ينبت الفكر المتطرف في تربة العقل الغض، كأية بذرة صغيرة تنبت في التربة المناسبة لها، وطالما كان العقل صفحة بيضاء لم تسوَّد صفحاته بعد، يكون في حالة استعداد لاستقبال المغذيات الفكرية، وحتى لو كان العقل يؤمن بفكر ما وتكون مساحته ممتلئة، فهناك ما يسمى بغسيل الدماغ في إطار عمل منهجي، والسؤال هنا: ما هي العوامل التي تدفع بالعقل لاستقبال الفكر المتطرف، مع أن فطرة الخليقة تقول غير ذلك، فتركيبة الإنسان ربما تنحو إلى التعاطف والتآلف أكثر من الجفاء والعدائية المفرطة، ومع ذلك نجد عقولاً تفتح أبوابها للفكر الدخيل على السليقة المعافاة لتكسو العقل بالتعصّب والحدّية، تُرى ما هي أسبابُ ذلك؟.

أول تلك الأسباب بحسب المرجعيات العلمية المختصة تمثله البيئة التي تساعد على تهيئة العقل وجعله مستعدا لاستقبال الفكر المتطرف، فالتنشئة الموبوءة بالتعصب، والحاضنة المدججة بالوهن الفكري، خير دافع لتلقي موجات الفكر المعادي للعلاقات الإنسانية القويمة، فإذا أردنا صنع إنسان خال من وباء التطرف، أول شيء يُفترَض أن نقوم به، هو توفير البيئة الحامية للعقل الغض من التورط في أتون الموجات العابثة بكينونة الإنسان.

هل يمكن للمختصين أن يشرعوا في تجسيد هذا المنتَج؟، وهل هناك جهات وشخصيات بعينها، مأمول منها التصدي لوحوش التطرف، ثم ما هو المقصود بهذه الوحوش بالضبط؟، إن المقصود بذلك تلك البؤر والأفواه والعقول المريضة التي تبث الفكر المتطرف لعقول يغلب عليها الجهل والانغلاق، بسبب العزل في محاجر تفصلها عن الفكر المتنوّر، مع تهيئة البيئة السوداء المريضة وزج هذه العقول فيها، حتى تكون مهيأة بشكل تام لاستقبال سموم التطرف بلا حواجز أو صمامات أمان رادعة للتطرف وللعقول المصابة بهذا الداء، لتصبح حتى صمامات الأمان الفكرية غير قادرة على تذوب أو تحييد أو تقليل فورة واستفحال هذا النوع من الفكر المريض، وهجومه على العقول الغضة المهيّأة لاستقبال بذور التطرف.

إن الإجراء الفعلي المطلوب إنجازه على نحو فوري، هو فرز وتشخيص بؤر التطرف، حتى تكون الخطوة اللاحقة أكثر سهولة وصوابا، فما لم يتم تحديد بؤر الفكر المريض، ومنطلقات هذا الوباء الفتاك، لا يمكن تحديد وحوش التطرف ووضع حد لسمومها التي تبثها في مخطط مبرمج يستخدم بذكاء (خبيث) جميع وسائل الإعلام والاتصال الحديثة لتنفيذ مخطّطه اللئيم، إن الأمر في الحقيقة لا يتم بطريقة اعتباطية، إن من يقف وراء هذه البؤر المسمومة يفهم ما يريد جيدا، ويعرف وسائله المساعدة بصورة جيدة أيضا، كذلك هم بارعون في توظيف ذكائهم لهذا الغرض، فأية خطوة يخطونها على هذه السكة المنحرفة لا يأتي جزافا، ولا يخضع للارتجال، فهناك من يخطط ويدرس الأمر بصورة دقيقة ويشخص المنهجية التي يتم في ضوئها إطلاق المشاريع الفكرية للتطرف.

وفي معرض الإجابة عن الكيفية التي يكتمل في ضوئها كبح وحوش التطرف، مطلوب من الجهات والشخصيات والعقول المختصة أن تبادر بوضع إستراتيجية منهجية، ذات أبعاد ومنطلقات فكرية تضم في فحواها خططاً مفصّلة، يكون هدفها الأول والأساس رسم الخطوات الإجرائية الكفيلة بترويض وحوش التطرف، مع إظهار ما يكفي من خطوات علمية في هذا المضمار، فالرفض وحده لا يكفي، والكلام المضاد لا يجدي نفعا، والأعمال الشكلية قد تكون عاجزة عن الإتيان بنتائج مضمونة، ما لم يحايثها فعل ملموس ومدروس من لجان ونخب وقيادات ومنظمات لها تاريخ وباع طويل في مناهضة الفكر الحدّي المتطرف.

هكذا نحن بإزاء خطوات فعالة لحزّ رؤوس ألسنة ورؤوس التطرف، وتجفيف البؤر الداعمة والمنتجة لهذا الوباء، وهذا يحتّم أن تعرض إستراتيجية مكافحة التطرف خريطة واضحة المعالم لأماكن وجغرافية هذه البؤر ونقاط انطلاقها، فالعمل المبدئي يجب أن يصب على تشخيص هذه البؤر والشروع في محاصرتها وإظهار الاستعداد العملي لتجفيفها، فمحاربة الفكر كي لا تكفيها حملات فكرية مناهضة، وسوف يكون من الأفضل اتخاذ إجراءات ذات طابع عملي، من قبيل كشف الجهات والشخصيات الرسمية التي تقف وراء تمويل أدوات الفكر المتطرف، وفضح هذه الكيانات الرسمية، دول أو منظمات أو شخصيات، وإعلانها على الملأ، ووضعها تحت طائلة القانون الدولي ومحكمة لاهاي لملاحقة الشخوص والدول الداعمة لهذا الفكر.

ألم يتعرض أبرياء في مساحات واسعة من العالم الى الموت بسبب وباء التطرف، لماذا تتواصل الهجمات على الأقليات في عموم العالم، ألا نرى ونسمع يوميا بالصورة والصوت، تلك المذابح التي يتعرض لها الأبرياء في بورما وباكستان وأفغانستان وسوريا والعراق وليبيا وأماكن عديدة أخرى، أليست هذه الأرواح حصدتها أدوات الفكر المتطرف المبثوث من بؤر معروفة يتم غض الطرف عنها ضمن صفقات سياسية مالية مريبة، يذهب ضحيتها آلاف الأرواح بفعل فاعل، ونعني به كل ما يمت للفكر المتطرف بصلة.

إن هذا الفكر له من يرعاه ويديمه، إنه لا يظهر مصادفة، ولا يستمر بحصد رقاب الأبرياء إلا بالتخطيط والبرمجة المسبقة، هل يكفي الشجب والتنديد، وهل يمكن لهذا الأسلوب أن يدحض هذا الفكر الوبائي وتبعاته؟، كلا بالطبع، هذا يحتّم على المنظمات الرسمية، وفي المقدمة منها منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الفرعية المنبثقة منها والعاملة في إطار محاربة وحوش وألسنة التطرف، أن تضع ما يلزم من خطط قادرة على المواجهة بشكل فعلي وليس إطلاق الأقوال الرافضة والتنديدات والاستنكار فقط.

فهذه الحركات اللفظية غير فعالة، لأنها ببساطة لا تتجاوز حدود الإطار اللفظي، وهكذا اعتاد من يصنع ويطور بؤر الإرهاب ومن يحمي وحوشه، على أسلوب التنديد والرفض اللفظي والاستنكار، فهو سرعان ما يستوعب هذا الأسلوب، الذي سرعان ما ينطفئ من دون فعل واضح، فيما يستمر رعاة الفكر المتطرف بإنتاج بؤر تطرف جديدة، وخلق وحوش إضافية تديم مسلسل استهداف الأقليات وحصد أرواح الأبرياء من دون أن تتصدى لها الجهات العالمية المعنية بصورة فعالة وجادة.

هكذا هي التصورات الواردة في إطار الكيفية القادرة على مكافحة بؤر التطرف وحز ألسنة وحوش الإرهاب ومن يقف وراءها، فإذا لا يتم التشخيص الجغرافي لمن يرعاها، ولم يتم تحديد مصادر تمويلها وإعلانها وفضحها بالأسماء ومن ثم مقاضاتها مثلما يتم مقاضاة مجرمي حروب الإبادة، فإنها لن تكف عن إدامة هذا الفكر الوبائي ولا تتوقف عن رعاية منتجيه معنويا، وتشجيعهم، وبذلك سوف يبقى الفكر المتطرف عصيّا على الضمور، وأن هزيمة وحوش التطرف قد تكون بعيدة المنال في ظل غياب إستراتيجية عالمية واضحة المعالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0