على الرغم مما يقال عن انتهاء موضة اللحى، إلا أن الوجه كثيف الشعر لا يزال يلقى رواجا وشعبية بين الرجال، بالإضافة إلى فوائد تربية اللحية الخفية التي توصل إليها بحث جديد، يتسائل البعض كيف يمكن لمجموعة من الشعيرات على الخدين والذقن أن توحي بسمات إرهابية أحياناً، أو أن تزيد من جاذبية رجل، أو من هيبة رجل دين بين أتباعه؟ اقترنت اللحية بباقة من المعتقدات الدينية والسمات الرجولية، إلا أن المثير هو اقترانها أخيراً بالموضة، حتى اصبحت جزء من الموضة اذ راج الآونة الأخيرة، إطلاق اللحية كموضة، وسارع عدد كبير من الرجال والشبان إلى اتباعها.

يتساءل الكثيرون عن مصدرها ، بحسب ما ورد في بعض المواقع منها ذا اندبندت أشار المدير الإبداعي لشركة "men-ü" لمستحضرات التجميل الرجالية أن أصل هذه الموضة يعود للعارض البريطاني ريكي هول الذي نشر صورته وهو ملتحٍ على الانستغرام، مما دفع الكثير من متابعيه والمشاهير إلى إطلاق لحاهم، وقد حاول العديد من الرجال اتباع تلك الموضة، إلا أن ذوي الشعر الخفيف لجأوا إلى حلول جراحية.

وحسب الإحصاءات التي وردت في صحيفة النيويورك تايمز، عن الجمعية الدولية لجراحة استعادة الشعر، قام 15,956 رجلاً بزراعة شعر لتعزيز اللحى في 2014 وفي المقابل قام 4,707 رجال بالعملية نفسها في 2012 وأشارت دراسة أخرى في عام 2016 ذُكرت في المقال عينه، إلى أن الرجال في المدن الأكثر اكتظاظاً يميلون إلى إطلاق لحاهم بسبب ضآلة الدخل المادي، فيجدون في اللحية مجالاً للتنافس على إبراز صفات الرجولة.

تطورٌ زمني

يُقدر ظهور اللحى للمرة الأولى منذ أن كان الإنسان يعيش في الكهف ومغطى بالشعر الكثيف، ويظهر اهتمام الفينقيين بلحاهم تاريخياً من خلال تابوت الرجل الذي تم العثور عليه عام 1887، والموجود حالياً في متحف قادس في اسبانيا، ونشر "مينتيل فلوز" نقلاً عن كتاب الأموات المصري أن سبب التحاء الفراعنة ديني لذا فالفراعنة كانوا يتشبهون بالإله أوزوريس الذي ظهر ملتحياً في النقوش والتماثيل، وانطلاقاً من مبدأ النظافة الشخصية لدى الفراعنة، فقد آثروا اللحى المزيفة على اللحى الحقيقية، إذ اعتبروا أن اللحى والشوارب والحواجب الكثيفة دليل على عدم النظافة الشخصية، وفي المسيحية الشرقية كانت اللحية جزءاً رئيسياً من مظهر المؤمن حتى أن السلطات الدينية فرضتها على المؤمنين.

يقال الرجال الملتحين هم الأكثر جاذبية وهم أهلٌ للعلاقات الطويلة الأمد وتحمل مسؤوليات الأسرة على عكس الرجال الحليقين، وفي القرون الوسطى في أوروبا، مثلت اللحية شرف الفارس ورجولته، وفي التاريخ تم وصف القائد العسكري الأشهر في التاريخ الإسباني "إل سيد" بامتلاكه للحية مزهرة أما رجال الدين الكاثوليك فظلوا حليقي الذقون في تلك الفترة وخلال انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، شجع النبي محمد (صل الله عليه واله وسلم) أتباعه على تطويل اللحية وتقصير الشاربين على عكس ما كان متبعاً قبله.

لزوم الحلاقة

استمرت اللحية في تمثيل مفاهيم القوة والرجولة إلى أن جاء ملك مقدونيا ألكسندر الأعظم وأصدر قراراً يُلزم الجنود بحلق اللحى، وذلك خشية أن يشدهم الأعداء من لحاهم ويؤخروهم أو يهزموهم في المعركة، وفرض ألكسندر هذا القانون على جميع الأراضي التابعة لمملكته، وفي القرن السادس عشر أطلق الرجال العنان للحاهم وبدأوا بإطالتها والاهتمام بتصميمها على غرار شكل المجرفة الأسبانية، أو القصة المربعة الإنجليزية أو الشكل المتشعب، وأخيراً الشكل المحاكي للخنجر وبقي الحال على ما هو عليه إلى أن جاء منتصف القرن السابع عشر، فباتت الذقن المحلوقة علامة للتحضر حتى أن إمبراطور روسيا بيتر الأعظم أمر الروس بحلاقة ذقونهم وفرض ضرائب على المخالف، وذلك لمجاراة الحضارة في أوروبا.

سمات ذكورية

يشير البروفيسور بروكس إلى أن عودة هذا النمط من اللحية ربما ترجع في أحد أسبابها إلى الأزمة المالية التي شهدها العالم عام 2008، ويقول: "اعتقد أن أحد أسباب عودة اللحية إلى الظهور هو هذا الوقت الصعب، حيث يسعى الشباب الذين يتنافسون للحصول على فرصة عمل يسعون لجذب انتباه أصحاب العمل ومن ثم فإن إظهار بعض السمات الذكورية ربما يحقق الهدف" ويضيف: "عقب انهيار بورصة وول ستريت في عشرينيات القرن الماضي عادت اللحى للظهور مرة أخرى، ومن ثم ربما تكون الظروف الاقتصادية قد هيأت الوضع لعودة اللحى مؤخرا"، ويقول بروكس: "اللحية الخفيفة التي يتراوح عمرها بين 5 إلى 10 أيام تبدو الأفضل وفقا لدراستنا الحديثة، لكن الدراسة تمثل الاتجاه العام، ولحسن الحظ نحن في الحياة لا نتعامل مع اتجاه عام وإنما مع فرد بعينه".

الدين واللحية

ظهرت شخصيات دينية عدة في تماثيل ملتحية كزيوس أبي الآلهة والبشر عند الإغريق، والإله الجرماني ثور، كذلك ظهر المسيح ملتحياً في جميع التماثيل التي صُنعت له، عدا الشخصيات التي ذُكرت في العهد القديم كموسى وإبراهيم، وجميع الرجال الذين ظهروا في لوحة العشاء الأخير، وفي المسيحية الشرقية، كانت اللحية جزءاً رئيسياً من مظهر المؤمن، حتى أن السلطات الدينية فرضتها على المؤمنين، أما في طائفة الأميش فوُجِب على الرجال حلاقة ذقونهم إلى أن يتزوجوا ولاحقاً يجب عليهم إطلاق اللحى، أما الكنيسة الكاثوليكية فمنعت إطلاق اللحى في حين أن الكنيسة البروتستانية جعلت ذلك خياراً شخصياً، اما الدين الإسلامي اوعز باستحباب إطلاق اللحية للرجال اتباعاً لسنّة النبي محمد (صل الله عليه واله وسلم)، وفي اليهودية وتبعاً للتلمود يُعدّ قص اللحى ممنوعاً وبالنسبة للسيخ فإنهم ينظرون للحية على أنها زينة الجسد، لذلك يجب المحافظة عليها.

سر جاذبية الرجل

في مقال نُشرته النيويورك تايمز تحت عنوان "هل تزيد اللحى من جاذبية الرجل؟"، ذكرت دراسة أجرتها جامعة كوينزلاند في استراليا لمعرفة الدور التي تقوم به اللحى في زيادة جاذبية الرجل، وقام الفريق بجمع 8,520 امرأة، تم تقسيمهن على ثلاث مجموعات واستعرض الفريق أمام هذه المجموعات صور رجال بذقون نظيفة، وأخرى لرجال لم يحلقوا لمدة 5 أيام، وصوراً لرجال لم يحلقوا لمدة 10 أيام، وأخيراً صوراً لرجال استمروا بإطالة لحاهم على مدى شهر كامل، وأجمعت معظم النساء على أن الرجال الملتحين هم الأكثر جاذبية، وهم أهلٌ للعلاقات الطويلة الأمد وتحمل مسؤوليات الأسرة، على عكس الرجال الحليقين.

موضة العصر

تتنوع اشكال اللحية وتصاميمها، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع فيما يتعلق بشكلها والعناية بمظهرها وبفضل مجموعة براون الجديدة للعناية بالمظهر، أصبح بإمكان الرجال التحكم الكامل بأناقة شعر الوجه تشمل المجموعة آلة تشذيب اللحية مع القرص المطور، لتسمح بدقة لا مثيل لها في العناية بالمظهر، وتمنح الرجال قوة التعبير عن أسلوبهم الفردي الخاص.

تنوعت اللحى منها القصيرة: وهي أيضا لحية كاملة ولكن بشكل يوحي بالمهنية، فاللحية الكاملة تتميز بتساوي طولها في كل الجهات بينما اللحية القصيرة تكون عادة أقصر عند الذقن فيما تغطي الوجه كله يجب الحرص على تقصير وتشذيب الشعر عند الخدين أيضاً مع الحفاظ على الشكل الطبيعي إجمالا لشعر الوجه.

وهناك ايضاً لحية "ظل الساعة الخامسة": وهي شكل معروف من الشعيرات القصيرة النابتة على وجه الرجل بلون أغمق في فترة بعد الظهر بعد أن يكون حلق ذقنه صباحاً تألق العديد من نجوم هوليوود على السجادة الحمراء بهذه الإطلالة لعدة سنوات، وتصبح أفضل إذا كان شعر وجهك سريع النمو لماذا تسمى بظل الساعة الخامسة؟ تقوم التسمية على عادة الطبقة الإنجليزية الراقية لتناول شاي العصر الساعة الخامسة في القرن التاسع عشر.

اما اللحية الطويلة أسفل الفم: تشكل هذه اللحية لمسة عصرية على اللحية المصغّرة المحيطة بالفم أو "السكسوكة" التقليدية، وفيها يطول الشعر أسفل الشفة السفلية مباشرة ويضيق تدريجياً مقارنة مع السكسوكة، كانت السكسوكة رائجة لزمن طويل، وهذه النسخة المعدلة منها أصبحت موضة.

واللحية الفكتورية الكاملة: كما يشير الاسم فهي لحية طويلة سميكة وكاملة تغطي اعلى الفم والخدين وتتصل بالسوالف على جانبي الوجه وتحيط بالفم والذقن لتكمل دائرة كاملة حول العنق وراجت اللحية الكاملة بعد حرب القرم في القرن التاسع عشر نظراً لندرة صابون الحلاقة وقسوة الشتاء في منطقة القرم مما جعل الحلاقة مستحيلة وعند انتهاء الحرب وعودة الجنود بشعر يملأ وجوههم، ربط الكثيرون مظهر اللحية بالشجاعة والشرف والنزاهة والبطولة.

اضافة للحية راكب الدراجات: على ماذا تحصل إذا دمجت الشارب الكثيف مع اللحية الطويلة؟ ذقن راكب الدراجات! تعتبر اللحية من أبرز معالم راكبي الدراجات في القرن العشرين وأصبحت مؤخرا أكثر شعبية عندما ظهر بها والتر وايت في المسلسل التلفزيوني Breaking Bad. وبهذه الإطلالة كل ما تحتاج إليه لاستكمال مظهرك هي دراجة نارية.

على مدار الأعوام القليلة الماضية، شكلت اللحية جانباً مهماً من أناقة الرجل، وانتشرت بين الشباب بدرجة كبيرة، لتصبح واحدة من أهم صيحات الموضة، بعد ان كان اطلاق اللحى مظهراً من مظاهر التدين والاقتداءً برسول الله (صل الله عليه واله وسلم).

.........................
المصادر
- بي بي سي
- مجلة الرجل
- العين
- رصيف 22

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0