تسعى فرنسا التي تعرضت للعديد من العمليات الارهابية في السنوات الاخيرة كغيرها من الدول الاخرى، الى تشديد اجراءاتها الامنية والقانونية الخاصة بمكافحة الارهاب والتطرف، خصوصا وانها قد أدركت بحسب بعض المصادر من خلال حقائق الأرقام أن المتطرفين من الفرنسيين، سواء من السكان الأصليين أو أبناء المهاجرين والمجنسين، قد أضحوا خطراً حقيقياً على الأمن القومي للبلاد، فهناك الكثير من المتطرفين عرفوا طريقهم إلى داعش في العراق وسوريا، وإن أكثر من ثلاثة آلاف عنصر من الفرنسيين المرتبطين بتنظيمات إرهابية واقعين تحت مراقبة أمنية واستخباراتية فرنسية.

فقد تزايدت تهديدات الجماعات المتطرفة ضد فرنسا، بسبب خسائر تنظيم داعش في سوريا والعراق، حيث يحاول المتطرفون شن هجمات داخل هذه البلاد وغيرها، و لاسباب كثيرة منها انهم أصبحوا اليوم غير قادرين على الانضمام إلى صفوف داعش خارج اوطانهم ، أو لأنهم قد عادوا من هناك. ولعل ظاهرة الخلايا النائمة باتت تمثل قلقا كبيرا لأجهزة الأمن الفرنسية، وهو ما اجبر السلطات على اتخاذ اجراءات جديدة والعمل على تشريع قوانين صارمة ومهمة تعطي لقوات الامن سلطة أكبر.

تشريعات جديدة

وفي هذا الشأن أقر البرلمان الفرنسي مشروع قانون لمكافحة الإرهاب من شأنه أن يعزز صلاحيات الشرطة في مجال المراقبة ويسهل إغلاق المساجد التي يشتبه أنها تحض على الكراهية لكن جماعات حقوقية قالت إنه سينتهك الحريات المدنية. وقبيل التصويت وصف وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولوم فرنسا بأنها ”لا تزال في حالة حرب“ بينما تجد السلطات صعوبة في التصدي للتهديد الذي يشكله المتشددون الأجانب والمحليون.

ومنذ أوائل عام 2015 قتل أكثر من 240 شخصا في فرنسا في هجمات نفذها مهاجمون بايعوا تنظيم داعش أو يستلهمون أفكاره. وفي أحدث هجوم كبر رجل قبل أن يقتل امرأتين طعنا خارج محطة قطارات مدينة مرسيليا. وأقر المشرعون في الجمعية الوطنية، المجلس الأدنى في البرلمان، المشروع بأغلبية 415 صوتا مقابل رفض 127. وقال كولوم للصحفيين عقب التصويت ”المشرعون يدركون أن التهديد اليوم خطير وأنه يتعين علينا حماية أنفسنا من الإرهابيين. يتعين فعل ذلك بطريقة توازن بين الأمن والحرية“. وأضاف ”هذا النص سيساعد على حماية الشعب الفرنسي“.

وتقول الحكومة إن إجراءات الطوارئ المفروضة منذ نوفمبر تشرين الثاني عام 2015، عندما نفذ مهاجمون انتحاريون ومسلحون هجمات في باريس أسفرت عن مقتل 130 شخصا، كان لها دور كبير في تمكين أجهزة المخابرات من إحباط مؤامرات. وسيدرج التشريع الجديد الكثير من إجراءات الطوارئ في القانون ويحد من رقابة السلطة القضائية عليها. فستتمكن وزارة الداخلية، دون الحصول على موافقة القضاة، من إقامة مناطق أمنية عندما تستشعر خطرا وتقييد حركة الناس والمركبات منها وإليها وستكون لها سلطة التفتيش داخل هذه المناطق. وسيكون لها سلطة أكبر على إغلاق دور العبادة إذا اعتقدت أجهزة المخابرات أن الزعماء الدينيين يحرضون على العنف في فرنسا أو خارجها أو يبررون أعمال الإرهاب.

وستكون للشرطة كذلك سلطات أوسع لمداهمة الممتلكات الخاصة إذا حصلت على موافقة قضائية وستزيد قدرتها على فرض قيود على حركة الناس بما في ذلك عن طريق المراقبة الالكترونية إذا رأت أنهم يشكلون خطرا على الأمن القومي. وستعمل لجنة برلمانية في الوقت الحالي على التوصل إلى حل وسط بِشأن التعديلات التي طرحها كل من مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية قبل قراءة ثانية وتصويت حاسم متوقع في منتصف أكتوبر تشرين الأول.

وتحرك الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي وصفه منافسوه بالضعف فيما يتعلق بقضايا الأمن خلال حملته الانتخابية، بالفعل لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب فشكل قوة تدخل في يونيو حزيران لتحسين التنسيق بين وكالات المخابرات الفرنسية المتعددة. ولم يلق مشروع قانون مكافحة الإرهاب مقاومة تذكر من الجمهور إذ لا يزال كثير من الناس في حالة توتر وقلق بعد سلسلة هجمات نفذها إسلاميون متشددون وحوادث أصغر تلتها. لكن نشطاء مدافعين عن حقوق الإنسان يقولون إنها ستحد من الحريات المدنية.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان ”فرنسا أدمنت حالة الطوارئ بشدة لدرجة أنها تضم عددا من هذه الإجراءات التي تنطوي على انتهاكات إلى القانون“. وأضافت أن أعضاء البرلمان الفرنسي فضلوا سياسات الخوف على حماية الحريات المدنية التي انتزعت بشق الأنفس وحثت البرلمان والسلطة القضائية على المراقبة الشديدة لاستخدام الحكومة لسلطتها الجديدة. غير أن بعض خصوم ماكرون المحافظين يقولون إن مسودة التشريع، الذي لا يسمح بكل ما تتيحه حالة الطوارئ حاليا، ليست كافية. وقال المشرع اليميني إيريك سيوتي في مقابلة إذاعية قبل التصويت ”نحن بحاجة لإعادة تسليح الدولة“. وطالب بإتاحة مزيد من الصلاحيات للسلطات لطرد الأجانب الذين يهددون السلامة العامة. بحسب رويترز.

وقتل أكثر من 230 شخصا في هجمات نفذها متشددون إسلاميون في الأعوام الثلاثة الماضية. وحث تنظيم داعش، الذي تشارك طائرات فرنسية في قصف قواعده في سوريا والعراق، أتباعه على تنفيذ هجمات في فرنسا. وقتل الجنود بالرصاص رجلا مسلحا بسكين بعدما قتل امرأتين في محطة قطار بمدينة مرسيليا الساحلية بجنوب فرنسا. وقال وزير الداخلية عقب الهجوم ”أحبطنا العديد من الهجمات منذ مطلع العام كانت ستسفر عن سقوط الكثير من القتلى . لا نزال في حالة حرب“.

تغييرات وتحركات

الى جانب ذلك كشف تقرير رسمي وجود "خلل كبير" أدى إلى إطلاق سراح أحمد حباشي التونسي منفذ اعتداء مرسيليا (جنوب شرق فرنسا) الذي قتلت فيه امرأتان طعنا. وأعلن وزير الداخلية جيرار كولومب تغييرات جذرية في الإدارة المحلية لمنطقة الرون (وسط شرق) حيث أوقف المهاجم قبل أن يطلق سراحه مجددا. وقال مصدر حكومي إنه سيتم تبديل محافظ المنطقة هنري ميشال كوميه. وكان التونسي أحمد حباشي (29 عاما) قتل شابتين في الأول من تشرين الأول/أكتوبر في محطة سان شارل للقطارات في مرسيليا قبل أن يقتل برصاص الشرطة.

وأوقف حباشي قبلها بيومين بتهمة السرقة في مركز تجاري في ليون (منطقة الرون) لكن السلطات أطلقت سراحه في اليوم التالي مع أنه في وضع غير قانوني. ولا يشير تقرير المفتش العام للإدارة إلى أخطاء فردية في إدارة هذه الحالة لكنه يشير إلى "سوء تقدير" يمكن "تفسيره جزئيا بخلل خطير" في نظام التعامل مع الأجانب الذين لا يحملون أوراقا قانونية. بحسب فرانس برس.

وكشفت مصادر قريبة من التحقيق أن المسؤول المخول توقيع قرار التوقيف والترحيل في ليون كان غائبا عندما أوقف حباشي كما أن السجن المحلي لم يكن فيه مكان. واستخدم منفذ الهجوم سبع هويات، وهو معروف بسوابقه الإجرامية لكنه ليس مدرجا على قائمة الجهاديين.

على صعيد متصل قال المحققون الإيطاليون إن أنيس حناشي شقيق الرجل الذي قتل امرأتين بسكين أمام محطة للقطارات في مرسيليا ربما قاتل في سوريا والعراق. واعتقلت الشرطة الإيطالية التونسي حناشي (25 عاما) في شمال إيطاليا وقالت إنه موجود في إيطاليا منذ الرابع من أكتوبر تشرين الأول.

وقال فرانكو روبرتي رئيس الإدعاء في قضايا مكافحة الإرهاب بإيطاليا للصحفيين إن أحمد عاش مع زوجته الإيطالية من 2008 إلى 2014 في منطقة إلى الجنوب من روما ولم يكن معروفا للشرطة سوى بارتكاب ”جرائم صغيرة“. وأضاف روبرتي ”لم تظهر على أحمد قط أي دلائل على التشدد أثناء وجوده في إيطاليا.. الفرضية التي نركز عليها في التحقيق هي أن الشقيق الأصغر جعل شقيقه الأكبر يعتنق الفكر المتشدد“. وأعلن تنظيم داعش المسؤولية عن هجوم مرسيليا لكنه لم يذكر أن أحمد هو الذي نفذ الهجوم.

وقال روبرتي إن أنيس رفض التحدث إلى المحققين الإيطاليين. وكان قد اعتقل بموجب مذكرة اعتقال دولية أصدرتها الشرطة الفرنسية التي تحق في هجوم مرسيليا على أنه هجوم إرهابي ”على الأرجح“. وقال روبرتي إن من المرجح تسليم أنيس إلى فرنسا. وقال كلوديو جالزيرانو مدير فرقة مكافحة الإرهاب بالشرطة الإيطالية للصحفيين ”أنيس كان مسجلا كفرد خطير.. ربما كان مقاتلا أجنبيا“ في سوريا والعراق. وجرى اعتقال أنيس للاشتباه بأنه تواطأ في الهجوم الذي نفذه شقيقه وبأنه ينتمي لجماعة إرهابية. وكانت الشرطة قد أخذت بصماته والتقطت له صورا عندما وصل إلى إيطاليا بحرا عام 2014 ثم أعادته على الفور إلى بلاده. وتتحرى الشرطة حاليا عن اتصالاته المحتملة في إيطاليا.

اعتقالات امنية

في السياق ذاته قال وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولوم إن السلطات ألقت القبض على عدد من الأشخاص بعد العثور على عبوة ناسفة خارج مبنى سكني في باريس. وأضاف أن أحد المعتقلين ”اعتنق الفكر المتطرف“ وهو مصطلح يشير على الأرجح إلى التشدد الإسلامي. وقال الوزير في تصريحات لإذاعة فرنسا الدولية إن اكتشاف العبوة الناسفة في الحي السادس عشر الراقي بباريس يشير إلى أن فرنسا معرضة لخطر الهجمات الإرهابية أكثر من أي وقت مضى. وقال ”تحقق الأجهزة. ما يمكنني قوله لكم هو أن بين المعتقلين شخصا... اعتنق الفكر المتطرف“.

وقال مصدر قضائي إن العبوة الناسفة التي عثر عليها مصنوعة من أربع اسطوانات غاز. وقال وزير الداخلية ”أحبطنا العديد من الهجمات منذ مطلع العام كانت ستسفر عن سقوط الكثير من القتلى . لا نزال في حالة حرب“.

من جانب اخر تحدث وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولومب عن "روابط مع مناطق اجنبية" مشيرا إلى "المسرح العراقي السوري"، بعد العثور على مشغل سري لصنع المتفجرات في ضاحية باريس القريبة وتوقيف ثلاثة مشتبه بهم. وقال مصدر مطلع على الملف أن الشرطة عثروا أيضا على "وسائل آلية وكهربائية لإعداد طرد مفخخ". وقبضت السلطات على رجلين يبلغان من العمر 36 و47 عاما الاربعاء في بلدة كريملين-بيسيتر القريبة من فيلجويف، ووضعا قيد التوقيف الاحترازي. كما وضعت مشتبها به ثالثا قيد التوقيف الاحترازي في اطار التحقيق الذي فتحته شعبة مكافحة الارهاب في النيابة العامة في باريس.

وقال جيرار كولومب متحدثا لإذاعة "فرانس إنفو" إن الموقوفين الثلاثة "كانوا على ارتباط بالإرهاب" مؤكد وجود "عدد من الروابط والاتصالات الهاتفية" مع المسرح السوري. وبدت مصادر قريبة من التحقيق أكثر حذرا حول هذه النقطة. وقال الوزير "رأينا أن هناك اتصالات هاتفية تم تبادلها" مع سوريا، مشيرا إلى أن اثنين من الموقوفين "ينفيان الطابع الإرهابي" للهجوم الذي كانوا يعدون له. وتابع "يقولان أنهم أرادوا تفجير مصارف بمادة تي إيه تي بي، لكن ما نراه هو أنهم كانوا على ارتباط بالإرهاب، وعلينا المضي بالأحرى في هذا الاتجاه".

وأوضح أن الموقوفين "كانوا يريدون تفجير مكاتب مصارف للاستيلاء على أوراق مالية، وهم ينفون الطابع الإرهابي ويقولون أن الأمر من فئة اللصوصية المنظمة" ومادة "تي إيه تي بي" المعروفة بين عناصر ومجندي التنظيم بـ"أم الشيطان" لها قدرة متفجرة هائلة ويمكن صنعها من مواد متوافرة في المتاجر، عبر مزج كميات محددة من الأسيتون وماء الأكسجين ومادة حمضية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0