لا شك أن العالم اليوم؛ يواجه انشطارات قيمية تجعل المحتوى الإنساني لهذه القيم متداعياً ومتصدعاً. ومن أبرز مخرجات انشطار القيم هو تكريس الأنانية التي تستبدل أناها على المستوى الفردي ب (أنا) جمعية تكرس النفوذ السلبي على مقدرات البشرية عبر نفوذ عنفي يساهم في إدامة زخم الأنانية التي تبدو مُقننة وهذا هو أخطر أنواع الأنانية.

إن فكرة نفوذ الـ (أنا) الجمعية تستفيد اليوم من مكونات الحضارة الاتصالية، ووسائلها الالكترونية المتفاعلة مع ثورة المعلومات، وبالتالي فإن هذه الوسائل تساهم في صنع جبهات وخنادق متصارعة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من ضعف واضح في تحقيق متطلبات العيش الكريم، والحياة التي تليق بقيمة الإنسان، فضلاً عن فشلها في إدارة مواردها البشرية والطبيعية، الأمر الذي سيعزز شعور الفرد بالضآلة وعدم الجدوى، وشيئاً فشيئاً يجد نفسه مستسلماً لصراع الإرادات، فيكون في هذا الخندق أو ذاك حتى ولو لم يكن مقتنعاً أصلاً بهذه الخنادق، لكن الضغط كبير، وأكبر من الاستيعاب، فتنجح الـ (أنا) الجمعية في تأصيل شعور خواء الفرد من الداخل؛ لتؤهله تدريجياً لمشروعها العنفي والذي يبدأ من سُلَّمِ التعصب.

والتعصب لابد له من آليات تعزز نفوذه إلى الفرد اليائس، ومن أبرز هذه الآليات آلية الاعتماد على إشغال ذهنية الفرد بقصص ماضوية تم تزييف حكاياتها من خلال جهود هائلة ومبرمجة تخضع لعمل مؤسسي منظم؛ بهدف تضليل المجتمعات وضرب قيمها وفق سياسة الخنادق المتصارعة، والمستفيدة أصلاً من عوامل الانقسام المجتمعي الذي رسخ الميل إلى التعصب، وقلص مساحة التسامح.

ليس لنا إلا التسليم بأن التعصب وما سينتجه لاحقاً من إرهاب وأعمال عنف؛ ما هو إلا صناعة مؤسساتية تعمل وفق منهجية وبرمجة منظمة تمد لها خيوطاً عدة، وقد يكون خيط المعتقدات الدينية هو الأسرع في الحصول على النتائج عبر تخويف هذا الفريق من ذاك مع رش قليل من البهارات الإيديولوجية لإضفاء نكهة عنفية مميزة، فيكون التعصب طبخة ناضجة فيها كثير من مطيبات العنف، فالإيديولوجيا إلى جانب العوامل التاريخية والمادية يتم وضعهما في قدر الـ (أنا) الجمعية، ويوضع القدر على نار منهجية هادئة، ثم بعد ذلك الجلوس والاستمتاع على مائدة التعصب (الشهي).

شركات الأسلحة وأرباح العنف

صارت لدى بعض الجهات المهووسة بالاستبداد قناعة بأن صناعة الدمار أمر مربح سيدر المليارات ويدخلها في جيوب القائمين على هذه الصناعة المدمرة للمستقبل البشري.

وبمجرد إشعال نزاع ما سواء كان عقائدي أو سياسي، أو ربما صراع يتداخل فيه العقائدي بالسياسي؛ حتى يبدأ سباق التسلح بين الشركات الخاصة بصنع الأسلحة، وهي شركات غير معنية بمستقبل البشر بقدر اهتمامها بمشهد الدم المسال الذي سيصير لاحقاً بالعملة الصعبة !

ومديرو هذه الشركات يمكن أن يدخلوا على خط التفاوض أو خط تدعيم نزاع ما لإيصاله إلى النزاع المسلح، والتاريخ يحدثنا عن رئيس شركة (كوفنتري أوردنانس وركس) في عام 1908 بإقناع حكومة المملكة المتحدة بأن الألمان يطورون سلاحهم البحري وفق برامج حديثة ومتطورة، فما كان من البريطانيين إلا الانفاق والبذخ على القطاع العسكري البحري لمنافسة البذخ الألماني المزعوم، الأمر الذي ولد مشاحنات كادت أن تفضي لحرب مدمرة قائمة على معلومات تضليلية وكاذبة. فالتضليل والكذب أمر مرحب به لدى شركات إنتاج السلاح طالما سيحقق الهدف الأقصى لهم وهو التويج لبضاعتهم الفتاكة بعد حرب يفتعلون أسبابها باستمرار.

إن مديري هذه الشركات التسليحية وبما لايقبل الشك أو اللبس لهم غطاء رسمي وسياسي لممارسة أعمالهم، حيث أن الغطاء السياسي له نسبته من أرباح الدمار المُنتج.

لايمكن المساس بالمؤسسة العنفية

لقد شاهدنا كيف أن الإرهاب صارت له حواضن مجتمعية قد لا تنسجم مع سلوكياته، ومع ذلك وجد ملاذاً مجتمعياً آمناً، وهذا يؤكد أن وراء الإرهاب دفع مؤسسي ضخم مدعوم من مكونات الحضارة الاتصالية التي تحدثنا عنها، فضلاً عن دفع الشركات المستفيدة من العنف كشركات الأسلحة وشركات المقاولات، أو حتى المؤسسات الإعلامية المرتبطة بها. وهذا الدعم هو وقبله عوامل تاريخية رسخا قدسية المؤسسات التي تصنع التطرف بحيث صارت عند البسطاء من الناس الذين لاعلاقة لهم بالعنف مؤسسات واجبة الطاعة، خصوصاً لو ارتدت المؤسسة المعنية ثوباً عقائدياً معيناً، فتصير عندئذ خدمة أفراد العنف خدمة للمؤسسة المقدسة التي تبنت هؤلاء الأفراد وهذا أمر خطير فعلاً؛ لأن الأفراد العنفيين يمكن مواجهتهم أمنياً وعسكرياً، لكن الفكر الذي ترسخه المؤسسات الراعية للتطرف هو الأخطر الذي يجب التصدي له على أن يكون التصدي نوعياً، أي مواجهة الفكر بالفكر، فمواجهة الفكر بالسلاح أمر لم يجد نفعاً طيلة الفترات الزمنية السابقة.

ونفس الانطباع يمكن أن يتكون في حال كانت المؤسسة التي صارت (مقدسة) صاحبة توجه غير ديني، فكثير من الحركات المسلحة التي تعود بجذورها للفكر الماركسي ارتكبت مجازر وأعمال عنف، لكن هذه المجازر كان يبرر لها ــ مؤسسياً وفكرياً ــ على أنها (ضرورات مرحلية) ، بل أن كثير من الماركسيين اليوم يرفضون وصف (جوزيف ستالين) بالدموي والديكتاتور حتى مع معرفتهم بالملايين من ضحاياه. إذن، تبرير مجازر الشيوعيين، ورفض توصيف ستالين بالديكتاتور ما هو إلا نوع من أنواع الطاعة للمؤسسات التي تصنع التطرف معززةً أناها التوسعية المقيتة، وطموحها في استعباد الإنسان من أسهل الأبواب التي تفضي إلى الدخول إليه.

وحتى لو افترضنا انهيار المؤسسة، وانهيار الأفكار التي تتبناها كما حدث فعلاً حين انهارت المنظومة الاشتراكية، وتفكك الاتحاد السوفياتي؛ فإن إرادة الـ (أنا) ستعمل حتماً على إيجاد البديل، وهذا حدث فعلاً حين تم التأسيس لمنظومة إرهاب (إسلامية) التوجه؛ لإكمال مسيرة دمار البشرية وتدجينها لصالح الإرادات المتوحشة التي لابد لها من صنع الخنادق المتصارعة والمتقاتلة. وقد يحدث التعاون بين أصحاب هذه الإرادات وبين من يستعد للتماهي معها من الحكومات التي لاهم لها سوى البقاء جاثمة على صدور الشعوب البائسة والمسحوقة، أو حتى مع المؤسسات التي تدخل طائعة في هذه اللعبة، فيكون التعاون مثلاً بتوفير مبررات إيجاد الجماعات الإرهابية فقهياً، بينما يتولى أصحاب الإرادات مهمة تسليح هذه الجماعات وتوفير الدعم اللازم لمهمتهم التي ستفتك بالبشرية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13