منوعات - علوم

كيف تبدأ رحلتك في الحوسبة الكمية؟

بقلم: ديفيد ماثيوز

بالنسبة للمبتدئين، تبدو الدارات المُصمَّمة بأداة "كوانتام إكسبريانس" Quantum Experience، الخاصة بشركة "آي بي إم" IBM، والمتاحة على شبكة الإنترنت، كما لو كانت رسومًا من مُقرَّرٍ تمهيدي في علم الحاسوب. فالبوابات المنطقية، التي هي بمثابة لَبِناتِ البناء الأساسية في عمليات الحوسبة، تصطفُ في تلك الدارات على لوحةٍ رقمية، مُحوِّلةً المُدخلات إلى مُخرجات.

ولكنَّ هذه داراتٌ كمية، لا تعمل البواباتُ المنطقية فيها على تعديل البتات الثنائية المعتادة (1 أو 0)، وإنَّما تُعدِّل البتات الكمية (الوحدات الأساسية للحوسبة الكمية). وعلى العكس من البتات الثنائية، يمكن للبتات الكمية أن توجد في صورة "تراكُبٍ كَمّي" لقيمتي 1 و0 معًا، بحيث تستقر على إحداهما فقط عند قياسها. كما تستغل الحوسبةُ الكمية أيضًا خواصَ معينة، مثل التشابك، الذي يؤدي فيه تغيير حالة أحد البتات الكمية إلى تغيير حالة بَتّ كَمّي آخر، حتى وإنْ كانا مُتباعدَين.

تُمكِّن هذه الخواص الحواسيب الكمية من حل فئاتٍ معينة من المعضلات بسرعةٍ أكبر من نظيراتها الكلاسيكية. فقد يمكن للكيميائيين مثلًا استخدام الحواسيب الكمية لتسريع اكتشاف العوامل الحفَّازة الجديدة عبر عمليات النمذجة، غير أنَّ هذا الاحتمال ما زال بعيد المنال، فحتى أسرع الحواسيب الكمية المتوفرة حاليًّا لا يتجاوز عدد بِتّاتها الكمية 100 بت، كما أنَّها تَعُجُّ بالأخطاء العشوائية. وفي عام 2019، بيَّنت شركة "جوجل" كيف يستطيع حاسوبها الكَمّي المحتوِي على 54 بتًّا كميًّا أن يَحُل في دقائق مسألةً سيستغرق حلها من الحواسيب الكلاسيكية 10 آلاف عام، لكنَّ هذه "الأفضلية الكمية" لا تنطبق إلا على ظروفٍ محدودةٍ للغاية. ووفقًا لتقديرات بيتر سيلينجر، عالِم الرياضيات المتخصص في الحوسبة الكمية بجامعة دالهاوزي في مدينة هاليفاكس الكندية، ستحتاج الحواسيب إلى بضعة آلاف من البتات الكمية، قبل أن تتمكن من إعداد نماذج مفيدة للنظُم الكيميائية.

وعن ذلك تقول سارة متولي، الباحثة في مجال الحوسبة الكمية بجامعة كايو في طوكيو: "الوضع الحالي للحواسيب الكمية يشبه وضع الحوسبة الكلاسيكية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. فأغلب الجهد الذي يُبذَل الآن يهدفُ إلى إثبات أنَّ الحوسبة الكمية قد تكون قادرةً في المستقبل على حل معضلاتٍ مثيرة للاهتمام".

تقدُّم سريع الوتيرة

رغم ذلك، هناك تطوراتٌ سريعة في هذا المجال، فشركة "آي بي إم" IBM تأمل في تطوير حاسوبٍ به ألف بتّ كَمّي بحلول عام 2023، كما أنَّ داعمي الحوسبة الكمية يقولون بحماسٍ إنَّ المجال قد يشهد مزيدًا من التقدم عن قريب. وبالنسبة إلى أولئك الذين يريدون أن يفهموا سبب كل هذه الجلبة، هناك مجموعةٌ متنامية من الدروس، ولغات البرمجة، ووسائل المحاكاة متاحة على شبكة الإنترنت، وبفضلها أصبح اتخاذ خطواتك الأولى في مجال الحوسبة الكمية أسهل من ذي قبل.

المنطق الرقمي الذي تستند إليه الحواسيب الكلاسيكية معروفٌ جيدًا، وهو أنَّك لو أجريت مثلًا عمليةً منطقية ببوابة ANDعلى بِتَّين: 1 و0، فسيكون البت الناتج (0)، لكنَّ الحواسيب الكمية تعمل وفق منطقٍ أقل صرامةً بكثير، ويتعين على الباحثين استيعاب الكيفية التي يُعبَّر بها رياضيًّا عن حالات البتات الكمية، كي يفهموا طبيعة سلوكها. وعن هذا تقول كريستا سفور، كبيرة مديري مجموعة الحوسبة الكمية في شركة "مايكروسوفت ريسيرش" Microsoft Research، الواقعة في مدينة ريدموند بولاية واشنطن الأمريكية: "الحوسبة الكمية هي في الأساس عملية ضرب متجهات في مصفوفات. وفي جوهرها تسري وفق قواعد الجبر الخطي".

والكثير من الأدلة المتاحة على شبكة الإنترنت يرشدك خطوةً خطوة، بدايةً من الأساسيات. فعلى سبيل المثال، عمل كل من الفيزيائي مايكل نيلسن، ومهندس البرمجيات آندي ماتوشاك، المقيمَين في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، على إعداد موردٍ مُفصَّل، أطلقا عليه اسم "الحوسبة الكمية للشغوفين بالمعرفة" Quantum Computing for the Very Curious (انظر: go.nature.com/3qazj2p). كما صمَّمت شركة "آي بي إم" مجموعة أدوات تفاعلية، لتتيحها مع لغة البرمجة الكمية "كِسكت" Qiskit التي طورتها، إضافةً إلى تدريباتٍ يمكن تشغيلها بالاستعانة بالدفاتر الحوسبية لتطبيق "جوبيتر" Jupyter.

وتضيف جِينيت جارسيا، كبيرة مديري الفريق المختص بالتطبيقات والخوارزميات والنظريات الكمية لدى شركة "آي بي إم ريسيرش" IBM Research، الواقعة في مدينة سان خوسيه بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أنَّ العلماء بحاجة أيضًا إلى فهم الدارات الكمية جيدًا. فهذه الدارات التي تتدفق المعلومات فيها من اليسار إلى اليمين، وتبدو أشبه إلى حدّ ما بالمدرج الموسيقي، تُمثِّل بصريًّا الكيفية التي تتحوَّل بها البِتّات الكمية عن طريق البوابات المنطقية - مثل بوابات AND، وOR، وNOT، التي تُبنى عليها الدارات الإلكترونية - قبل قياسها للكشف عن حالتها. وفي هذا الصدد، فإنَّ أداة "كوانتام إكسبريانس" تتيح للمستخدمين إمكانية سحب البوابات المنطقية، وإفلاتها لتصميم داراتهم الخاصة عبر متصفح إنترنت، وتشغيلها عن بُعدٍ على حاسوبٍ كَمّي حقيقي. "الوضع الحالي للحواسيب الكمية يشبه وضع الحوسبة الكلاسيكية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين".

اللغة الكَمّية

بعد ذلك، هناك بعض الأطرُ البرمجية المُخصَّصة، ولغاتُ البرمجة التي تتيح للباحثين محاكاة الدارات الكَمّية التي يصمِّمونها، بالإضافة إلى تشغيلها واستكشافها. وقد ورد ذِكْر بعض هذه اللغات في تقريرٍ صدر في عام 2020 (B. Heim et al. Nature Rev. Phys. 2, 709-722; 2020).

كما ابتكرت شركة "مايكروسوفت"، و"آي بي إم"، و"جوجل" أدواتٍ تعتمد اعتمادًا كبيرًا على لغة "بايثون" Python، وهي "كيو#" Q#، و"كِسكت" Qiskit، و"سيرك" Cirq على الترتيب. وكذلك صمَّمت هذه الشركات بيئاتٍ لتطوير البرمجيات تتسم بسهولة الاستخدام، ومُزوَّدة بما يكفي من المَراجع لمساعدة المبرمجين على البدء في استخدامها. فشركة "مايكروسوفت" مثلًا صمَّمت مجموعةً كاملة من أدوات تطوير البرمجيات الكمية (المعروفة اختصارًا باسم QDK)، تشتمل على مكتبات أكواد، ومصحِّح أخطاء، وأداةٍ لتقدير الموارد المطلوبة، تُحدِّد مقدمًا عدد البِتّات الكمية التي ستحتاجها الخوارزميات.

وهذا الأمر ليس حكرًا على شركات التكنولوجيا العملاقة فقط، فهناك مثلًا شركة "ريجيتي كومبيوتنج" Rigetti Computing، الواقعة في مدينة بيركلي بولاية كاليفورنيا، وتمتلك حاسوبًا به 31 بتًّا كميًّا، إذ طرحت هذه الشركة مجموعة أدوات لتطوير البرمجيات الكمية، سمَّتها "فورست" Forest. وتشتمل هذه المجموعة على مكتبةٍ للغة "بايثون"، اسمها "بايكويل" pyQuill. كما طرحت شركة "كامبريدج كوانتام كومبيوتنج" Cambridge Quantum Computing بالمملكة المتحدة مجموعة أدوات "تِكِت" tket، ومعها مكتبتها المعروفة باسم "بايتِكِت" pytket.

وهناك خيارٌ آخر، هو لغة "سِيلك" Silq، التي طرحها خلال العام الماضي فريقٌ بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH) في زيورخ. وحسب قول بنجامين بِكسل، أحد المشاركين في تصميمها، فإنّ إحدى مزاياها الأساسية هي قدرتها على "إلغاء الحوسبة" uncomputation. وهي تُعِيد تلقائيًّا ضبط القيم المؤقتة التي تستخدمها البرامج الكمية، بدلًا من أن يُضطر المبرمجون إلى إجراء هذه المهمة المُمِلّة والشاقة يدويًّا.

أمَّا لغة "كويبر" Quipper، فأقل سهولةً في استخدامها إلى حد ما. وعلى العكس من "بايثون"، فهي لا تعتمد على تعليماتٍ أو أوامر، أي لا يقدِّم فيها البرنامج مجموعةً تفصيلية من الخطوات تُغيِّر حالة البرمجيات، حسبما أفاد سيلينجر، الذي كان من بين المشاركين في تصميمها، وإنَّما هي لغةٌ "وظيفية"، أشبه بمجموعةٍ من الدوال الرياضية. وأضاف سيلينجر موضحًا: "لا تحتاج أبدًا في استخدامها إلى تحديث أي شيء، فلا توجد أي متغيرات".

وبالرغم من أنَّ الأجهزة محدودة الإمكانيات المتاحة حاليًّا، لن تستفيد من تلك اللغة مباشرةً، فطبيعتها الوظيفية قد تسهل - في الأساس - عملية التحقُّق الرياضية من خلو البرامج الكمية من الأخطاء، ومن قدرتها الفعلية على حل المعضلات التي تريد منها حلَّها، حسبما أوضح سيلينجر، غير أنَّ ذلك يجعلها أصعب في الاستخدام. ويشرح سيلينجر هذه المسألة قائلًا: "إذا كنتَ تريد من شخصٍ غير متخصص في هذا المجال، وليكن كيميائيًّا، أن يُجرِّب الحوسبة الكمية، فمن الأفضل أن تسهل عليه خطواته الأولى، وأن يبدأ بلغة برمجة مألوفة بالنسبة إلى معظم الناس". ويقترح سيلينجر في هذا الصدد استخدام لغة "كِسكت"، أو إحدى اللغات الأخرى المعتمدة على الأوامر، والقائمة على لغة "بايثون".

وبالنسبة إلى الحواسيب الكمية، فمعظم ما يتمتع منها بقدراتٍ كمية حقيقية تملكه شركات التكنولوجيا الخاصة، التي تتيح استخدامها وفق مجموعةٍ متنوعة من الشروط. فشركة "آي بي إم" مثلًا تتيح مجانًا استخدام حاسوبٍ ذي 5 بتات كمية، لكنْ إذا أرادت المؤسسات البحثية استخدام حواسيبها الأقوى، فعليها أن تصبح جزءًا من "الشبكة الكمية" للشركة، التي تضم جامعاتٍ، ومختبراتٍ، وشركات. تقول جارسيا إنَّ الشركة لا تعلن عن أسعار خدماتها، غير أنَّها تمنح بالفعل "تصاريح استخدام" للعلماء الذين لديهم "أفكارٌ بحثية جذابة، ويريدون استخدام جهازٍ لاختبارها". فعلى سبيل المثال، في شهر نوفمبر الماضي، أعلن فريقٌ بجامعة شيكاغو في ولاية إلينوي الأمريكية أنَّه استخدم أحد حواسيب الشركة لدراسة ما يُعرف باسم "المُكثف الإكسيتوني" exciton condensate، وهو نظامٌ كَمّي يتمتع بقدرةٍ كبيرة على توصيل الكهرباء (L.M. Sager et al. Phys. Rev. Res. 2, 043205; 2020).

كما تتيح شركة "مايكروسوفت" استخدام الحواسيب الكمية الخاصة بالشركات الأخرى، عبر منصّتها الجديدة "أزور كوانتم" Azure Quantum. وتقول سفور إنَّ هذه الخدمة متاحة لمرحلةٍ مجانية "للمعاينة المحدودة"، وإنّ المؤسسات البحثية بإمكانها أن تتقدم بطلباتٍ، كي تصبح من أوائل مستخدميها.

أمَّا شركة "جوجل"، فلا تتيح استخدام أجهزتها الكمية كخدمةٍ مدفوعة، لكنَّ ماركوس هوفمان، الذي يرأس فريق الشركة المعنِيّ بشراكات الحوسبة الكمية وبرامجها، فيقول إنَّ أي عالِم لديه مقترحٌ جذاب لتجربةٍ ما يمكن إجراؤها على أجهزة "جوجل"، فينبغي عليه التواصل مع الشركة. وأوضح هوفمان، الذي يقيم في مدينة ميونخ الألمانية، قائلًا: "بناءً على التأثير البحثي لهذه التجربة في المجال، سنجد طريقةً لإجرائها".

وهناك خيارٌ آخر، يلجأ إليه آشلي مونتانارو، الباحث في مجال الحوسبة الكمية بجامعة بريستول في المملكة المتحدة، إذ يشغل برامجه الكَمّية عبر منصة "أمازون ويب سيرفسيز" Amazon Web Services، وهي منصة حوسبة سحابية تتصل بالأجهزة الكمية للشركات الأخرى. وبينما يدفع مونتانارو دولارًا أمريكيًّا واحدًا تقريبًا لاختبار دارةٍ كَمّية واحدة، فإنَّه يُحذِّر من أنَّ "التكلفة يمكن أن تزيد كثيرًا"، لأنَّ الباحثين قد يريدون اختبار آلاف الدارات الكمية.

ابدأ بالمحاكاة

يمكن للعلماء الشغوفين بالاطلاع على تلك التكنولوجيا أن يجربوا أيضًا أنظمة المحاكاة، التي تحاكي الحواسيب الكمية على الأجهزة الكلاسيكية، فعلى سبيل المثال، تتضمن مجموعة أدوات شركة "مايكرسوفت" نظام محاكاةٍ مدمَجًا، يمكنه مُحاكاة جهازٍ ذي 30 بتًّا كميًّا على الحواسيب النقالة.

وهذا هو ما ينصح به توماس أوبراين، المسؤول عن الخوارزميات والتطبيقات الكمية الأوروبية ضمن فريق أبحاث الذكاء الاصطناعي الكَمّية في شركة "جوجل"، الذي يقيم في ميونخ. يقول أوبراين: "نصيحتي للجميع هي البدء بأنظمة المحاكاة، فنتائجها متوقعة أكثر من الأدوات الأخرى بكثير، وتتيح لك أن ترى بالفعل الحالات الكمية". ويتابع قائلًا إنَّ دراسة حالة الحواسيب الكمية الفعلية تتسبب بالتأكيد في انهيارها، ما يجعل اكتشاف الأخطاء وإصلاحها أمرًا صعبًا. كما إنّ السخونة الناتجة غير المرغوب فيها، والمجالات المغناطيسية، يمكن أن تدفعا البتّات الكمية للخروج من حالتها الراهنة، غير أنَّ مونتانارو ينصح العلماء مع ذلك بأنْ يشغلوا برامجهم على الحواسيب الكمية الحقيقية إنْ استطاعوا، حتى يعتادوا على سلوكها المُشوَّش المُعرَّض للخطأ. ويقول عن ذلك: "هذا يوضح لك ببساطة أشياء لن تكتشفها بالمُحاكاة".

مِثلُ هذه المصاعب ستختفي مع تقدُّم الأبحاث، وتَحَسُّن الأجهزة الكمية، لكنْ حتى يحين ذلك الوقت، مِن المُستبعد أن تحل الحواسيب الكمية محل نظيراتها الكلاسيكية. وعوضًا عن ذلك، ستُدمَج تلك الحواسيب ضمن بِنْيةٍ حوسبية كلاسيكية أكبر، تتعامل فيها مع تلك المسائل التي تُسرِّع حلها إلى درجةٍ هائلة، غير أنَّ الباحثين ما زالوا بحاجة إلى تحديد ماهية هذه المشكلات، والبحث جارٍ في هذا الصدد. وعن ذلك، يقول إريك جونستون، أحد المشاركين في تأليف كتاب "برمجة الحواسيب الكمية" Programming Quantum Computers (2019)، والمُقيم في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس: "في الواقع، هذا هو السؤال المهم. وأعتقد أنَّ الاستكشاف هو السبيل الوحيد للإجابة عنه، فإذا كنتَ عالِمًا لديه بعض المعرفة بالحوسبة الكلاسيكية، فثمة جوانب كثيرة للغاية في مجال الحوسبة الكمية لم تُسبَر أغوارها بعد، وكَثْرتها يمكن أن تجعلك لا تملّ معها أبدًا".

اضف تعليق