عندما ترسل مجموعات الإغاثة تحركاتها المخطط لها ومواقع المنشآت التي تعمل فيها إلى وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، تكتفي الوحدة بتأكيد استلام هذه المعلومات. لا يضمن النظام المرور الآمن أو إبلاغ وكالات الإغاثة بما إذا كان الجيش يعتزم ضرب إحدى منشآتها أو منطقة بجوارها المباشر...
بقلم: كريستينا بطرس

وحده وقف لإطلاق النار يمكن أن يوقف قتل عمال الإغاثة والمدنيين في قطاع غزة. لكن حتى دون ذلك، يمكن لإسرائيل أن تتخذ إجراءات لحمايتهم. وفيما يلي بعض هذه الإجراءات.

بعد الصدمة التي تعرضت لها إسرائيل بفعل الهجوم الخاطف الذي قادته حماس عليها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تقول إنها “مصممة على تفكيك” القدرات العسكرية للحركة وقدرتها على الحكم في قطاع غزة المحاصر. لكن الآثار المدمرة للحرب قد طغت على هذا المسعى، والتي قلل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من شأنها بوصفها مجرد ”أضرار جانبية.”

لقد أدت الحملة العسكرية الإسرائيلية إلى قتل أكثر من 34 ألف شخص وتهجير مليوني نسمة من بيوتهم، من أصل عدد السكان البالغ 2.2 مليون نسمة. ويواجه النصف الشمالي من القطاع أسوأ مجاعة عرفها العالم، قياساً بعدد السكان، على مدى العقود القليلة الماضية.

ولا يعود السبب في ذلك إلى نقص المساعدات فحسب، بل أيضاً إلى الأخطار والقيود المفروضة على الحركة داخل قطاع غزة.

حتى عمال الإغاثة، الذين يتمتعون بالحماية بموجب القانون الإنساني الدولي، لم توفرهم الحرب، بل قتلوا نتيجة “الأضرار الجانبية” أو حتى الهجمات الإسرائيلية المباشرة. ومن المتوقع أن يتفاقم هذا الوضع إذا تحركت إسرائيل لغزو رفح، وعندما تفعل ذلك.

الأكثر خطورة

يعد قطاع غزة الآن أخطر مكان في العالم بالنسبة لعمال الإغاثة. لقد وثَّقت قاعدة بيانات أمن عمال الإغاثة –وهي مصدر مفتوح لتتبُّع الهجمات على عمال الإغاثة عالمياً– عدداً مذهلاً بلغ 308 حوادث استُهدف فيها عمال الإغاثة في قطاع غزة، نجم عنها 234 وفاة في سبعة أشهر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر. 

يعد هذا أكبر عدد يسجل لمثل هذه الحوادث في سنة واحدة من الصراع منذ عام 1967، متجاوزاً الرقم الذي سُجل في أفغانستان والذي بلغ 81 حادثاً في عام 2013، ويساوي تقريباً العدد الإجمالي المسجل لعمال الإغاثة في سورية في عقد من الصراع بين عامي 2011 و2021، والبالغ 320 حادثاً.

كان معظم الضحايا في قطاع غزة يعملون لصالح الأونروا، وهي الوكالة التابعة للأمم المتحدة التي ترعى اللاجئين الفلسطينيين، حيث قتل واحد من كل 100 موظف يعملون لديها – وهو أعلى عدد لوفيات الموظفين في تاريخ الأمم المتحدة.

يمكن أن يُعزى المعدل المرعب لعدد الضحايا بين عمال الإغاثة في قطاع غزة إلى عاملين رئيسيين: استعمال إسرائيل لعمليات القصف الجوي المكثف، وغياب نظام فعال للتنسيق بين الجيش الإسرائيلي والوكالات الإنسانية لضمان سلامة حركة وأمن موظفيها.

تشير بروتوكولات الاستهداف الفضفاضة التي تستعملها إسرائيل إلى نهج في مقاربة القانون الدولي الإنساني يشوه مبدأ التناسب إلى درجة تطمس معالمه بشكل كامل.

تنص هذه البروتوكولات على أن الضرر الواقع على المدنيين والأعيان المدنية لا ينبغي أن يكون مفرطاً قياساً بالهدف العسكري المراد تحقيقه. جميع عمال الإغاثة تقريباً الذين قتلوا في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 توفوا نتيجة القصف الجوي.

“نظام تنسيق العمليات العسكرية والإنسانية”

في 7 تشرين الأول/أكتوبر، اليوم الذي وقع فيه هجوم حماس، عطلت إسرائيل أيضاً نظام ”تنسيق العمليات العسكرية والإنسانية" الذي ييسر التنسيق مع المجموعات الإغاثية. وقد كان هذا النظام إشكالياً في قطاع غزة قبل ذلك التاريخ، لكنه كان يعمل بشكل عام.

منذ ذلك الحين، واجه عمال الإغاثة عقبات غير مسبوقة في ضمان سلامتهم وسط القتال. قال أحد عاملي الإغاثة لمجموعة الأزمات الدولية في نيسان/أبريل أنه “في هذه المرحلة، فإن ضمان التنسيق مع ميليشيا في جنوب السودان تمتلك هاتفاً واحداً يعمل عبر الأقمار الصناعية أسهل من التنسيق مع (الجيش الإسرائيلي).”

على عكس مناطق الصراع الأخرى، حيث تستطيع وكالات الإغاثة أن تنسق مباشرة مع القادة العسكريين الميدانيين، فإن التواصل في قطاع غزة يجب أن يمر بشكل غير مباشر من خلال “وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق” (كوغات) التابعة للجيش الإسرائيلي. تعمل الوحدة بمثابة “لوحة مفاتيح بدون مشغل،” على حد وصف أحد مسؤولي الإغاثة.

عندما ترسل مجموعات الإغاثة تحركاتها المخطط لها ومواقع المنشآت التي تعمل فيها إلى “وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق“، تكتفي الوحدة بتأكيد استلام هذه المعلومات.

لا يضمن النظام المرور الآمن أو إبلاغ وكالات الإغاثة بما إذا كان الجيش يعتزم ضرب إحدى منشآتها أو منطقة بجوارها المباشر. بدلاً من ذلك، ينزع الإسرائيليون إلى إصدار أوامر إخلاء تتعلق بمنطقة معينة قبل 30-120 دقيقة من وقت الهجوم المخطط له.

أجبرت الضربة الجوية التي قتلت سبعة من عمال المطبخ المركزي العالمي إسرائيل على إصدار اعتراف نادر بالمسؤولية، حيث أقرت بأن الجيش كان قد وافق على الممر الذي قُصفت فيه السيارات الثلاث التي تنقل عمال الإغاثة.

ادعى المسؤولون لاحقاً أن مشغّلي الطائرات المسيّرة التي قتلت عمال الإغاثة لم يكونوا يعلمون أن الجيش كان قد سمح بتلك الرحلة، الأمر الذي يؤكد الشكوك القائمة منذ فترة طويلة في أوساط موظفي وكالات الإغاثة بأن العاملين في المجال الإنساني ليسوا آمنين حتى عندما يُبلغون وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق بتحركاتهم.

لم ينجم عن غياب آليات التنسيق الفعالة وقوع ضرر على عمال الإغاثة فحسب، بل إنه سرَّع أيضاً المجاعة المتفاقمة في قطاع غزة. إذ ترتبط مكافحة الجوع المنتشر على نطاق واسع بسلامة وكفاءة حركة السلع والأفراد في جميع أنحاء القطاع.

لقد أجبر مقتل عمال المطبخ المركزي العالمي، الذي لقي إدانة عالمية، إسرائيل الآن على تحويل مركز مقاربتها حيث تزمع الأمم المتحدة تنسيق العمليات الإغاثية مباشرة مع القيادة الإسرائيلية الجنوبية. لقد استأنف المطبخ المركزي العالمي الآن عمله في قطاع غزة، بعد وقف عملياته لنحو شهر تقريباً بعد هذا الحادث.

خطوات مهمة

رغم الإجراءات الإضافية المرحَّب بها التي أعلنتها إسرائيل في أعقاب الحادث، مثل فتح ميناء أشدود أمام شحنات المساعدات، الأمر الذي يسهل الوصول إلى قطاع غزة من خلال معبر إيريز، وجزئياً استعادة تدفق المياه من إسرائيل، من الصعب تخيُّل استجابة فعالة للمجاعة طالما استمر القتال.

مع معاناة نحو 55 بالمئة من السكان في شمال قطاع غزة وثلث السكان بمجملهم من الانعدام الكارثي للأمن الغذائي، فإن وقفاً طويلاً لإطلاق النار مصحوباً بتدفق هائل للمساعدات هو وحده الذي يمكن أن يحسِّن الوضع على نحو كافٍ لوقف انتشار المجاعة في القطاع.

لكن حتى دون وقف لإطلاق النار، يجب على إسرائيل حماية عمال الإغاثة وجعل نظام التنسيق أكثر كفاءة. وينطوي هذا على دعم وصون عمليات المساعدات لضمان التقديم الآمن للمساعدات، بدلاً من إعاقتها.

لقد قُتل عامل إغاثة واحد على الأقل في قطاع غزة منذ الهجوم على المطبخ المركزي العالمي. لكن الكفاءة الفعلية لنظام التنسيق ستُختبَر إذا تحركت إسرائيل لغزو رفح، وعندما تفعل ذلك، مع المخاطرة بتزايد الهجمات على المدنيين والأشخاص الذين يحاولون إطعامهم وإنقاذهم.

إن صون حرية حركة عمال الإغاثة في قطاع غزة أمر جوهري، لكن منع المجاعة يتطلب تغييرات أخرى. أولاً، ينبغي أن تُحدث إسرائيل زيادة شاملة وسريعة في وصول الإمدادات الإنسانية والموظفين وتوزيعها في جميع أنحاء غزة، ولا سيما تلك التي تعد جوهرية في الاستجابة الفعالة للمجاعة.

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنه حدث تقدم تدريجي نحو تجنب حدوث “مجاعة من صنع البشر يمكن منعها على نحو كامل” في شمال قطاع غزة، لكن ثمة حاجة ملحة لفعل أكثر من ذلك بكثير.

ثانياً، ينبغي أن تسمح إسرائيل للسلطات المدنية في قطاع غزة بحماية تدفق السلع والمحافظة على النظام العام، حتى لو تطلب ذلك التنسيق مع حماس.

سيكون من الصعب على إسرائيل السماح للشرطة المدنية أو حماس بالاحتفاظ بالسيطرة على أي وجه من أوجه الحكم، لكن يمكن أن يكون ذلك قابلاً للتحقيق كجزء من صفقة لإعادة الرهائن.

لكن لن ينجح أي من هذه الإجراءات من دون الأخرى، وستكون كلها عديمة الجدوى دون فرض وقف لإطلاق النار، لأن نطاق، وتنسيق وسرعة الاستجابة المطلوبة حالياً لا تتوافق مع استمرار القتال.

مع مرور كل يوم، تتراجع إمكانية وقف الكارثة الإنسانية في قطاع غزة. والأمر الذي ينبغي على إسرائيل أن تفعله واضح، وهو تنفيذ نظام فعال لحماية عمال الإغاثة والمجموعات والسلطات المدنية التي تتشارك معهم؛ والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع حماس من أجل إنهاء الحرب؛ ووقف المجاعة التي تسببت بها.

https://www.crisisgroup.org/

اضف تعليق