(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا، لفتحنا عليهم بركات من ا لسماء والأرض. ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) سورة الأعراف: الآية 96

هنا.. قد يرتسم سؤال:

1ـ ما المراد من القرى؟ هل هي جمع القرية، مقابل المدينة؟ أو المراد: المجمعات السكنية التي تشمل القرية والمدينة؟ فإذا كان المراد القرية مقابل المدينة، فيقال: لماذا بين تخصيص أهل القرى من الناس؟ لماذا لم يرد: ولو أن أهل الأرض آمنوا واتقوا؟ ولماذا لم يرد: ولو أن الناس آمنوا واتقوا؟

يمكن أن يقال: أن أهل القرى، هم الأداة المحركة للحياة:

أ ـ لأن القرى هي المخازن التي تحتفظ بالمخزون الاحتياطي من البشر، فالقرية هي المنبع الذي يمد المدينة بالدم الجديد، وليست المدينة إلا مجمعاً لروافد القرى.

ب ـ لأن القرى تنجب الأصحاء، من أصحاب الأجسام السليمة والنفوس السليمة، التي تستطيع تولي عمليات التغيير والتطوير. بينما المدن تنجب الأشقياء، من أصحاب الأجسام السقيمة والنفوس السقيمة، الذين لا يقدرون على تولي المهام الكبار التي تحتاج إلى القفز والإبداع. ولذلك: كثيراً ما نجد العظماء والعباقرة، من أهل القرى دون أهل المدن.

ج ـ لأن أهل القرى هم قاعدة الإنتاج العريضة، فاليد التي تفجر الأرض، وتحرك الآلة – غالباً – هي يد القرية، وليست يد المدينة. وأما أهل المدن، فيشيّدون هرمهم الرفيع على هذه القاعدة. فيد القرية هي اليد المنتجة، ويد المدينة هي اليد المتعاملة.

فأهل القرى، هم وسائل فتح أو غلق بركات السماء والأرض – غالباً –.

2ـ وإذا كان المراد من القرى، هي المجمعات السكنية – بالمفهوم اللغوي للقرى وهي المساكن – سواء أكانت صغيرة بدائية، لا تمدن فيها ولا حضارة – حسب المفهوم المصطلح للقرية – أم كانت كبيرة متقادمة، حافلة بالتمدن والحضارة – حسب المفهوم المصطلح للمدينة –، فيقال: لماذا تخصيص أهل المساكن من بين الناس؟ فلماذا لم يرد: ولو أن أهل الأرض آمنوا واتقوا، ولماذا لم يرد: ولو أن الناس آمنوا واتقوا؟

يمكن أن يقال: أن أهل المساكن، هم الأداة المحركة للحياة:

أ ـ لأن أهل المساكن – قرويين ومدنيين – هم الذين يستطيعون اتخاذ القرارات، في اجتماعاتهم ولقاءاتهم.

وأما أهل البادية، من الرعاة والفلاحين، فيعيشون فرادى، مع قطعانهم وفي مزارعهم، وليست لهم تجمعات تمكنهم من تبادل الرأي واتخاذ القرار.

ب ـ لأن أهل المساكن – في مجملهم – هم المتفرقون للشؤون العامة، الذين يستطيعون متابعة الأحداث، واستيعاب الحركات، تمهيداً لاتخاذ المواقف والقرارات.

وأما أهل البادية، فغالباً لا خبرة لهم ولا رأي، حتى يتمكنوا من اتخاذ موقف أو قرار، وإنما هم يتبعون اليد العليا، والحنجرة الأقوى.

ومهما يكن المراد من: (القرى)، فالمراد من: (أهل القرى) هم محركات الحياة، من أهل الخبرة والرأي، القادرون على اتخاذ الموقف والقرار. فلو أن هؤلاء (آمنوا)، والإيمان هو الاعتراف والتسليم، بالواقع الكبير، الذي هو واقع الحياة ومصدر الحياة.

فالإيمان لا يكون إلا بأمرين:

الأول: استيعاب فلسفة الحياة ومصدر الحياة، استيعاباً صحيحاً واعياً.

الثاني: الانسجام مع ما استوعب، من فلسفة الحياة ومصدر الحياة.

(واتقوا)، فالتزموا – عملياً – بما استوعبوا، وانسجموا معه فكرياً، فلم يعاكسوا تيار الحياة، ولا حاولوا إيقاف حركة ا لكون أو تحريفها.

فلو أن أهل الخبرة والرأي، استوعبوا فلسفة الحياة، وانسجموا معها فكرياً، وساروا وفقها عملياً، فمن الطبيعي أن تفتح عليهم حصائل السماء والأرض.

وإذا لم يستوعبوا فلسفة الحياة، ولم ينسجموا معها فكرياً، أو استوعبوها وانسجموا معها ولكن عاكسوها، فمن الطبيعي أن لا تتجاوب معهم حصائل السماء والأرض.

فالذي لا يفهم حركة الطاقات الفاعلة، في الأرض وفي الجو، لا يستطيع الاستفادة منها. والذي يعاكس حركة الطاقات الفاعلة، في الأرض وفي الجو، لا بد أن يؤخذ بعمله، فيسحق، ويزاح عن الساحة، وتستمر تلك الطاقات في مجاريها:

فالذي لا يفهم الجاذبية، أو يعاكسها، ويحاول أن يقفز من سطح بناية إلى سطح بناية مواجهة، كما تفعل الطيور، فإن الجاذبية تغلب عليه، ويسقط متحطماً.

والذي لا يستوعب، أو يعاكس طاقة الكهرباء، فيلمس أسلاكها المجردة، كما يلمس الأبواب والجدران، يأخذه عمله، فيصدمه التيار، ويتركه جثة هامدة للقبر.

والذي لا يعي، أو يغالب المواد المخدرة، فيتناولها كما يتناول الطعام والشراب، لا بد أن ينهزم في الحلبة، فيفقد مشاعره وأعصابه.

إنما ينجح في الحياة، من يستوعبها ويجاريها. وأما الذي يناقضها، فليس الله حارساً عليه، لا يؤاخذه بمخالفته، وإنما تأخذه مناقضته ذاته، فعمله يدينه، وفعله عقابه.

فلو أن أهل الرأي والسلطة، آمنوا بواقع الحياة، وتحاشوا تياراتها، لسخروا طاقات السماء، ودجنوا مواهب الأرض. ولكنهم كذبوا واقع الحياة، فكانت أعمالهم ويلات تصفعهم، وعقوبات لا يجدون عنها مهرباً.

فيكون المستفاد من هذه الآية: لو أن الواعين من الناس، استفادوا من الوحي في فهم الحياة، ولم يناقضوها، لتفتحت عليهم. ولكنهم كذبوا الوحي، فلم يفهموا الحياة، وناقضوها، فسحقتهم.

ويمكن أن نتجاوز كل ذلك، في فهم الآية، إلى ما هو أعمق، وهو:

كما أن للحياة واقعاً، من يناقضه يتحكم به، هكذا.. فوق الحياة واقع أعلى، وهو إرادة الله: فالجيل الذي يتكيف بها، وينسجم مع تيارها، ينجح في الحياة، مهما قصرت به الوسائل. والجيل الذي يناقضها، يتحطم على صخرتها، فالأجيال المؤمنة، في صدر الإسلام، سعدت وتقدمت، حتى قادت العالم، رغم بدائيتها. والأجيال المعاصرة، التي حاولت الاستغناء عن السماء، شقيت وتأخرت عن ركب العالم، حتى أضحت دويلات مستعمرة، رغم حضارتها، وتراثها، وثرواتها، واستراتيجيتها...

إن في تاريخ العرب درساً بليغاً: فالعرب البدو الشتات، عندما طمحوا إلى السماء، خضعت لهم الأرض، وحينما تحضروا، وسادوا، وظنوا أنهم هم القدرة الفاعلة في العالم، وركزوا مطامحهم في الأرض، تقلص من فوقهم ظل السماء، وانسلت الأرض من تحت أقدامهم، حتى تجمع شذاذ الآفاق، من اليهود الأذلاء، فاغتصبوا بلادهم، وتلاعبوا بمقدراتهم، وجعلوا منهم لاجئين في المخيمات: تحت سماء لا ظل لها، وفوق أرض تتقاذفهم...

وهذا.. دليل على أن هنالك إرادة عليا، هي –وحدها – تملك المصير في المطاف الأخير، وأن محاولات البشر، لا تزيد على تجارب مجردة من السلطة والقدرة، فإذا سارت في تيار الإرادة العليا، كان مكتوباً لها النجاح منذ البداية، وإن تمردت على الإرادة العليا، كان محكوماً عليها بالفشل منذ البداية.

وهذا.. أمر يمكن النقاش حوله طويلاً، ولكن النقاش لا يغير شيئاً من الواقع. فلو ناقشنا حول حاجة جسم الإنسان إلى الأوكسجين، أو حول حركة الشمس والنجوم، أو حول تيارات البحر، أو حول النسبية العامة...، فليس النقاش – في الأساس – إلا محاولة للتفهم والاستيعاب، وليس محاولة لتغيير الواقع.

والجواب الأخير، على كل نقاش رافض، هو التجربة، والتجارب – دائماً – تنكشف عن الواقع. وتجارب التاريخ والأمم، تقف – مجتمعة – إلى جانب هيمنة الإرادة العليا على المصير البشري.

وفي القرآن: تركيز على استعراض تواريخ أمم: آمنت فنهضت من العدم، وتقدمت زميلاتها في مدرسة الوجود. حتى إذا أترفت وبطرت، واتجهت إلى ذاتها، جرفتها إحدى تيارات الإرادة العليا إلى ظلمات العدم.

* من كتاب خواطري عن القرآن

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0