سياسة - قضايا استراتيجية

ما الذي يحفّز طريق الحرير الجديد في الصين

وكيف يجب أن تكون استجابة الغرب

كديرا بثياغودا

 

تعتبر قمة طريق الحرير، التي تغطي مبادرة حزام واحد طريق واحد الصينية، بمثابة الاحتفال بصعود بكين، تماماً كما كان الحال في أولمبياد 2008. فللمرة الأولى في تاريخ نظام وستفاليا، لا تكتفي الدول الآسيوية وغيرها من الدول التي لا تحمل إرثاً أوروبياً، بالصعود إلى مراكز محورية في النظام العالمي، بل تعيد تشكيل هيكلية هذا النظام.

يقدّم مشروع البنية التحتية الصيني، غير المسبوق من ناحيتي الحجم والنطاق، وعوداً استثمارية بقيمة تقارب تريليون دولار (رغم أنه لم يتم إنفاق سوى 50 مليار دولار فقط حتى الآن)، تغطي دولاً يقطنها 60 بالمئة من سكان العالم، وثلث الناتج العالمي الإجمالي (علماً بأن هذه الأرقام تشمل أحد الأطراف المنتقدة للخطة، أي الهند). يتزامن هذا كله مع تراجع القيادة العالمية الغربية بسبب التصدّعات الداخلية. وإذا أراد صنّاع القرار في العالم الرد على هذه الاندفاعة الصينية العالمية، فعليهم أن يفهموا الدوافع التي أدّت إلى ظهورها، وأن يفكروا بالحكمة التقليدية التي وضعت الغرب في هذا الوضع السيئ، من بعض النواحي.

عناصر اللعبة

الاقتصاد

مبادرة حزام واحد طريق واحد في جوهرها هي مشروع اقتصادي يتيح للصين فرصة تصدير طاقاتها الإنتاجية الفائضة. والأهم هو أن الكثير من الدول الـ 68 المشاركة في المشروع تصدّر المواد الخام والطاقة التي تحتاجها الصين. وهذا أمر مهم على المستوى المحلّي، نظراً لتراجع الاقتصاد في الصين وازدياد نسبة التفاوت. في السنوات الأخيرة، استند الحزب الشيوعي على النمو الاقتصادي من أجل المطالبة بالقيادة. وطالما أن هناك استمرارية في تنامي الازدهار بمعدل كافٍ، سيتقبّل الناس فكرة ثراء البعض بنسبة أسرع من ثراء البعض الآخر.

المصالح الاستراتيجية

لكن مبادرة حزام واحد طريق واحد هي أكثر بكثير من مجرّد مبادرة اقتصادية. فهي تخدم أيضاً أهداف بكين الطموحة الأخرى في السياسة الخارجية: أي الوصول إلى التكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا، وإعادة تشكيل مناخها الأمني لضمان كبح صعودها. أحد الهواجس الرئيسية هو قطع طرق التجارة الصينية في حالة المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، نظراُ لكونها محاطة بسلسلة من الأصدقاء والحلفاء الأمريكيين. ولتحقيق هذه الغاية فإن مبادرة حزام واحد طريق واحد تزيد من نفوذ بكين في الولايات الواقعة على طول هذه الطرق التجارية، بدءاً من شرق آسيا، مروراً بالمحيط الهندي وآسيا الوسطى، وصولاً إلى الشرق الأوسط ومنه إلى أفريقيا وأوروبا. يمكن للكثير من المشاريع أن تخدم أهدافاً اقتصادية واستراتيجية مزدوجة، مثل الموانئ في غوادور (باكستان) وهامبانتوتا (سريلانكا) وجيبوتي. علماً بأن هذه غالباً ما حفّزت واشنطن للتواصل مع هذه الدول أيضاً.

إن استثمارات البنية التحتية في الصين كثيرة لدرجة يصعب معها زعزعة تأثيرها على الدول المضيفة دون انتهاك المعايير الاقتصادية العالمية، حتى مع التغيّرات الجذرية التي تحدث في حكومات الدول المضيفة. وقد لُمس هذا في سريلانكا ذات الموقع الاستراتيجي. إذ موّلت بكين البنية التحتية بقوة ودعمت المجهود الحربي لحكومة راجاباكشا السابقة، لكن الإدارة خسرت السلطة بشكل غير متوقع أمام ائتلاف جديد وعد بتحويل العلاقات من جديد نحو الهند والغرب. لكن، ومع مرور الوقت، أدركت الحكومة السريلانكية الجديدة الطبيعة طويلة الاجل لوجود بكين وقوبلت الاستثمارات الصينية بالترحاب.

الصورة والثقافة

تساعد القيم الثقافية أيضاً في توجيه مشروع حزام واحد طريق واحد. إذ لطالما كانت المهابة قيمةً مهيمنةً في المجتمع الصيني ذي الطبيعة الهرمية، وهي لا تزال تؤثّر في صنّاع القرار، وترتبط بفكرة الوجه أو السمعة (mianzi) التي تعطي الأولوية لتقدير الآخرين واحترامهم. وبنفس الطريقة، فإن الأفكار الكونفوشيوسية المحبة للعطاء، والتي تحيط بالقيادة، تبدو جليّة في خطاب “الارتقاء السلمي” للصين، وفي تصريحات الرئيس شي جين بينغ حول طرح طرق تعاونية جديدة للعلاقات الخارجية، وكلها تحدد مسار مبادرة حزام واحد طريق واحد. يبدو أن بكين ترغب في إظهار الفرق بين تجربتها الحضارية ذات السلطة المركزية، وتاريخ أوروبا في مرحلة ما قبل الحداثة، الذي يتمحور حول دويلات صغيرة متحاربة.

يرى الشعب وصنّاع القرار الصينيون أن لديهم حضارة عظيمة عانت الإذلال خلال الحقبة الاستعمارية، وهي تستحق الآن اعترافاً عالمياً. ينظر الكثيرون إلى مبادرة حزام واحد طريق واحد على أنها خطوة مهمة في درب تصحيح المسار التاريخي. في العام 1600، أي قبل الحقبة الاستعمارية، كانت الصين تتمتع بأكبر اقتصاد في العالم، إذ كان يمثل 29 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وإذا أضفنا الهند نجد أن اقتصاد البلدين يمثّل أكثر من نصف اقتصاد العالم. وقبل قرنين من الزمان، اجتاز الأميرال والمستكشف الصيني تشنغ هو الطريق البحرية ذاتها الواردة في مبادرة حزام واحد طريق واحد، وأسس لعلاقات تجارية ودبلوماسية.

إن إطلاق بكين مبادرة “طريق الحرير” في القرن الحادي والعشرين وجغرافية هذا المشروع، إنما يعوادن إلى ماضيها العظيم، الماضي الذي لم تكن فيه القوى الأوروبية تهيمن على العالم الجديد وتسعى لاستعماره. يتألف تصوّر طريق الحرير من أراضٍ أوراسية مترابطة لا تشمل الولايات المتحدة الأمريكية.

المزايا والمخاطر

هذا وتدعم بعض المزايا توجّه الصين العالمي. فعلى عكس المؤسسات ذات الجذور الغربية مثل صندوق النقد الدولي، فإن قروض بكين لا تشترط على الدول تغيير اقتصاداتها المحلية بحسب توجّهات السوق الحرّة. وبنفس الطريقة، فإن مبدأ الصين بعدم التدخّل يتيح لها التعامل مع الدول بغض النظر عن نوع النظام السياسي السائد أو عن التزام هذه الدول بمبادئ حقوق الإنسان. وبالمقارنة مع الشركات الأوروبية الخاصة نجد أنّ الشركات الصينية المدعومة من قبل الدولة تتمتع بالمرونة الكافية لعقد صفقات لا تشترط أن تكون عائداتها أرباحاً نقدية في المقام الأول، بل يمكن أن تشمل النفوذ الاستراتيجي أو القوة الناعمة.

بعض هذه المزايا يرتبط بمخاطر كبيرة تواجهها الصين، والأهم الدول الشريكة. فالدول غير القادرة على الإيفاء بديونها تشكّل ضغطاً على المصارف الصينية. كما تتعرض الدول الشريكة لخطر أعباء الديون الكبيرة والتنازل عن أصول وطنية رئيسية لصالح السيطرة الأجنبية. ورغم أن القروض الصينية لا تضع شروطاً أيديولوجية، إلا أنها غالباً ما تدرج التزامات بقبول العمال والمقاولين الصينيين. كذلك يسلّط المنتقدون الضوء على بعض المشاكل المتعلقة بالفساد. من الدول المنتقدة المهمة التي تغيّبت عن حضور القمة، والتي يمكن أن تشكّل أكبر ثغرة استراتيجية في مستقبل الدرع الصيني وتُعتبر من الحضارات المركزية الرئيسية على طريق الحرير القديم وعملاقاً صاعداً آخر يواكب صعود الصين: هي الهند. لقد حذّرت نيودلهي من عبء الدين المترتّب عن مشروع حزام واحد طريق واحد، وشكّكت في مشروع الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني الذي تم تنفيذه في كشمير الباكستانية.

رد الغرب

يشير مشروع طريق الحرير إلى التحولات التكتونية في النظام العالمي نحو عالم متعدد الأقطاب، ليس هذا فحسب بل التوجّه أيضاً نحو نظام دولي متعدد الثقافات. يجب على صنّاع القرار الغربيين الذين يسعون إلى الرد على اندفاع الصين أن ينتهجوا أسلوباً متعدد الوجوه، يضع في الحسبان كافة العوامل التي تدفع بكين وتساندها. فالتكتيكات الاستراتيجية التقليدية وحدها، مثل استخدام دول آسيوية أخرى لتحقيق التوازن مع الصين، ليست كافية. ومن الضروري تقدير التفاعل، في كافة أنحاء العالم النامي، بين عوامل مثل الثقافة والأفضليات السياسية، حول بعض المسائل التي تتراوح ما بين الخصخصة وحقوق الإنسان.

ويجب الأخذ بمنهجيات منفتحة تجاه دور القطاعين العام والخاص في الاقتصاد. أما في ما يتعلق بحقوق الإنسان، فإن هاجس الحقوق المدنية والسياسية يجب أن يقابله تقدير للحقوق الاقتصادية. ولعل الأصعب، لكن الأهم، هو أن يكون هناك سبر للعوامل المحلية داخل الدول الغربية مثل عامل عدم المساواة، التي أدّت إلى رد فعل عنيف ضد بعض المبادرات مثل الشراكة عبر المحيط الهادئ، التي تقوّض مكانة العالم الغربي.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4