من جديد؛ ظهر زعيم تنظيم داعش الإرهابي (أبو بكر البغدادي) في مقطع مُصَوَّر للمرة الثانية بعد ظهوره الأول في مسجد النوري بالموصل في حزيران 2014 لحظة اجتياح سواده التكفيري لمدينة الموصل، واحتلال بعض المدن العراقية غرب وشمال العراق معلناً قيام ما يعرف بـ (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، قبل أن تندلع حرب تحرير المدن العراقية بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرتها المرجعية الدينية في النجف.

ظهور البغدادي جاء بعد انهيار شبه تام لعناصر التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا، خصوصاً في آخر معاقلهم في منطقة الباغوز.

وبعيداً عن التحليلات العسكرية لأثر ظهور الزعيم الإرهابي، والتي أفادت بأنه يريد إنعاش معنويات مقاتليه، بعد سلسلة الهزائم التي لحقت بهم؛ لابد لنا من مناقشة البعد الفكري لهذا الظهور، وخصوصاً في قضية التعايش التي تبدو مهددة بهذا الظهور الذي طغت عليه لغة الكراهية. البغدادي استهل حديثه في المقطع الفيديوي بالتخفيف من وطأة الهزائم التي تعرض لها التنظيم، حين اشار إلى أنهم مأمورون بـ "الجهاد" وليس بـ "الانتصار". وفي هذا توجه صريح بمواصلة الأعمال الإرهابية ضد من أسماهم بالصليبيين متحدثاً عن حادثة الكنائس في سيرلانكا التي تبناها التنظيم الإرهابي معتبراً إياها ثأراً لهزيمة قواته في الباغوز السورية.

اللافت أن البغدادي لم يتطرق في حديثه حول كنائس سيرلانكا عن قضية استهداف المسلمين المؤدين للصلاة في المسجد النيوزلندي، واكتفى بالتنويه أن ما جرى في سيرلانكا هو ثأر لهزيمة تنظيمه في سوريا. وإذا أردنا تحليل تجاهله لحادثة المسجد النيوزلندي الأليمة؛ فإننا نصل إلى أن توجهاً متفقاً عليه من عدة أطراف لتأصيل خطاب الكراهية بين المكونات الدينية، وهي الحادثة التي وصفناها سابقاً بأنها بداية الخشونة الصريحة للكراهية الناعمة والتي بشَّر بها اليمين المتطرف، ويسير على نهجه ــ وإن اختلفا ــ زعيم الإرهاب الداعشي بإطلاقه التهديدات العلنية ، وإصدار الأوامر للأتباع بضرورة مواصلة "الجهاد" ضد بلدان "الصليبيين والكفار" وذلك من اجل تعميق الشرخ الإنساني بين مسيحيِّي العالم ومسلميه، وإجهاض أية محاولة للتعايش السلمي بين هذه المكونات التي ابتلت بصراع الإرادات التي لا همَّ لها سوى إشعال الحروب، وتهيئة الطرق وتعبيدها لمزيد من العنف.

والواضح أن الأقليات المسلمة المنتشرة في بلدان الغرب، خصوصاً البلدان التي أشار لها البغدادي في ظهوره الأخير؛ هي الأكثر تضرراً من خطابه العدواني المتطرف؛ لأن الغرب ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ينظر للمسلمين جميعاً، وبدفع ماكينات إعلامية ضخمة على أنهم مجرمون متطرفون، وغير مستعدين للاندماج في المجتمعات التي لجأوا إليها، لذلك فهم في حالة من الاضطراب بعد الفيديو الأخير للبغدادي، حيث أن حادثة المسجد النيوزلندي لا تزال قريبة، ومازال حضورها المؤلم في الذاكرة، ثم جاء هذا الظهور ليؤصل الشرخ بين أبناء الديانتين المسيحية والإسلامية.

وحتى لو قرأنا في عن حرج وكالة الاستخبارات الأميركية من ظهور البغدادي، أو رصد مبالغ مالية طائلة لمن يدلي بمعلومات عن مكان تواجده وهذه بالذات نكتة سمجة؛ فإنَّ خطابه هذا جاء منسجماً جداً مع توجهات الشرخ الحضاري لليمين الأميركي المتطرف، والداعي صراحة للكراهية . قلنا سابقاً: إنَّ اليمين سيواجه صعوبات كبيرة في إقناع العالم وخصوصاً في الشرق الأوسط بالديموقراطية المفصلة على مقاسات الشعبوية المتعالية مما يعرض أركان الليبرالية للاهتزاز، وقد أدرك أقطاب اليمين هذه الحقيقة؛ لكنَّ الإرهاب ومنطقه العنفي تكفل بإنعاش هذه المخططات عبر ظهور البغدادي الذي قيل إنه أنعش معنويات مقاتليه، لكنه في الحقيقة أنعش الإرادات المتطرفة لقوى اليمين التي ستجند إمكانياتها إعلامياً وتواصلياً في تعزيز ثقافة الارتياب من كل مسلم، عبر الترويج لخطاب الإرهابي البغدادي، الأمر الذي يجد فيه المسلم صعوبة بالغة في الاندماج مع البلد الذي قصده أصلاً وهو هارب من جحيم الإرهاب الذي تريد قوى اليمين أن تلصقه به، وتضلل العالم أنه ينتمي إليه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0