رغم أنهم قد ينحنون، فمن غير المرجح أن ينكسر صانعو القوة في إيران. فقد لطالما استخدمت طهران موقعها الجغرافي لمصلحتها، وظلت تستعرض عضلاتها بصورة معتادة في وجه جيرانها وحول المضيق، لكن ذلك كان غالباً يتم بدوافع انفعالية ومن دون دليل كبير على وجود غرض استراتيجي. أما هذه المرة فكان...
في هذا المقال الذي نشرته مجلة فورين افيرز، تقدّم الكاتبة سوزان مالوني قراءة تحليلية لمآلات الحرب على إيران، موضحةً كيف قد تتحول الضربات العسكرية والضغوط الخارجية من عامل إضعاف للنظام الإيراني إلى فرصة لإعادة تشكيله بصورة أكثر تشدداً وهيمنة أمنية. ويركز النص على احتمال نشوء «الجمهورية الإسلامية الثالثة» بوصفها مرحلة جديدة يقودها الحرس الثوري وتنعكس آثارها على التوازن الإقليمي والنظام الدولي.
وفيما يلي ترجمة المقال:
في تجمع أُقيم في فبراير/شباط 2026 لإحياء ذكرى الثورة التي جاءت بالجمهورية الإسلامية في إيران، بدا المرشد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي، متأملاً على نحو لافت. إذ قال إنه كان «عاماً غريباً»، في إشارة إلى الهجمات الإسرائيلية والأميركية على البرنامج النووي الإيراني قبل ذلك بثمانية أشهر، وقدم تبريراً مطولاً للعنف غير المسبوق الذي استخدمه منفذو النظام لقمع الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في أواخر ديسمبر/كانون الأول. ووصف الاضطرابات بأنها محاولة انقلاب دبرتها إسرائيل والولايات المتحدة، وتباهى بأنها «سُحقت تحت أقدام الأمة الإيرانية».
وكما هو متوقع، انتقل خامنئي بعد ذلك إلى الولايات المتحدة، الخصم الأبرز للنظام والهدف الدائم لخطابه العدائي. فقد استخفّ بـ«الإمبراطورية الأميركية المتداعية» وبتهديدات الرئيس دونالد ترامب بالعمل العسكري ضد إيران، مؤكداً أن «الأميركيين أنفسهم الذين يهددون باستمرار بأن حرباً ستقع... يعرفون أنهم لا يملكون القدرة على الاستمرار في شيء من هذا القبيل». وأضاف أن «الرئيس الأميركي قال إنه طوال 47 عاماً لم تستطع الولايات المتحدة القضاء على الجمهورية الإسلامية... هذا الاعتراف صحيح. وأنا أقول: أنتم أيضاً لن تستطيعوا فعل شيء من هذا القبيل».
واتضح لاحقاً أن هذه كانت من آخر التصريحات العلنية لخامنئي. فبعد أحد عشر يوماً، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية منسقة على إيران قتلته، مع عدد من أفراد أسرته وعدة قادة عسكريين وسياسيين كبار. وكانت تلك الضربة الأولى في حرب عملت بصورة منهجية على إضعاف البحرية الإيرانية، وسلاحها الجوي، وبرنامجها للصواريخ الباليستية، فضلاً عن بنيتها الأمنية الأوسع وقاعدتها الصناعية الدفاعية. وقال ترامب للشعب الإيراني في خطابه معلناً بدء الحملة: «عندما ننتهي، استعيدوا حكومتكم. ستكون لكم لتأخذوها».
لكن بينما كانت آلاف الضربات الأميركية والإسرائيلية تمطر البلاد، تمكن قادة إيران من إعادة تنظيم صفوفهم، فنصبوا مجتبى، ابن خامنئي الأكثر تشدداً، خلفاً له. وشرعت طهران على الفور في الرد بضربات صاروخية ومسيرات استهدفت القواعد العسكرية الأميركية والبنى التحتية الاقتصادية والطاقة لدى جيران إيران. وسخر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث من الرد الإيراني واصفاً إياه بأنه «استهداف عشوائي، وتخبط متهور». غير أن استراتيجية طهران سرعان ما اتضحت: فقد أغلقت هجماتها فعلياً مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره خُمس صادرات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.
وقد أدى تحدي الجمهورية الإسلامية، إلى جانب قبضتها الجغرافية الخانقة على الاقتصاد العالمي، إلى تصعيد الأزمة وتوسيعها على نحو دراماتيكي. فبالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، يمثل المضيق بوليصة التأمين القصوى. فطهران لا تستطيع الدفاع لا عن قادتها ولا عن أراضيها في مواجهة خصومها، لكنها تستطيع أن تفرض تكاليف لا تُحتمل على جيرانها وعلى الاقتصاد العالمي. وكما لمح خامنئي نفسه، فإن هذه الورقة تشكل شريان حياة: فلا واشنطن ولا بقية العالم يمكنهما تحمل انخفاض مطول في إمدادات النفط. ومع تقييد إمدادات الأسمدة والهيليوم وسلع أساسية أخرى أيضاً بسبب إغلاق المضيق، فإن تداعيات حتى الاضطراب القصير ستُشعر بها عواصم العالم لأشهر مقبلة. وبالنسبة إلى قادة إيران، يشكل الضغط الاقتصادي وسيلة فعالة لحماية النظام. ومع احتدام الصراع، اغتنمت طهران الفرصة لتحويل ميزان القوى الاستراتيجي بعد الحرب لصالحها، بهدف ضمان أن يخرج النظام من هذه الأزمة أقوى، داخلياً وخارجياً.
وعلى نطاق أوسع، فإن ما يريده قادة إيران هو دفع المشروع الثوري لبلادهم إلى الأمام، والدخول فيما يمكن وصفه بالجمهورية الإسلامية الثالثة في إيران. فقد كانت الجمهورية الأولى، بقيادة آية الله روح الله الخميني، تجربة ثورية سعت إلى فرض الحكم الديني في الداخل وزعزعة استقرار الجيران. أما حكم علي خامنئي فأطلق الجمهورية الثانية، التي أرست هيمنة مكتب المرشد الأعلى ومكنت المؤسسة العسكرية من خلال دورها في إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. ومن خلال هندسة صعود مجتبى، يسعى النظام إلى إقامة الجمهورية الثالثة: دولة حرسية صريحة، يسيطر فيها الحرس الثوري الإسلامي والجهاز الأمني الأوسع بإحكام على صنع القرار في جميع جوانب الحكم والمجتمع والسياسة الخارجية.
إنها طموحات مهيبة، وربما تكون ضرباً من الإفراط الذي سيفشل، ولا سيما بالنظر إلى الفجوات الهائلة بين أهداف الجمهورية الإسلامية الثالثة، وتطلعات شعبها، ومصالح جيرانها. ومع ذلك، فقد أظهر هذا النظام مراراً قدرة على البقاء والمرونة وتصميماً على الحفاظ على نفسه بأي وسيلة ضرورية. وقد تسمح هذه الصفات، إلى جانب فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تقديرها حق قدرها، لإيران بأن تنتزع نصراً -وإن كان ربما نصراً بيروسياً- من براثن الهزيمة، وأن توجه ضربة تاريخية إلى النظام الدولي الذي ساعدت واشنطن في بنائه، وسعت، حتى السنوات الأخيرة، إلى الحفاظ عليه.
طهران تقلب الطاولة
بالنسبة إلى طهران، جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة صادمة، لكنها لم تكن مفاجئة. فبعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، التي دفنت جواهر التاج في البرنامج النووي الإيراني عميقاً تحت الأرض، أدرك الإيرانيون أن الضربات الإضافية مسألة وقت لا أكثر. وعندما بدأ القصف الأشد كثافة في فبراير/شباط، صعدت طهران سريعاً سُلّم التصعيد: من ضربات محدودة على أهداف رخوة يسهل الوصول إليها في الدول المجاورة، إلى استهداف أكثر مباشرة للبنية التحتية الاقتصادية والطاقة، وأخيراً إلى حافة مواجهة عالية المخاطر عبر خنق المرور في مضيق هرمز.
وأبرزت جاهزية إيران للتصعيد مدى استعداد النظام للصراع واستعداده لتحمل المخاطر، فضلاً عن مرونة عقيدته الدفاعية اللامركزية المصممة عن عمد. وتباهى عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: «كان لدينا عقدان لدراسة هزائم الجيش الأميركي إلى شرقنا وغربنا مباشرة»، في إشارة إلى الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق. وأضاف: «لقد استوعبنا الدروس تبعاً لذلك. إن القصف في عاصمتنا لا يؤثر في قدرتنا على خوض الحرب. [اللامركزية] تتيح لنا أن نقرر متى وكيف ستنتهي [هذه] الحرب».
وكما قال الكوميدي جون ستيوارت مازحاً في منتصف مارس/آذار: «الحرب هي طريقة الله في تعليم الأميركيين الجغرافيا»، وخلال أيام من الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى، قدمت هجمات طهران المضادة على حركة الملاحة في مضيق هرمز درساً سريعاً في أهمية هذا الشريان الحيوي. فبين عشية وضحاها تقريباً، تقلصت الحركة في المضيق بشدة، ما رفع أسعار النفط والبتروكيماويات وسلع رئيسية أخرى، وعرّض النمو والاستقرار الاقتصاديين في أنحاء العالم للخطر. وقد مارست إيران إكراهها بمهارة تكتيكية: فمن خلال الإبقاء على تدفق ضئيل من صادراتها هي، واستثناء شركاء مفضلين مثل الصين من الهجمات -وإن كانت قد فرضت على بعضهم رسوماً إضافية مقابل الوصول، بحسب تقارير صحفية ومسؤولين إيرانيين- حافظت إيران على تدفقات إيراداتها وشراكاتها الاستراتيجية.
كما أن توظيف موقعها الجغرافي لتهديد أسواق الطاقة العالمية وضع الوقت في صالح إيران. فقد قلل ترامب في البداية من شأن الحرب واصفاً إياها بأنها «نزهة صغيرة»، وكأنه يتوقع جدولاً زمنياً مختصراً، شبيهاً بحرب الأيام الاثني عشر. ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، كان مسؤولون إسرائيليون قد أقنعوا البيت الأبيض بأن قطع رأس قيادة النظام سيلهم موجة جديدة من الاحتجاجات يمكن أن تُسقط الدولة الثورية بطريقة ما. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يحدث شيء من هذا القبيل. وبدلاً من الحرب القصيرة والانهيار السريع للنظام الذي توقعته الولايات المتحدة وإسرائيل، نشب قتال دموي مكلف في ظروف سمحت لإيران بأن تملي متى ينتهي النزاع.
وكان كل يوم من تعطيل الملاحة في المضيق يرفع من إلحاح الأزمة وتأثيرها المحتمل، وبالنسبة إلى القادة الإيرانيين، يزيد من المكاسب الممكنة. فقد كانت هذه الاستراتيجية عالية المخاطر تستهدف فرض ليس فقط إنهاء الحرب، بل أيضاً تحسيناً دائماً في النفوذ الاقتصادي والإقليمي لطهران. وتعهد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وأحد الشخصيات المؤثرة داخل النظام، بأن إيران ستواصل الرد «حتى يندم العدو حقاً على عدوانه»، مضيفاً: «نحن نعتقد أن هذه الحرب ستغير الكثير من العلاقات الإقليمية، ولن نعود إلى الأوضاع التي كانت قائمة قبلها. ونحن مستعدون لإبرام اتفاقات أمنية دائمة مع دول في المنطقة يمكن أن توفر ضمانات متبادلة وتخلق أمناً مستقراً ومستداماً للمستثمرين». وبهذه الطريقة، أوضحت طهران أن أي تعاون مستقبلي يجب أن يقوم على خضوع خصومها الإقليميين، وعلى فرضية الازدهار المشترك أيضاً.
وقد يكون من المغري رفض هذا الخطاب باعتباره نذير موت لنظام مخمور بأيديولوجيته إلى درجة لا تمكنه من إدراك انهيار خياراته. لكن مثابرة النظام في مواجهة القصف الأميركي والإسرائيلي الساحق تستدعي أيضاً الحماسة والعزم اللذين حافظا على الدولة الثورية في محطات سابقة من الهشاشة النظامية. وثمة لازمة حديثة بين المعلقين وصناع السياسات الأميركيين والإسرائيليين مفادها أن النظام الإيراني أضعف مما كان عليه في أي وقت منذ عام 1979. والحقيقة أن هذا ليس دقيقاً تماماً؛ فقد واجه النظام منذ نشأته تحديات أشد ضراوة لبقائه. فالسردية التأسيسية للجمهورية الإسلامية تؤكد أن الثورة كانت غير مرجحة، ومهددة، ومحاصرة. وقد عاشت الأجيال الثورية اضطرابات مستمرة وواسعة في السنوات الأولى للدولة، شملت فوضى مؤسساتية، وعمليات تطهير وصراعات شرسة على السلطة، واقتتالاً في شوارع المدن، وانتفاضات قبلية، وهجمات إرهابية دامية، وضغطاً اقتصادياً خانقاً، ومحاولة انقلاب، والغزو العراقي المدمر في سبتمبر/أيلول 1980.
وعلى الرغم من كل ذلك، نجت الثورة وتمكنت من دفع قوات صدام حسين إلى الخارج ونقل المعركة إلى بغداد. وانتهت الحرب من دون نصر؛ إلا أن إرثها رسخ أكثر سرديات التضحية والإيمان والابتكار في الدفاع عن الوطن. كما أصبحت الحرب ميدان الاختبار لعقيدة إيران في الردع عبر القدرات غير المتكافئة، ولاستثمارها في قاعدة صناعية دفاعية محلية.
كالأب، كذلك الابن
إن النكسات التي تكبدتها طهران خلال العامين الماضيين كانت بالفعل شديدة، وتبدو بلا هوادة: شبكة ميليشياتها الوكيلة دُمّرت، وطموحاتها النووية دُفنت تحت القصف الأميركي والإسرائيلي، ومواطنوها أبدوا استعداداً للمخاطرة بحياتهم أملاً في ثورة جديدة. لكن، وكما رأى أسلافهم خلال الحرب العراقية الإيرانية، فإن أركان النظام يشعرون بفرصة للرد، وتشديد القبضة تحت راية دفاع مقدس جديد عن الوطن الإيراني، وإضافة فصل جديد إلى تاريخ ثورتهم.
وكما فعل أسلافهم في ثمانينيات القرن الماضي، سيعتمد قادة الجمهورية الثالثة بشدة على الحرب لإعادة توطيد السلطة، مستخدمين الصراع ذريعة لفرض ما يشبه الأحكام العرفية، بينما يحاولون تعبئة مزاج قومي شديد الشوفينية، أو على الأقل إكراه الناس على تمثله. ويملك منفذو النظام اليوم أدوات أكثر تطوراً بكثير؛ فبمجرد اندلاع النزاع، بدأت أجهزة الأمن الإيرانية باستخدام المراقبة الإلكترونية والرسائل النصية لإحباط أي ميل لدى الجمهور للعودة إلى الشوارع مسبقاً. ولمن لم تصله الرسالة بوضوح، حافظ النظام أيضاً على وتيرة سريعة من الإعدامات.
كما ساعدت الحرب على تيسير ما كان يمكن أن يكون عملية خلافة صعبة. فبعد الوفاة غير المتوقعة للرئيس إبراهيم رئيسي في عام 2024، والذي كان خامنئي يعدّه لخلافته، لم يكن هناك مرشح واضح يتمتع بالخبرة الإدارية المطلوبة، والمكانة الدينية، وثقة نخب النظام. وفي الظروف العادية، كان اختيار مجتبى خامنئي سيعد مثيراً للجدل؛ إذ يُقال إن والده نفسه كان يعارض تعيينه، رغبةً في تجنب مظهر الحكم الوراثي.
لكن في لحظة أزمة وجودية، قدم خامنئي الابن للنظام الحاكم فرصة ذهبية لتوظيف إرث والده وتعزيز أولوية الحرس الثوري، الذي كان قد بنى معه علاقة وثيقة. والتقارير التي أفادت بأن مجتبى ربما أصيب إصابة خطيرة جراء الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى في فبراير/شباط لم تفعل سوى تأكيد هذا الارتباط؛ إذ كان والده قد جُرح في هجوم إرهابي عام 1981 أفقده القدرة على استخدام يده اليمنى. وبوصفه «شهيداً حياً»، فإن القيمة الرمزية لمجتبى كبيرة. فهو يستطيع أن يبقى شخصية غامضة بالنسبة إلى عموم الناس، بينما تضمن الشبكة النافذة التي بناها والده بعناية على مدى ما يقرب من 37 عاماً في الحكم بقاء جوهر الخامنئية -الالتزام الذي لا يلين بالدولة الدينية السلطوية- في موقع الصدارة.
ولأياً تكن المدة التي سيبقى فيها النظام، فإن قيادته ستخضع لهيمنة رجعيين متشددين. وإذا استطاعوا تجنب الاستهداف الإسرائيلي، فإن طيفاً من المسؤولين الأمنيين ذوي الخبرة سيوجهون النظام وينظمون دفاعه. وقد يكون بعضهم مستعداً للتسوية، لكنهم سيجدون ذلك صعباً في بلد محاصر، وسيميلون إلى الحزم والعدوانية. فالاغتيالات الموجهة يمكن أن تقضي على أفراد بعينهم، لكنها لا تفكك هذا الكادر الذي استثمر النظام في بنائه لما يقرب من نصف قرن. إن قطع الرأس لن يهدم النظام.
ونتيجة لذلك، لن يواجه المتشددون الإيرانيون في المستقبل المنظور أي موازين قوى حقيقية. فهم يسيطرون بالفعل على مساحات شاسعة من الاقتصاد الإيراني، وهو موقع ثبتوه باستغلال إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية الإيرانية، وفي السنوات الأخيرة، عبر توظيف نظام العقوبات. أما المنافسة الفئوية بين العناصر الدينية والجمهورية في نظام ما بعد الثورة فقد تبخرت. ويقدم الرئيس الحالي، مسعود بزشكيان، صورة أكثر وداً، لكنه لا يملك تقريباً أي سلطة مؤسساتية أو نفوذ فعلي في السياسات. أما آخر شخصية معتدلة نسبياً شغلت منصب الرئاسة، حسن روحاني، فقد كان يسعى إلى عودة سياسية، لكنه لم يحقق حتى الآن إلا حضوراً محدوداً. وكثير من الإيرانيين الذين كانوا يأملون في تحسين حكومتهم يخشون المستقبل. وقد قال أحد سكان طهران لصحيفة وول ستريت جورنال في الأيام الأولى من الحرب: «هذا النظام سيصبح أقوى، وأكثر قسوة، وأكثر وحشية مما كان عليه من قبل». وأضاف: «الناس لا يملكون السلاح ليردوا».
وكانت العلاقة بين رجال دين النظام وبيروقراطيته الأمنية دائماً علاقة تكافلية، تستند إلى التعاون العائلي والسياسي والتجاري وإلى رؤية مشتركة للعالم. إلا أن تحول مركز الثقل داخل النظام لمصلحة المؤسسة العسكرية سيؤدي، على الأرجح، إلى تطور في توجهه الداخلي أيضاً. ومن الممكن أن يفضي ذلك إلى إصلاحات متواضعة، مثل تطبيق أقل عدوانية للقيود الدينية، انسجاماً مع التراخي التدريجي في فرض الحجاب الذي بدأ منذ الاحتجاجات التي اندلعت عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني، الشابة التي كانت محتجزة لدى شرطة الأخلاق.
اربح الحرب، واخسر السلام؟
رغم أنهم قد ينحنون، فمن غير المرجح أن ينكسر صانعو القوة في إيران. فقد لطالما استخدمت طهران موقعها الجغرافي لمصلحتها، وظلت تستعرض عضلاتها بصورة معتادة في وجه جيرانها وحول المضيق، لكن ذلك كان غالباً يتم بدوافع انفعالية ومن دون دليل كبير على وجود غرض استراتيجي. أما هذه المرة فكان الأمر مختلفاً؛ إذ أوضحت إيران للعالم أنها قادرة على فرض تكاليف مؤلمة على الاقتصاد العالمي.
وسينظر الإيرانيون إلى الولايات المتحدة وحلفائها على امتداد محيطهم، آمِلين في انتقام أو مقابل، أو في الأمرين معاً. فطهران تراهن على قدرتها على الصمود أكثر من خصومها، أملاً في دفعهم إلى صفقة تمكّن النظام ليس فقط من البقاء يوماً آخر، بل، على نحو مثالي، من الإفلات أيضاً من قبضة عقوبات ترامب ذات «الضغط الأقصى»، التي حطمت عملته وأججت غضب الناس. وهم يأملون في استخدام الحرب مدخلاً لإعادة ترسيخ نفوذهم الإقليمي. ويعتقد القادة الإيرانيون أن البلاد تستحق تعويضاً عن الأضرار الهائلة التي لحقت بها فيما يرونه هجوماً غير مبرر، وإذا خرجوا من هذه الحرب وهم ما زالوا في السلطة، فإنهم ينوون تحصيل هذا الدين.
ويُدرك جيران إيران الاحتمال الكئيب المتمثل في أن تنتهي الحرب بجمهورية إسلامية أضعف، لكنها أيضاً أكثر جرأة. فطائرة مسيرة بين الحين والآخر تخترق نافذة فندق فاخر أو تسقط في مطار مزدحم ستكون أكثر من كافية لرفع هامش المخاطر لدى المستثمرين وإثارة التردد لدى السياح. وتمسك طهران بجيرانها من موضع اختناق، حرفياً، وقليلون على جانبي الخليج يرزحون تحت وهم أن هذه مشكلة قصيرة الأمد. وسوف يسعون إلى حلول عملية ودائمة في آن واحد.
ومن ناحية أخرى، إذا فشلت الحرب في تحقيق هدفها المعلن المتمثل في إزاحة النظام الإيراني، فمن الممكن، بل وربما من المرجح، أن تخطئ طهران في الحسابات في أعقابها. فقد تكون قد شنت هجوماً مضاداً غير متماثل فعالاً يهدد بإحداث فوضى في الاقتصاد العالمي، لكن قدراتها العسكرية التقليدية دُمّرت إلى حد كبير، والتآكل المتواصل لطبقة كاملة من القادة الكبار سيلحق خسائر كبيرة بقدراتها العملياتية والحكومية. وعلى مدى الأعوام السبعة والأربعين الماضية، نادراً ما فوت نظام ما بعد الثورة فرصة لإضاعة الفرص.
ومن الممكن أيضاً أن تربح طهران الحرب لكنها تخسر السلام، نتيجة لتعنتها أو تفاؤلها الذي لا أساس له أو اضطرابها الداخلي، كما فعل قادة إيرانيون سابقون عند منعطف حاسم في الحرب مع العراق. ففي يونيو/حزيران 1982، بعد أيام فقط من الضربات العراقية الناجحة على منشآت تصدير النفط الإيرانية، اقترح مجلس التعاون الخليجي الذي كان قد تشكل حديثاً آنذاك، ويضم معظم جيران إيران العرب في الخليج الفارسي، وقفاً لإطلاق النار؛ ووفقاً لتقارير وكالة أسوشيتد برس في ذلك الوقت، عرض المجلس على طهران 25 مليار دولار كتعويضات -أي ما يزيد على 84 مليار دولار بقيمة اليوم- مقابل موافقتها على إنهاء الحرب من دون شن هجوم لإطاحة صدام. لكن طهران أصرت على أن أضرار الحرب تعادل ستة أضعاف ذلك الرقم، ورفضت في النهاية إنهاء الحرب. وقد تكبدت البلاد خلال السنوات الست التالية من الصراع أثماناً باهظة، وفشلت الجمهورية الإسلامية في مسعاها لإنهاء حكم صدام. أما هذه المرة، فإذا واصلت طهران الضغط لتحقيق أفضلية عبر محاولة الحفاظ على قبضتها الخانقة على المضيق أو توظيفها، فقد يكون جيرانها والعالم مستعدين لتحمل التكاليف والمخاطر الاستثنائية لهزيمة حاسمة للنظام.
وأخيراً، حتى إذا صمدت الجمهورية الإسلامية خلال المرحلة النشطة من الصراع، فقد تكون تداعيات ما بعده سبباً في سقوطها. ففي الوقت الراهن، قد لا توجد منظمة سياسية متماسكة وكفؤة تستطيع أن تشكل تحدياً ذا معنى حتى لنظام أضعفته الحرب. لكن الهزات الناجمة عن الصراع ستكون طويلة الأمد، وسيستمر أثرها في الظهور، وربما يتفاقم مع الزمن. فآلاف الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية ستخلف فاتورة إعادة إعمار هائلة، كما أن قيادة أكثر تطرفاً وبلطجة في طهران ستجد صعوبة في إدارة عداءاتها الداخلية وفي التعامل مع منطقة تعصف بها الاضطرابات والعداء المتصاعد. وقد يمكّن صمود الجمهورية الإسلامية قادتها من تفادي الاستسلام في الوقت الراهن، لكن انتصارهم قد يزرع في النهاية بذور زوال النظام نفسه.



اضف تعليق