وجد نفسه مجنداً في سن مبكرة جداً ليلعب دور الدبلوماسي المدافع عن قيم الولايات المتحدة، وشغوفاً بالموسيقى واللعب على أوتارها ذلك هو أنطوني بلينكين (58 عاما)، أقرب مستشاري الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، للسياسة الخارجية، الذي سيتربع على عرش دبلوماسية الولايات المتحدة، بعد اختياره وزيرا للخارجية في العهدة المرتقبة، تنتظر بلينكن الذي اختاره جو بايدن وزيراً للخارجية، مهمة صعبة لإصلاح العلاقات مع حلفاء تقليديين للولايات المتحدة التي تعرضت لهزة في عهد دونالد ترمب، وعلى بلينكن الفرنكوفوني الذي يعمل منذ وقت طويل مستشاراً للرئيس المنتخب، أن يردم الهوة التي خلّفتها إدارة ترمب، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

من هو بلينكن

بلينكين، الذي عمل مع بايدن لسنوات، يتوافق مع الرئيس القادم بشأن قضايا السياسة الخارجية - إعطاء الأولوية للتحالفات الدولية، والعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وإعادة الانخراط في المعاهدات والمنظمات المتعددة الأطراف، والدعم القوي لإسرائيل، في الواقع، تصرف بلينكين كمتحدث رسمي باسم حملة بايدن بشأن السياسة الخارجية خلال الأشهر العديدة الماضية.

أعلن بايدن رسميا ترشيح بلينكين، بعد ساعات من نشر العديد من وسائل الإعلام نبأ التعيين في وقت متأخر يعود تاريخ خبرة بلينكن الحكومية إلى 1994، عندما كان يعمل في مجلس الأمن القومي التابع للرئيس بيل كلينتون في البيت الأبيض، وهو من المخضرمين في مؤسسة الأمن القومي والسياسة الخارجية، كما عمل في الكابيتول هيل كمدير للموظفين الديمقراطيين للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بين عامي 2002 و2008.

خلال سنوات حكم باراك أوباما، عمل بلينكن في العديد من المناصب الرئيسية، بما في ذلك مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس آنذاك بايدن، ونائب مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية، كمؤسسة وسطية بدون آراء متشددة لبعض المرشحين الآخرين الذين تم الإبلاغ عن اعتبارهم لهذا المنصب، من غير المرجح أن يواجه تعيين بلينكن انتكاسة كبيرة من الديمقراطيين التقدميين، مثل معظم المناصب الوزارية، يحتاج وزير الخارجية الجديد إلى موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي - وهو غرفة تشريعية قد تكون تحت سيطرة الجمهوريين بعد التنصيب في 20 يناير، اعتمادًا على نتيجة المتنافسين في ولاية جورجيا.

وبصفته أرفع دبلوماسي في الإدارة المقبلة، سيواجه بلينكين تحديات كبيرة في الشرق الأوسط بعد أربع سنوات من عقيدة ترامبية مدفوعة "بالضغط الأقصى" ضد إيران والدعم السياسي غير المسبوق لحلفاء واشنطن الإسرائيليين والخليجيين، أوضح بايدن أنه يريد "إعادة تقييم" العلاقات مع السعودية والضغط من أجل النهوض بحقوق الإنسان في المنطقة في الوقت نفسه، كان ولا يزال داعمًا قويًا لإسرائيل.

يشارك بلينكين وجهة نظر الرئيس المنتخب بأن مساعدة الولايات المتحدة لإسرائيل لا تقبل النقاش ولا يجب استخدامها كأداة ضغط للتأثير على سياسات الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وكتب على تويتر في عام 2016: "بالنظر إلى السنوات الثماني الماضية، أشعر بالفخر لخدمة رئيس قدمت إدارته لأمن إسرائيل أكثر من أي وقت مضى".

تتلقى إسرائيل 3.8 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية سنويًا نتيجة لمذكرة تفاهم وقعها أوباما خلال سنته الأخيرة في منصبه، في مايو، قال بلينكين لمجموعة "لأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل" (DMFI)، وهي مجموعة صقرية مرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، أن بايدن ملتزم بتقديم مساعدة عسكرية غير مشروطة لإسرائيل.

وقال " لن يربط بايدن المساعدة العسكرية لإسرائيل بأي قرارات سياسية تتخذها وهذا كلام نهائي، لا نقاش فيه. لقد قال ذلك وهو ملتزم به. وستكون هذه هي سياسة إدارة بايدن" في نفس اللقاء الافتراضي، كرر بلينكين مجازًا معاديًا للعرب أثار غضب دعاة المجتمع، وأضاف: "بالنسبة لمقولة " لا تفوت فرصة أبدًا لتفويت فرصة "، أعتقد أن هذا تذكير للفلسطينيين ... أنهم يستطيعون وينبغي عليهم القيام بعمل أفضل ويستحقون أفضل وهذا يتطلب قيادة: قيادة لتوضيح حقيقة الدولة اليهودية؛ قيادة لتوضيح الحاجة إلى إنهاء التحريض والعنف؛ قيادة لإقناع الناس إلى جانب آفاق التفاوض".

وكان يستشهد بكلمات الدبلوماسي الإسرائيلي الراحل أبا إيبان الذي قال عام 1973: "لم يفوت العرب قط فرصة لتفويت فرصة"، كما تعهد بلينكين بعدم نشر الخلافات بين إدارة بايدن وإسرائيل علنًا، مما يشير إلى عكس نهج أوباما في التنديد صراحة بالتوسع الاستيطاني، وقال: "يؤمن جو بايدن إيمانًا قويًا بالحفاظ على الخلافات - إلى أقصى حد ممكن - بين الأصدقاء وخلف الأبواب، هذا الأمر أكثر فاعلية عندما تملك خلافات في الرأي، وعندما يكون لديك خلافات بشأن مسألة تتعلق بالسياسة، والتعامل معها على انفراد."

في مكالمة مع مناصرين عرب أمريكيين بعد أسابيع، قال بلينكين إن بايدن سوف يعكس بعض سياسات ترامب بشأن الصراع، بما في ذلك إعادة المساعدات للفلسطينيين وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وكتب السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة مايكل أورين على تويتر "تهانينا لتوني بلينكين، الدبلوماسي العظيم والصديق الحقيقي لإسرائيل، على ترشيحه لمنصب وزير الخارجية تشرفت وسررت بالعمل معه لسنوات في واشنطن وأعرف أنه رجل دولة شجاع وواضح الرؤية. لا يمكنني التفكير في خيار أفضل."

بلينكن وحركة المقاطعة BDS

قال بلينكن إن بايدن يرفض "التفرد" بإسرائيل بالمقاطعة أو في الأمم المتحدة، ومع ذلك، تعهد في وقت سابق من هذا العام بأن الرئيس المقبل لن ينتهك حقوق الأمريكيين في حرية التعبير، على الرغم من معارضته لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) التي يقودها الفلسطينيون، وقال إن نائب الرئيس السابق "سيحمي الحق الدستوري لمواطنينا في التحدث بحرية"، مستشهدا بمعارضة بايدن لحظر إسرائيل دخول النائبتين إلهان عمر ورشيدة طليب لدعمهما لحركة المقاطعة.

ويدعو المدافعون عن الحقوق الإدارة القادمة للتراجع عن هذا التصنيف، الذي وصفه اتحاد الحريات المدنية الأمريكي (ACLU) بـ "غير دستوري بشكل صارخ"، وفي أغسطس / آب، اعتذر بلينكين شخصيًا في مكالمة خاصة مع مناصرين من العرب الأمريكيين بشأن تخلي الحملة عن الناشطة الفلسطينية الأمريكية ليندا صرصور لدعمها حركة المقاطعة BDS، وقال بلينكين خلال المكالمة التي حصل عليها موقع ميدل ايست آي: "تاريخيًا، سارع الجمهوريون والديمقراطيون إلى رفض الأصوات الإسلامية والعربية الأمريكية وخاصة أصوات الفلسطينيين الأمريكيين، وأود أن أكرر نيابة عنا جميعًا دعمنا لمجتمعاتكم".

العلاقات مع المستبدين

طوال الحملة، انتقد بلينكين علاقات ترامب الوثيقة مع منتهكي حقوق الإنسان في الخليج ومصر، في يوليو، قال لمناصرين عرب إن بايدن سيدعم "مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية" في التعامل مع الحكومات في الشرق الأوسط، وقال بلينكين: "إنها تفعل الكثير لتقويض موقفنا الأخلاقي عالميًا وقدرتنا على القيادة عندما سمى دونالد ترامب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على حد تعبيره، بـ"ديكتاتوري المفضل"، وأضاف: "سنراجع علاقة الولايات المتحدة بحكومة المملكة العربية السعودية، والتي منحها الرئيس ترامب شيكًا على بياض كي تستمر بانتهاج مجموعة كارثية من السياسات، بما في ذلك الحرب في اليمن، وكذلك قتل جمال خاشقجي و حملة القمع على المعارضة الداخلية".

تعهد بايدن بإنهاء المساعدة الأمريكية للحالة التي تقودها السعودية في اليمن، وفي العام الماضي، قال إنه سينظر إلى الرياض على أنها "منبوذة" بسبب مقتل خاشقجي، وفيما ندد بلينكين باعتقال ثلاثة دعاة حقوقيين مصريين التقوا بمسؤولين غربيين وكتب على تويتر: "لقاء الدبلوماسيين الأجانب ليس جريمة. كما أنه ليس مناصرة سلمية لحقوق الإنسان"، ترجمة غزة بوست.

الفرانكوفوني الأنيق لاعب الغيتار

بحضور يوصف باللائق والأنيق، يبدو "توني" بلينكن البالغ من العمر 58 عاماً نقيض سلفه مايك بومبيو، الأكثر خشونة، ويقول صديقه منذ الطفولة روبرت مالي، الذي يدير مركز الأزمات الدولية، "لا يمكن للمرء أن يكون أشدّ لطفاً وتواضعاً وتكتماً منه، ولا أحد يذكر أنه رآه قط في نوبة غضب أو فاقداً لأعصابه" وأعرب بلينكن الذي كان مساعداً في وزارة الخارجية في عهد أوباما مراراً في السابق عن تأييده لتدخل عسكري أميركي في سورية تحت عنوان حماية حقوق الإنسان.

لكن قرار إدارة أوباما ترك شيئاً من المرارة في صدر بلينكن الذي قال في مايو في مقابلة مع محطة سي بي إس "لقد فشلنا في منع وقوع كارثة إنسانية مريعة"، مضيفاً "هذا أمر لن أنساه أبداً" ويعود تمسكه بحماية حقوق الإنسان خصوصاً من قصة زوج والدته سامويل بيسار الذي كان من بين أصغر الناجين سناً من محرقة اليهود.

يروي صديق طفولته روبرت مالي أن "توني، كأميركي، كان متمسكاً جداً بقيمه وهويته، لكن لأنه كان يعيش في بلد غريب، كان مرغماً على رؤية العالم من هذا المنظور، في حقبة لم تكن فيها الولايات المتحدة بالضرورة تحظى بشعبية كبيرة" والد بلينكن البيولوجي مصرفي أعمال كبير، أما والدته جوديث بيسار فقد أدارت لسنوات المركز الأميركي في باريس، وهي مؤسسة ثقافية وفنية، في باريس، بدأ شغف بلينكن بالموسيقى هناك خاض غمار الجاز ونما حبه للروك، لدرجة أنه كتب على صورته في كتاب التخرج من الثانوية جملة من أغنية لفرقة الروك البريطانية الشهيرة "بينك فلويد".

تلقى أنتوني بلينكن تعليمه في جامعة هارفرد، ما مهد له لمسيرة مهنية في مجال المحاماة ومن ثم السياسة، حيث عمل خصوصاً في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ حين كان بايدن عضواً فيها، وأقرّ خلال مؤتمر في عام 2017 أن قصة زوج أمه الذي نجا من معسكري أوشفيتز وداخاو وتمكن من الفرار، قد أثرت به بشكل عميق، بعد فراره، اختبأ في غابة يومين، حيث سمع فجأة صوت دبابة تقترب قبل أن يخرج منها عسكري أميركي وروى بلينكن "نزل على ركبتيه وقال الكلمات الثلاث التي كان يعرفها بالإنكليزية وتعلمها من أمه: ليبارك الله أميركا"، مضيفاً: "رفعه العسكري عن الأرض وأدخله الدبابة مجازياً كأنما أدخله الولايات المتحدة على طريق الحرية"، بحسب الجريدة الكويتية.

قالو في اختيار بلينكن

أثار اختيار الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن لوزير الخارجية في الإدارة الجديدة انتقادات واسعة إذ كُتب فيه:

كتب رئيس تحرير موقع (ريكوشيه)، جون غابرييل، على تويتر، قائلا: "نصح بلينكين بايدن بالتصويت لصالح حرب العراق، وقال أيضا إن الولايات المتحدة فشلت بعدم إرسال مزيد من القوات إلى سوريا"، وكان بلينكن كبير مساعدي بايدن في عام 2002 عندما صوت السناتور السابق لصالح قرار يجيز استخدام القوة في العراق، وفقا لمجلة ذا نيشن.

وكما كتب الصحفي في نيويورك تايمز، كينيث ب. فوغل، على تويتر، يقول: "شارك أنتوني بلينكن في تأسيس شركة استشارية WEAdvisors أطلقها عام 2018 لمساعدة عملائها في العاصمة وهي لا تكشف عن هويات معظمهم".

وكذلك كتب كبير مستشاري البيت الأبيض السابق والمعلق السياسي في سي إن إن، ديفيد أكسلرود، على تويتر، الأحد: "توني بلينكن أحد أفضل الموظفين العموميين الذين عرفتهم على الإطلاق. ذكي ورصين وصادق وذو خبرة - حقا اختيار رائع".

وكتب فائز شاكر، مدير حملة ساندرز السابق، على تويتر: "خيار قوي".

ووصف مستشار السياسة الخارجية لساندرز، مات داس، الاختيار بالجيد، قائلا: "يتمتع توني بثقة كبيرة من الرئيس المنتخب والمعرفة والخبرة للعمل المهم لإعادة بناء الدبلوماسية الأميركية"، بحسب الحرة.

رأي انتوني بلينكن بسياسة أمريكا الخارجية بعهد بايدن

ألقى انتوني بلينكن، الضوء على توقعاته حول كيف ستكون سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في عهد الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، وذلك قبل أن تكشف مصادر لـCNN أن بايدن "مستعد لترشيحه" بمنصب وزير للخارجية، وقال بايدن في مقابلة مع الزميل فريد زكريا، منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي: "نائب الرئيس بايدن ينطلق من هذا المبدأ أنه سواء اعجبنا ذلك أو لا فإن العالم لوحدة لا يمكنه تنظيم نفسه وحتى إدارة ترامب لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا قياديا في القيام بالكثير من هذا التنظيم."

وتابع قائلا: "ما حدث الآن هو أن الرئيس ترامب تنازل عن هذه المسؤوليات ووضعنا في حالة انسحاب كاملة من حلفائنا وشركائنا من المنظمات الدولية ومن الاتفاقات، وهذه هي المشكلة: عندما لا نكون منخرطين وعندما لا نقود فإن ما يحدث هو أمر من اثنين إما أن دولا أخرى تبدأ بمحاولة أخذ مكاننا وعلى الأغلب ليس بصورة تناسب مصالحنا وقيمنا وأما أن يكون هناك فجوة تخلق فوضى وأمورا سيئة ".

وأضاف: "جو بايدن بدأ بالتأكيد على أهمية الانخراط الأمريكي وأهمية القيادة الأمريكية، سنظهر مجددا في الحقيقة يوما بعد يوم بالقيادة الدبلوماسية وألا نخاطب العالم كما كان في العام 2009 أو 2017 عندما خرجنا من المكتب (انتهت ولاية أوباما ونائبه بايدن) بل كما هو العالم عليه وكما نتوقع أن يكون مع وجود كل أنواع القوى الصاعدة واللاعبين الجدد والعديد منهم تقوية التكنولوجيا والمعلومات والذين علينا أن نحظرهم لجانبنا إذا أردنا إحراز تقدم"، بحسب (CNN).

اضف تعليق