بقلم جون هورجان بتاريخ

حين كنت صبيًّا، كنت محبًّا للصخور، وتعلمت حينها كيفية التعرُّف على المعادن بواسطة اختبار موس للصلابة، الذي سُمي بهذا الاسم نسبةً إلى اختصاصي علم المعادن الذي ابتكره، يتلخص الأمر ببساطة في أن تأخذ عينةً من معدن معروف -مثل الكوارتز- وتخدش بها عينةً من معدن غير معروف، فإذا تمكَّن الكوارتز من إحداث خدش في العينة الغامضة، فإنك تعلم حينئذٍ أن ذلك المعدن ألين وأقل صلابةً من الكوارتز، وبالتالي، قد تكون العينة من الكالسيت أو البيريت، وإذا لم يمكن للكوارتز خدش العينة، فإنها قد تكون من البريل أو الكورندم، وهما أشد صلابةً من الكوارتز، وهكذا يمكن لاختبار الصلابة -إلى جانب عوامل أخرى مثل اللون والتركيب البلوري- أن يساعدنا في تحديد نوع العينة.

لقد كنت مغرمًا بالموضوعية الواضحة والصريحة لاختبار موس، وفي الآونة الأخيرة، كنت أفكر كثيرًا في نوع من الصلابة –يمكن أن نطلق عليه اسم الصلابة المعرفية– ووجدت أن تقييمه أكثر صعوبةً بكثير؛ فعلى مدار حياتنا، نواجه مجموعةً متنوعةً وضخمةً من المهمات الصعبة من الناحية المعرفية؛ فعلى سبيل المثال، أمضيت العام الماضي بأكمله في دراسة ميكانيكا الكم، وهي من العلوم المشهورة بصعوبة فهمها، لكن السؤال الذي راودني هو: هل تعلُّم ميكانيكا الكم أصعب -موضوعيًّا- من التحدث مع زوجتي حول وسم (هاشتاج) "# أنا أيضًا" #MeToo المناهض للتحرش الجنسي دون أن أثير غضبها؟ أو التحدث مع ابنتي عن تغير المناخ دون أن أنقل إليها شعورًا بالإحباط والاكتئاب؟

تكمن المشكلة في أن التقييمات الذاتية للصلابة المعرفية لا تقدم عونًا كبيرًا، لأنها تختلف باختلاف خبرة كل شخص وقدرته، ربما يكون شخصٌ ما بارعًا في المعادلات التفاضلية، بينما يكون آخر أفضل في التغني بقصائد إميلي ديكنسون، فهل ثمة طريقة مشابهة لاختبار موس يمكن من خلالها قياس الصلابة المعرفية للمهمات المختلفة، ومن ثم تصنيفها؟ وربما أمكن لمثل هذه الطريقة أن تثمر عن آراء ووجهات نظر من شأنها أن تساعدنا في حل المشكلات الصعبة، أو -على النقيض من ذلك- تجعلنا نتقبل فكرة أن تلك المشكلات غير قابلة للحل، وعلى أي حال، إليك عزيزي القارئ بضع أفكار بشأن الصلابة المعرفية.

مسائل البائع المتجول

يصنف علماء الرياضيات وعلماء الكمبيوتر المسائل وفق المدة التي يستغرقها الكمبيوتر في إيجاد حلٍّ لها، وتُعرف المسائل بأنها صعبة NP-hard إذا لم تكن ثمة خوارزمية مختصرة تقودنا إلى الحل الأفضل لها، بل يتعين عليك أن تبذل قصارى جهدك لكي تدرس كل حل ممكن بغية التوصل إلى أفضل حل. (يرمز الحرفان الإنجليزيان NP إلى عبارة "حدودية الزمن غير الحتمية" nondeterministic polynomial time، وهي عبارة لطالما كنت أعتقد أنها تعني "حقًّا، حقًّا").

تتضمن إحدى المسائل الشهيرة التي تنتمي إلى فئة NP-hard بائعًا متجولًا يبحث عن أقصر الطرق بين العديد من المدن، يتضاعف حجم المشكلة كثيرًا مع زيادة عدد المدن، فإذا كان على البائع أن يزور 15 مدينة، فلديه 87 مليار طريق محتمل للاختيار من بينها، ابتكر علماء الرياضيات عدة حيل لإيجاد طرق مختصرة جدًّا -إن لم تكن الأَقصر- بين العديد من المدن، ولكن عندما يزداد عدد المدن ليبلغ الآلاف، فإن أسرع جهاز كمبيوتر في العالم سيستغرق وقتًا لا نهائي تقريبًا للعثور على أقصر طريق.

ومن المفارقات أن معرفة خط سير الرحلة الذي من شأنه توفير الوقت أمرٌ سهلٌ بالمقارنة بمشكلات أخرى قد يواجهها البائع المتجول، ومن بين تلك المشكلات، على سبيل المثال: ما المدة التي يمكن أن يقضيها البائع في الطريق دون تعريض حياته الزوجية للخطر؟ وإذا شعر بالوحدة، فهل يجوز له أن يتودد إلى امرأةٍ ما في حانة الفندق؟ وإذا شعر بالذنب إزاء خيانة زوجته، فماذا عساه أن يقول لنفسه لتسكين ذلك الشعور بالذنب؟

لا شك أن ما يجعل هذه النوعية من المشكلات في غاية الصعوبة هو البُعد الأخلاقي؛ فهذا البائع المتجول -مثله في ذلك مثل أغلب البشر- يريد أن يؤمن بأنه شخصٌ صالح، ولكن ماذا يعني ذلك؟ في عام 2016، حضرت مؤتمرًا يتناول مسألة ما إذا كان بمقدور الذكاء الاصطناعي حل المعضلات الأخلاقية أم لا، كان هناك الكثير من أوجه التبايُن المضحكة والطريفة بشأن معضلة العربة، على سبيل المثال، هل تختار أن تقتل كائنًا حيًّا، مثل عصفور، لإنقاذ شيء غير حي، مثل جراند كانيون؟

لكن الفلاسفة لم يتوقفوا إطلاقًا منذ آلاف السنين عن الجدال حول المسائل الأخلاقية دون أن يتفقوا على ماهية القواعد الأخلاقية التي ينبغي علينا الالتزام بها، تستكشف المسرحية الشهيرة "وفاة بائع متجول" المعضلات الأخلاقية التي يواجهها أحد الباعة المتجولين، وعلى غرار أغلب الأعمال الأدبية، فإن هذه المسرحية لا تقدم حلولًا للمشكلات الأخلاقية، بل تسعى فقط إلى لفت الانتباه إليها.

هل الصعوبة تساوي التعقيد؟

يساوي مَن يُطلق عليهم اسم باحثي التعقيد بين الصعوبة والتعقيد، لنفترض أنك من العلماء الذين يحاولون نمذجة بعض الظواهر المعقدة، ومن ثَمَّ شرحها، مثل انتشار موجات الجاذبية الناجمة عن تصادم الثقوب السوداء، أو انتشار معلومات مضلِّلة على وسائل التواصل الاجتماعي، يشير الباحثون إلى أن صعوبة مشكلتك العلمية تتناسب مع درجة تعقيد الظاهرة التي ترغب في فهمها.

إضافةً إلى ذلك، قد تكون الأشياء المختلفة معقدة، وبالتالي يصعب تفسيرها، لأسباب مماثلة، في الحالة المثالية، تؤدي نمذجة ظاهرة صعبة واحدة إلى إنتاج رؤى تنطبق على ظواهر مختلفة تمامًا؛ فتطوير نموذج أفضل للثقوب السوداء قد يقودنا للتوصل إلى نموذج أفضل وفهم أعمق لمجموعة "كيو أنون" Qanon، المعروفة بتبنّي نظرية المؤامرة، أو هذا ما يأمله الباحثون.

ومع الأسف، لا يمكن للباحثين الاتفاق على تعريف محدد للتعقيد، وهو أمرٌ في غاية الأهمية في مجال عملهم، أدرج عالم الفيزياء سيث لويد عشرات التعريفات المقترحة للتعقيد، بناءً على نظرية المعلومات، والديناميكا الحرارية، والكسريات، وغيرها من المقاييس، وتتعدد التعريفات لأنه لا يوجد تعريفٌ واحدٌ وافٍ، وأعتقد أن المسائل الصعبة المختلفة ترجع صعوبتها إلى أسباب مختلفة خاصة بكل مسألة، تمامًا كما أن كل عائلة غير سعيدة ترجع أسباب شقائها إلى أسباب خاصة بها.

ويصر بعض الفيزيائيين على أن كل شيء في هذه الحياة -بما في ذلك البشرية ذاتها- قابلٌ للتفسير في النهاية من زاوية الجسيمات التي تدفعها وتجذبها قوى الجاذبية، والكهرومغناطيسية، وغيرها من القوى، وقد تبنت سابين هوسنفلدر هذا الموقف في حوارٍ حديثٍ بيننا، غير أن الفيزياء ليس لديها ما تقوله عن الأخلاق، والمعاني، والعواطف، والاختيارات، وسمات مهمة أخرى للوجود البشري.

صعوبة الرياضيات.. واللغة الإنجليزية.. والأبوة

عندما أجد صعوبةً في فهم قواعد الرياضيات التي ترتكز عليها ميكانيكا الكم، فإن تلك القواعد غالبًا ما تبدو لي مبهمة واعتباطية على نحوٍ مزعج، لكن في واقع الأمر، تبدو قواعد حساب التفاضل والتكامل والجبر الخطي منطقيةً ومفهومةً تمامًا مقارنةً بـ"قواعد" اللغة العادية؛ فلكي تتقن اللغة الإنجليزية، يجب عليك أولًا تعلُّم حروف الهجاء، لكن تلك الحروف لا تكتسب أي معانٍ إلا عند دمجها معًا في كلمات، وهناك آلافٌ من الكلمات، وكثيرٌ من تلك الكلمات لها معانٍ متعددة، فكر فحسب في جميع معاني كلمة "hard".

ثم هناك كل تلك القواعد المطلوبة لتركيب الكلمات في جمل، وهي قواعد يلويها مستخدمو اللغة ويخالفونها على الدوام، وكذلك يتحدد معنى الجملة أيضًا بناءً على قواعد يصعب توضيحها بدقة، وعلى السياق الذي تُستخدَم فيه من جانب المتحدث والمستمعين، لقد تمكَّن عالِم اللغويات نعوم تشومسكي من إقناع أغلب العلماء بأن لدينا موهبةً فطريةً لتعلُّم اللغة نرثها عن أسلافنا، ومن ثمَّ فإننا نتمكن من تعلُّم اللغة بسرعة كبيرة.

في بعض الأحيان، عندما أشارك في حوارٍ ما، أجد أن غريزتي اللغوية تنشط، ومن ثم أتحدث بسهولةٍ نسبية، حينها أُجسد ما يسميه الفيلسوف دانيال دنيت "الكفاءة دون فهم"، وفي أحيانٍ أخرى، أجد صعوبةً في فهم الكلمات التي ينطقها الشخص الذي أحادثه، ويغمرني شعورٌ بالارتباك وأنا أفكر في كل الطرق الممكنة التي يمكنني الرد بها، يحدث هذا لي غالبًا عندما أتحدث إلى ابنتي أو إلى ابني.

من السهل أن تصبح أبًا، بالمعنى البيولوجي الدقيق للكلمة، فأي أحمق تقريبًا يمكن أن يكون أبًا، لكن ماذا يعني أن تكون أبًا صالحًا؟ تتباين الإجابة باختلاف العصور والثقافات، فمثلًا، يبلغ ابني وابنتي من العمر 28 و26 عامًا على التوالي، ومع ذلك فلا يزال شعور الأبوة يبث في نفسي إحساسًا بالحيرة؛ ففي كل مرة تقريبًا أقابل فيها ابني أو ابنتي أو أتحدث مع أحدهما عبر الهاتف، أنتقد نفسي بعدها وأتشكك فيما فعلته، وأتساءل: هل تحدثت أكثر مما ينبغي؟ أم لم أتحدث بالقدر الكافي؟

يمكننا تقييم الآباء من خلال النظر في حال أبنائهم، لكنني أعرف آباءً صالحين (يوفرون الرعاية والاهتمام ويحملون نوايا طيبة) مات أبناؤهم نتيجةً لتعاطي جرعات زائدة من المخدرات، وأعرف في الوقت ذاته آباءً سيئين (غارقين في ملذاتهم الشخصية إلى حد الإهمال والتقصير)، لكن أبناءهم حققوا النجاح، وهذه الحقائق المؤلمة تحمل جانبًا إيجابيًّا: إذا لم يكن أبناؤك يبلون بلاءً حسنًا، فيمكنك دائمًا إلقاء اللوم على سوء الحظ، لكن النقطة الأهم التي أود التركيز عليها هي أنه على عكس معادلة شرودنجر، فإن جميع ألغاز الأبوة والأمومة -وجميع العلاقات الإنسانية- ليس لها حلول واضحة ومحددة.

رقائق العِرق.. والنوع.. والدماغ

يعتقد علماء الإدراك أن لدينا قدرةً فطريةً على تخمين ما يفكر فيه الآخرون وما يشعرون به، ومن الأمور المحيرة أن هذه الموهبة يُطلَق عليها اسم "نظرية العقل"، وهي تُعد من الركائز المهمة لتحقيق النجاح الاجتماعي، بمعنى الحصول على ما نريده من الآخرين، كما أن لها أهميةً بالغةً للأخلاق؛ فاحتمالات الشعور بالشفقة حيال الآخرين، ومعاملتهم معاملةً طيبة، تزداد إذا استطعنا التعاطف معهم، لكن برنامج نظرية العقل هذا لا يمكنه أن يأخذنا إلى ما هو أبعد من ذلك.

في العام الماضي، شاركت في مسيرة خاصة بحركة "حياة السود مهمّة" Black Lives Matter كانت تمر عبر بلدتي، حمل بعض المتظاهرين البيض لافتات كُتب عليها "أدرك أنني لن أفهم أبدًا، لكنني أقف بجانبكم"، تشير اللافتة إلى أن الأشخاص البيض مثلي لا يستطيعون أن يفهموا بالضبط ما تعنيه معضلة أن تكون أسود البشرة في أمريكا، إنها مهمةٌ صعبةٌ للغاية؛ فإذا قلنا إننا نفهم معاناتهم، فذلك يعني أننا لا نفهم فعلًا، بل نكشف بذلك عن جهلنا وغطرستنا، لكن يظل بمقدورنا التعبير عن دعمنا للأمريكيين أصحاب البشرة السوداء.

ينطبق هذا الوضع على المسائل الجنسانية أيضًا، دخلت مؤخرًا في نقاش مع رفيقتي بشأن واحدة من أشهر المقتطفات الأدبية، وهي مناجاة مولي بلوم في ختام رواية "يوليسيز" التي كتبها جيمس جويس، إنني أحب هذه المقطوعة الشاعرية الجذابة التي تنطوي على بعض الفسق، وأعتبرها تحفةً فنيةً داخل تحفة فنية أخرى، في هذه المناجاة، يتخيل جويس كيف يكون شعور زوجة وأم تعيش في دبلن في أوائل القرن العشرين، وعلى النقيض، تكره رفيقتي هذه المناجاة، وتقول إنها ليست سوى خيال ذكوري بشأن ما تفكر فيه النساء، وفي الحقيقة، كان عليّ بدلًا من مجادلتها أن أقول لها ببساطة: "أدرك أنني لن أفهم أبدًا، لكنني أقف بجانبك".

يأمل الأشخاص من ذوي الرؤى الحالمة مثل إيلون ماسك أن تساعدنا رقائق الكمبيوتر المزروعة في أدمغتنا يومًا ما في حل المسائل الصعبة، لهذا السبب أسس ماسك شركة "نيورالينك" Neuralink، التي تعكف حاليًّا على بناء "واجهات اتصال ذات نطاق ترددي عالٍ بين الدماغ والآلة"، ستربط الرقائق أدمغتنا بشبكة الإنترنت وببرامج فعالة في حل المسائل، مثل برنامج "ولفرام ألفا" Wolfram Alpha، ولكن أفضل منه بكثير.

ولكنني أشك في أن تتمكن الرقائق المزروعة في أدمغتنا من مساعدتنا في حل المسائل الأكثر أهمية، قد تساعد الرقاقة الدماغية البائع المتجول في تخطيط مسار رحلته، لكنها لن تُعلِّمه كيف يكون زوجًا وأبًا صالحًا، أو كيف يتجنب التصرفات المتحيزة جنسيًّا أو العنصرية، كذلك لن تخبره الرقاقة كيف يقتنص قدرًا من السعادة دون أن يبدو كالأحمق، لا شك أن هذه المسائل أصعب بكثير من أصعب مسائل NP-hard.

بينما كنت أكتب هذا العمود الصحفي، تذكرت لماذا كنت أود حين كنت صبيًّا أن أصبح اختصاصيًّا في علم المعادن، كنت بالفعل على مشارف مرحلة الرشد، ولم يرق لي هذا، كنت أرى الأشخاص الراشدين أمامي إما غارقين في الحزن، أو بارعين في الخسة والدناءة، أو يجمعون بين الاثنين، دار بخلدي أنني عندما أكبر سأقضي جل أيامي في المختبر وحيدًا، لا يشغلني سوى إجراء اختبار موس على العينات البلورية، واختبار تفاعلاتها الكيميائية، وفحصها بالمجهر، وإبداء انبهاري بجمالها المثالي المتناسق الجامد.

اضف تعليق