفصائل المسلحة وجودها وعملها شرعيين؟، أم تعتبر المؤسسة الأمنية أن هذه الفصائل اكتسبت بطاقة حمراء وأصبحت خارج اللعبة؟ أم أن هناك أسلوباً مختلفاً؟

الإيجابي في الأمر أن هناك نظرة لهذه الفصائل التي باتت لها ثقلا بين الأوساط السياسية والشعبية بل أنها تختلف عن تلك الجماعات الإرهابية كالقاعدة كمل تنظر لها أمريكا، فالفرق أن الأولى تحكمها قيادة تؤمن إلى حد كبير بالحوار والتفاوض ولو عبر وساطات إضافة الى أنها ترتبط فيما بينها بعلاقات برغم تباينها إلا أنها معقلنة، فضلا أنها ترتبط بمكون ديني له رموزه الدينيين الذين بإمكانهم الضغط والتغيير ببعض المواقف رغم التباين في نوع العلاقات أو الرؤية للقضايا الدولية. فيما الثانية تعتبر العنف وسيلتها وهدفها.

فكل مرة يحتدم الجدل عندما تحدث أي عملية أمنية بين المؤسسة العسكرية وبين فصيل عسكري، المؤسسة العسكري لها نهجها العسكري الذي تراه مناسباً لسيادة القانون، فيما تُتهم بأشكال مختلف عندما تقوم بهذا الدور.

فيما نرى أن هناك جمهورا يتبع هذا الفصيل العسكري مدافعاً عن الدور والإرث الذي خلفه هذا الفصيل، بمعنى أن شرعيته مستمدة من دوره العسكري الذي قام به تجاهين الأول محاربة تنظيم داعش وهذا متفق عليه تماماً بأحقية ذلك، وضربه الوجود الأجنبي وهذا مختلف عليه من جانب آخر.

الجدل والرأي منقسمان حتى بين النخبة السياسية والثقافية، فأحدهما يرى أن السيادة الوطنية لا تستحق إلا بإدارة مركزية للأمن تتمثل بوزارتي الدفاع والداخلية وبقية الأجهزة الأمنية المتعارف عليها في العصر الحديث أنها تأسست مع نشأة الدولة الحديثة.

والرؤية الثانية ترى أن الحاجة والظروف تستدعيان نشأت أجهزة أمنية موازية أو متداخلة في عملها مع الأجهزة الحكومية. وهذه الثانية لها شواهد تاريخية دافعت عن البلدان المحتلة.

أما دوافع المواجهة فالعامل الخارجي (الأمريكي) الذي يضغط تجاه القضاء على أي جماعة لا ترتبط بحلفها العراقي، فان واشنطن تدفع بشكل مستمر للقضاء على الفصائل المسلحة التي تستهدف مصالحها. وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة أسباب رغم البون والفارق بين مجموعة مسلحة وأخرى لكننا نذكرها هنا بشكل عام من هذه الأسباب:

أولا: أن هذه الفصائل تنطلق من رؤية دينية لا تتنازل لأسباب عقائدية دينية ترى في الديمقراطية والمدنية مشروعاً أمريكياً.

ثانياً: لا يمكن الفرز بين فصيل عسكري تكون وسيلته الجهاد أو القتال أو العنف للدفاع عن قضية ما وهذا النوع يمكن الحوار معه خصوصاً فيما يتعلق بالمصالح، فيما هناك فصيل ما يكون هدفه ووسيلته العنف وهذا النوع لا يمكن الحوار معه وهو باعتقادنا الشخصي لاينطبق لكن كيف لنا أن نثبت ذلك؟

ثالثاً: أن الفصائل المسلحة نظراً لكونها غير محلية بل عابرة للحدود فالتعامل معها أصعب من غيره.

رابعاً: عدم استعداد هذه الفصائل لأجراء أي مفاوضات، لكن الرهان على المستقبل بأن هذه الفصائل ستتحاور لاحقاً لاختلاف الظروف.

في وضع مثل العراق يصعب حسم الأمر لمصلحة أحدهما فهما يرتبطان بالظروف وشكل النظام السياسي والتدخلات الخارجية وانقسام السلطة وتحديدا عندما تكون موازين القوى ترتبط الانقسامات تدعم جماعات هنا الجماعات هناك.

نمر اليوم بمرحلة تحرر وبناء دولة حديثة تسيطر على العنف وتفرض هيبتها واحترامها في الساحة الدولية، وتعيد الثقة من أجل تدارك التأخر الاقتصادي والسياسي والثقافي.

فبعد الانتصار على داعش فهي مرحلة أيضا شاع فيها الأمل أن يحصد الجيل الجديد ثمرة التضحية الجسيمة التي أقدمت عليها فصائل الحشد الشعبي. غير أن الأمل سرعان ماتبدد، فمن نير الإرهاب انتقلنا لنرزخ تحت نيران أجنبية، لذلك يطرح السؤال بالعلاقة المعقدة بين الدولة ومؤسساتها الأمنية وبين فصائل حديثة تحمل السلاح مازال هدفها المعلن قتال الإرهاب وطرد القوات الأجنبية من العراق.

ان مظاهر العنف أصبحت مقلقة. تستدعي كثيرا من التدقيق والدراسة في جذورها ودوافعها المنظورة وغير المنظورة، وأن تقلب الدوافع الممكنة لأي مواجهة الأمر الذي يمكن من التعامل معها.

المؤسسة العسكرية بدورها عليها أن تدرك أن العنف ضد المجموعات أو الفصائل العسكرية المندمجة في إطار الدولة أو تلك التي تعمل بمساندة شعبية، فإن هذا العنف سيكون محفزا لنشوب مواجهات قد تصل لمستوى الحرب خصوصا عندما تكون تلك الفصائل المسلحة تعمل بشرعية شعبية وان كانت محدودة فهي تعمل في ظل إخفاق أو ضعف المؤسسة الأمنية. ومع انعدام وسائل التعامل السلمي الأمر الذي يؤدي إلى انتقال العنف من مستوى الأداة للمؤسسة الأمنية إلى مستوى هيكلي متداخل مجتمعياً. وبالتالي يؤدي ذلك إلى صراع بين الدولة والمجتمع، ومن المرجح أن يتصاعد قبول الأفراد لثقافة العنف لحل المشاكل سواء بشكل فردي أو جماعي.

خلاصة القول، ان المخرج السياسي ضروري جدا لإنهاء الأزمة، فلا يوجد صراع غير قابل الحل لكن يحتاج ذلك إلى مثابرة وقيادة سياسية تتميز بالحكمة والصبر، فمن التجربة حاولت العديد من الأنظمة أن تنهي دور حركات مسلحة بالقوة المفرطة، إلا أن ذلك يؤجل الصراع.

اعتقد أن حلا دائماً للصراع المسلح يأتي من ايمان نهج تفاوضي، وبأهمية دور المؤسسة الأمنية في سيادة الامن فانها تعمل ضمن اطار الدولة الحديثة من واجباتها حماية مجتمعها ضد العنف، الانتقال السياسي في العراق فرصة لاعادة النظر في السياسة الأمنية ومحاولة ربطها بالممارسة الديمقراطية من خلال التشريع والمراقبة والتقويم، بمعنى دمقرطة المؤسسة الأمنية وسياستها، ولا مجال للتنصل عن تولي حفظ الامن الذي لا يقبل الانقسام او القسمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

16